لماذا نشعر بالخوف رغم الأمان؟.. دراسة تكشف كيف يمحو الدماغ الفارق بين الخطر والطمأنينة

▪︎ واتس المملكة

.

كشفت دراسة كندية نُشرت في مجلة Nature Neuroscience أن الخوف قد يطمس الفارق العصبي بين المواقف الآمنة وتلك المهدِّدة، ما يدفع الدماغ إلى إطلاق إنذارات كاذبة. التجارب على الفئران أظهرت تداخلاً في تمثيلات ذكريات الأمان والخطر، في آلية سريعة الاستجابة قد تسهم في تفسير القلق واضطراب ما بعد الصدمة.

قد تكون في مكان هادئ تماماً، ولا يوجد حولك ما يدعو للقلق، ومع ذلك تشعر فجأة بالخوف أو التوتر وكأن خطراً ما يوشك أن يحدث. هذا الشعور الذي يختبره كثيرون قد لا يكون مجرد مبالغة في رد الفعل، بل يرتبط بطريقة معالجة الدماغ للمعلومات والذكريات المرتبطة بالخطر.

كشفت دراسة كندية جديدة أن الخوف قد يجعل الدماغ أقل قدرة على التمييز بين المواقف الآمنة وتلك التي تحمل تهديداً حقيقياً، في مفارقة تتحدى الاعتقاد السائد بأن الخوف يساعدنا دائماً على تحديد مصادر الخطر بدقة، بحسب تقرير نشره موقع «Science Daily».

وتشير النتائج، التي توصل إليها باحثون من مركز دوغلاس للأبحاث بجامعة ماكغيل وجامعة تورنتو سكاربورو، ونُشرت في مجلة «Nature Neuroscience»، إلى أن الدماغ قد يضحي بدقة التمييز مقابل سرعة الاستجابة، وهي آلية قد تساعد على تفسير بعض مظاهر القلق واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).

كيف يخلط الدماغ بين الأمان والخطر؟

لفهم ما يحدث، أجرى الباحثون تجارب على الفئران، دربوها خلالها على التمييز بين بيئة ارتبطت بالخطر وأخرى ارتبطت بالأمان. لكن النتائج أظهرت أن الدماغ لم يحتفظ دائماً بتمثيلات عصبية منفصلة لكل تجربة، بل بدأت الأنماط المرتبطة بالموقعين تتداخل، وأصبحت ذكريات الخطر والأمان أقل تمايزاً في نشاط الخلايا العصبية.

وقال الباحث الرئيسي وأستاذ الطب النفسي المشارك بجامعة ماكغيل مارك براندون، إن النتائج تشير إلى أن الخوف قد «يطمس الحدود بين الخطر والأمان بدلاً من أن يجعلها أكثر وضوحاً»، وهو ما قد يغير فهم العلماء للآليات المرتبطة بالقلق واضطراب ما بعد الصدمة.

تقنية متطورة تكشف ما يحدث داخل الدماغ

لمراقبة هذه التغيرات، ابتكر الفريق البحثي نظاماً تجريبياً يجمع بين الواقع المعزز والتصوير العصبي المباشر. وصمم الباحثون حلبة خاصة أمكن من خلالها نقل الفئران افتراضياً بين بيئات مختلفة مرتبطة بالأمان أو التهديد، عبر تغيير المشاهد والأصوات المحيطة بها دون تحريك الحيوانات فعلياً.

وفي الوقت نفسه، استخدم العلماء مجاهر مصغرة لرصد نشاط مئات الخلايا العصبية في الحُصين، وهي منطقة دماغية أساسية في التعلم والذاكرة، ما أتاح لهم متابعة كيفية تغير نشاط الدماغ عند الانتقال بين التجارب الآمنة والمهددة.

وأوضح الأستاذ المساعد بجامعة تورنتو والمؤلف الرئيسي للدراسة روبرت روزيسكي، أن هذه التقنية أتاحت للفريق مراقبة التغيرات العصبية لحظة بلحظة، ورؤية كيفية التنافس بين التمثيلات الدماغية المرتبطة بذكريات الأمان والخطر.

لماذا يفضل الدماغ السرعة على الدقة؟

قد يبدو الخلط بين ذكريات الأمان والتهديد خللاً في طريقة عمل الدماغ، لكن الباحثين يرون أن هذه الآلية ربما تطورت لتوفير حماية أسرع عند مواجهة المخاطر. فقد أظهرت التجارب أن تداخل التمثيلات العصبية ساعد الحيوانات على استرجاع معلومات التهديدات السابقة بسرعة أكبر، بما يعزز قدرتها على التعرف إلى الخطر المحتمل والاستجابة له قبل فوات الأوان.

لكن لهذه الميزة ثمناً؛ إذ قد يدفع الدماغ إلى إطلاق استجابة دفاعية حتى عندما لا يكون الموقف الحالي خطيراً بالفعل. وبعبارة أخرى، قد يكون الإنذار الكاذب، من منظور البقاء، أقل كلفة من تجاهل خطر حقيقي.

ويرجح الباحثون أن الحُصين البطني، وهو جزء من الحُصين يرتبط بمعالجة التجارب ذات الأهمية العاطفية، قد يؤدي دوراً محورياً في هذه الاستجابة، من خلال مساعدة الدماغ على الانتقال سريعاً إلى حالة التأهب.

هل يفسر ذلك نوبات القلق والخوف المفاجئ؟

تفتح هذه النتائج الباب أمام تفسير محتمل لبعض الاستجابات المفرطة للخوف لدى المصابين بالقلق واضطراب ما بعد الصدمة. فقد يستحضر صوت أو مشهد أو مكان عادي لدى الشخص المصاب باضطراب ما بعد الصدمة ذكريات تجربة مؤلمة سابقة، فيطلق استجابة خوف قوية رغم عدم وجود تهديد حقيقي في اللحظة الراهنة.

ويرى الباحثون أن المشكلة قد لا تكون بالضرورة عجز الدماغ عن التمييز بين الذكريات، بل نشاطاً مفرطاً في آلية دفاعية طبيعية تجعله ينتقل بسرعة زائدة من الشعور بالأمان إلى توقع الخطر.

ويشير براندون إلى أن هذا الفهم قد يفتح المجال أمام مقاربات علاجية جديدة تستهدف الحد من الانتقال المفرط إلى حالة التأهب، بدلاً من التركيز فقط على ضعف التمييز بين ذكريات الخطر والأمان.

هل تنطبق النتائج على البشر؟

رغم أهمية الاكتشاف، يؤكد الباحثون ضرورة التعامل معه بحذر؛ إذ أُجريت التجارب على الفئران، ولا يزال من الضروري إجراء دراسات إضافية لمعرفة ما إذا كانت الآلية نفسها تؤدي دوراً مماثلاً لدى البشر.

ومع ذلك، تقدم الدراسة تصوراً جديداً لكيفية تأثير الخوف في الذاكرة، وتوضح أن النظام الدماغي المصمم لحمايتنا من المخاطر قد يتحول أحياناً إلى مصدر للإنذارات الكاذبة، فيجعلنا نشعر بالتهديد حتى عندما نكون في أمان تام.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى