14 يومًا فقط.. ماذا حدث لعقولهم؟

▪︎ واتس المملكة
.
تناقش المقالة تأثير الابتعاد عن الإنترنت عبر الهواتف الذكية لمدة 14 يومًا على الانتباه والصحة النفسية. أظهرت دراسة نشرت في 2025 تحسنًا ملحوظًا في مؤشرات الرفاهية لدى المشاركين. كما توضح أن انقطاع الإنترنت يقلل من التش…
كم مرة أمسكت هاتفك دون أن تعرف لماذا؟ وكم مرة فتحت تطبيقًا لمجرد قتل دقيقة، فاكتشفت أن نصف ساعة قد مضت؟ لقد أصبح الهاتف الذكي رفيقًا دائمًا للإنسان؛ على مائدة الطعام، وفي غرفة النوم، وأثناء العمل، بل وحتى في اللحظات التي كان يفترض أن تكون للراحة والتأمل والتواصل مع الأسرة.
لكن ماذا لو منحنا عقولنا هدنة لمدة 14 يومًا فقط من الإنترنت عبر الهاتف الذكي؟
هذا السؤال لم يعد مجرد دعوة للتقليل من استخدام التقنية، بل أصبح موضوعًا لدراسة علمية مثيرة للاهتمام نُشرت عام 2025 في مجلة PNAS Nexus، بعنوان: Blocking mobile internet on smartphones improves sustained attention, mental health, and subjective well-being، وشارك فيها 467 شخصًا.
لم يطلب الباحثون من المشاركين أن يتخلصوا من هواتفهم أو يعيشوا بمعزل عن العالم، وإنما حُجب عن الهاتف الوصول إلى الإنترنت لمدة أسبوعين، مع استمرار إمكانية استخدام المكالمات والرسائل النصية، وإمكانية استخدام الإنترنت عبر أجهزة أخرى مثل الكمبيوتر.
والنتائج تستحق التأمل.
وجد الباحثون تحسنًا في الانتباه المستمر والصحة النفسية والشعور بالرفاهية، وأفادوا بأن 91% من المشاركين تحسن لديهم مؤشر واحد على الأقل من المؤشرات التي تمت دراستها. كما انخفض متوسط استخدام الهاتف بصورة ملحوظة.
والأكثر إثارة أن التحسن الذي ظهر في اختبار الانتباه المستمر كان، وفق مقارنة الباحثين، قريبًا من مقدار الفارق المرتبط بنحو عشر سنوات من العمر.
لكن ينبغي ألا نفهم هذه النتيجة بصورة مبالغ فيها؛ فالدراسة لا تقول إن الابتعاد عن إنترنت الهاتف لمدة أسبوعين «يعيد الدماغ عشر سنوات إلى الوراء»، وإنما تشير إلى أن حجم التحسن في الانتباه كان مماثلًا تقريبًا للفارق المرتبط بهذا المقدار من العمر في بيانات الدراسة.
كما قارن الباحثون حجم التحسن في بعض مؤشرات الصحة النفسية بأحجام تأثيرات وردت في دراسات سابقة لبعض التدخلات العلاجية. وهذا لا يعني أن الابتعاد عن الهاتف بديل للعلاج النفسي أو الأدوية عند الحاجة إليها، وإنما يكشف حجم الأثر المحتمل لتغيير سلوك يومي أصبح جزءًا من حياتنا.
فلماذا قد يحدث هذا التحسن؟
عندما ينقطع الإنترنت عن الهاتف، تقل الإشعارات، والتصفح العشوائي، والتنقل المستمر بين المقاطع والمنشورات والأخبار والرسائل. وهنا يستعيد الإنسان شيئًا أصبح نادرًا في عصرنا: الوقت غير المشتت.
وقد وجد الباحثون أن المشاركين قضوا وقتًا أكبر في التواصل المباشر مع الآخرين، وممارسة الهوايات، والوجود في الطبيعة، إضافة إلى تحسن بعض السلوكيات المرتبطة بالحياة اليومية. أي أن الفائدة قد لا تأتي فقط مما توقف الإنسان عن فعله، وإنما أيضًا مما بدأ يفعله عندما ابتعد عن الشاشة.
وهنا تكمن الرسالة الأهم.
المشكلة ليست في الهاتف ذاته؛ فهو أداة عظيمة قربت المسافات ويسرت الأعمال وفتحت أبواب المعرفة. المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة من شيء نستخدمه إلى شيء يستخدم وقتنا وانتباهنا دون أن نشعر.
وقد أصبح من المألوف أن تجتمع الأسرة في مكان واحد، بينما يعيش كل فرد منها في عالم مختلف داخل شاشة صغيرة. نجلس مع أبنائنا ولا نصغي إليهم، نتناول الطعام وأعيننا على الهاتف، ونذهب إلى الفراش ونمنح آخر دقائق يومنا للشاشة، ثم نستيقظ فنمد أيدينا إليها قبل أن نغادر السرير.
لذلك قد يكون من المفيد أن نجرب ما يمكن تسميته «هدنة رقمية».
ليس المطلوب أن نرمي هواتفنا أو نقاطع التقنية، وإنما أن نستعيد السيطرة عليها: نقلل تطبيقات التواصل، ونغلق الإشعارات غير الضرورية، ونبعد الهاتف عن غرفة النوم ومائدة الطعام، ونخصص أوقاتًا في اليوم بلا شاشة، ونستخدم الكمبيوتر عندما نحتاج إلى إنجاز بعض الأعمال التي تتطلب الإنترنت.
وربما يستطيع من أراد تجربة أكثر جدية أن يمنح نفسه 14 يومًا يقلل خلالها الإنترنت على هاتفه إلى الحد الأدنى، ثم يسأل نفسه: كيف أصبح نومي؟ كيف أصبح تركيزي؟ كم تحدثت مع أسرتي؟ كم كتابًا قرأت؟ وكم ساعة اكتشفت أنها كانت تضيع يوميًا دون أن أشعر؟
لقد منحتنا الهواتف الذكية العالم بين أيدينا، لكنها في المقابل أخذت جزءًا كبيرًا من انتباهنا.
وقد لا نحتاج إلى التخلص منها، وإنما إلى أن نضعها أحيانًا جانبًا كي نستعيد شيئًا أهم منها:
أنفسنا، ووقتنا، ومن نحب.
المرجع العلمي:
Castelo, N., Kushlev, K., Ward, A. F., Esterman, M., & Reiner, P. B. (2025). Blocking mobile internet on smartphones improves sustained attention, mental health, and subjective well-being. PNAS Nexus, 4(2), pgaf017. DOI: 10.1093/pnasnexus/pgaf017.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq

