ثقافة “العتب المستمر”.. متى تتحول كثرة الملامة إلى مقبرة للمودة والإنتاجية؟

▪︎ واتس المملكة
.
يحذّر المقال من ثقافة “العتب المستمر” التي حوّلت اللوم من تعبير عن المحبة إلى عبء نفسي يطفئ بهجة اللقاء، ويدفع الأصدقاء والأقارب وزملاء العمل إلى “الهروب الصامت” وتجنّب التواصل حفاظاً على سلامهم النفسي. ويؤكد أن جودة الحياة والعلاقات تتطلب تبنّي “العلاقات الخفيفة” المبنية على التسامح وذكاء التغافل و…
تلتقي بقريب بعد غياب، أو تفتح محادثة مع صديق قديم بدافع الشوق وتفقد الحال، وقبل أن تتبادلا عبارات السلام والاطمئنان، تفاجأ بوابل من اللوم الجاهز: “وين الناس؟”، “صرت ما تسأل!”، “ما صرنا نشوفك إلا بالصدفة!”. وفي بيئة العمل، قد يدخل مدير أو زميل في بداية كل اجتماع بعبارات تقريع مبطنة تحاسب الآخرين على تفاصيل هامشية أو تغيبهم عن مناسبات غير رسمية، وكأن التواصل أصبح واجباً ثقيلاً يُقاس بدفتر الحضور والغياب.
في تلك اللحظة بالذات، ينطفئ بريق الشوق، ويحل مكانه شعور غامر بالثقل والنفور؛ تجد نفسك تبحث عن أي عذر لإنهاء المحادثة أو المغادرة سريعاً، وتتردد مستقبلاً ألف مرة قبل أن تبادر بالاتصال أو السؤال. تتحول العلاقة تدريجياً من واحة للأنس والراحة إلى عبء نفسي مرهق يتطلب طاقة دفاعية مستمرة.
هذا الموقف الشائع يستدعي وقفة نقدية رصينة ومجردة: متى تحول العتب في ثقافتنا من دليل محبة إلى مقصلة تذبح المودة وتدفع الناس إلى التباعد والهروب؟
إن الأزمة التي تئن منها كثير من دوائرنا الاجتماعية والمهنية اليوم ليست شحاً في الوقت، ولا قسوة في القلوب، بل هي الوقوع في فخ “العتب المستمر”. ينشأ هذا النزيف حين يعتقد البعض أن كثرة الملامة دليل اهتمام، غافلين عن أن تحويل العلاقات إلى “محاكم تفتيش” عاطفية يسلب التواصل عفويته، ويحول المودة الصادقة إلى دين ثقيل يتجنب الجميع سداده.
سيكولوجية “الاستحقاق المشروط” وفتور المشاعر
في التحليل النفسي والعلاقاتي، ينبع العتب المتكرر غالباً من حالة خفية من “الاستحقاق المشروط”؛ حيث يرى المعاتب أن قيمته في قلبك لا تثبت إلا إذا قدمت له أدلة وبراهين يومية تثبت تواصلك وتفرغك لأجله.
هذا النوع من الشخصيات يمارس نوعاً من “الابتزاز العاطفي غير الواعي”؛ فهو لا يستقبل حضورك بامتنان وابتسامة، بل يبدأ بجلدك على غيابك السابق. ينسى هؤلاء أن الحياة المعاصرة أصبحت شديدة التعقيد والتسارع؛ فكل إنسان يخوض معاركه الخاصة بصمت بين متطلبات العمل، وأولويات الأسرة، والتحديات الصحية والمالية. عندما تُحمّل الآخرين ذنب انشغالهم الطبيعي، فأنت لا تقربهم إليك، بل تدفعهم قسراً إلى ما يسمى في علم السلوك بـ “الهروب الصامت” (Silent Withdrawal)؛ حيث يتظاهر الطرف الآخر بالود، لكنه يتجنب اللقاء بك في الواقع حفاظاً على سلامته النفسية.
ضريبة اللوم الدائم في بيئات العمل والإنتاجية
لا يقتصر أثر العتب على الدوائر العائلية، بل يتمدد ليفسد بيئات العمل؛ فالقائد أو الزميل الذي يبني تواصله على الملامة المستمرة والوقوف عند صغائر الهفوات يخلق بيئة عمل يسودها “الترقب الخائف” بدلاً من الابتكار والشغف.
حين يشعر الموظف بأن جهده غير مرئي، وأن أي تقصير عارض في مجاملة اجتماعية أو تأخر في رد غير عاجل سيكون محلاً للعتب الإداري، يتراجع حماسه، وتتلاشى روح المبادرة، ويسود النفاق التنظيمي؛ حيث يصبح الهدف الأساسي إرضاء “مزاج المسؤول” وتجنب لومه، بدلاً من التركيز على المخرجات الاستراتيجية الحقيقية التي ترفع مؤشرات الأداء.
حقيقة سلوكية وعلاقاتية:
القلوب تُقاد بالمروءة وسعة الصدر، لا بسياط الملامة؛ فالإنسان بطبعه يألف من يُخفف عنه أعباء الحياة ويُحسن الظن بغيابه، وينفر ممن يجعل من كل لقاء مناسبة لفتح دفاتر الحساب.
🔍 إن استقراء الحكمة القيادية والاجتماعية عبر التاريخ يؤكد أن العلاقات الأكثر عمقاً ورسوخاً هي تلك التي بُنيت على “ذكاء التغافل” وحسن التأويل؛ فالعظماء هم من يملكون نفوساً كبيرة تتسع لأعذار الناس، مدركين أن كثرة الاستقصاء والتدقيق تفسد الود وتورث الضغينة.
جودة الحياة والتحول نحو “العلاقات الخفيفة”
في ضوء مستهدفات برنامج “جودة الحياة” المنبثق عن رؤية المملكة 2030، يبرز تعزيز الصحة النفسية والرفاه المجتمعي كأحد ركائز بناء الإنسان المتزن. وجودة الحياة لا تكتمل إلا بجودة العلاقات الإنسانية التي تحيط بنا؛ فنحن بحاجة ماسة إلى بيوت ومجالس تمثل ملاذاً آمناً من ضغوط العالم الخارجي، لا مصدراً إضافياً للتوتر والقلق.
الانتقال نحو النضج الاجتماعي يتطلب تبني ثقافة “العلاقات الخفيفة والمريحة”؛ تلك العلاقات التي إذا التقينا فيها احتفينا بما حضر، وإذا غبنا حفظنا الغيبة والتمسنا العذر. إن المجتمع الحيوي المستقر هو الذي يتخلص أفراده من التكلف والملامة، ويجعلون من مجالسهم واحات للبشاشة وبث الأمل، ليجد كل شخص فيها متنفساً حقيقياً يعينه على مواصلة مسيرته وتنمية وطنه بهمة وطمأنينة.
أنسنة التواصل وثقافة التماس الأعذار
إن كمال المودة يكمن في “أنسنة العلاقات”؛ أي التسليم بأن أصدقاءنا وأقاربنا بشر تعتريهم فترات من الإرهاق والانكفاء الداخلي، وأن قلة سؤالهم لا تعني بالضرورة نقصاً في محبتهم ومكانتهم.
عندما ترتقي بوعيك وتتعلم كيف تغلق دفاتر اللوم، تصبح شخصاً مريح الحضور، يُشتاق إليه ولا يُهرب منه. تصبح مجالسكم مساحة يتسابق إليها الجميع لأنهم يعلمون أنهم سيلقون فيها القبول والتقدير دون شروط. هكذا تُصان الأسر من القطيعة، وهكذا تُبنى الصداقات على أسس متينة من الثقة والحرية، وهكذا نعيش حياة ثرية بسلامها الاجتماعي وتماسكها الوجداني الرصين.
كتيب التشغيل: 3 خطوات لتطبيق مصفوفة “إدارة التوقعات وبناء العذر”:
-
استبدال “عتاب الغياب” بـ “بهجة اللقاء”: عوّد لسانك فور رؤية من طال غيابه أن تقول بصدق وابتسامة: “الحمد لله أن جمعنا بك ونحن بخير، نورت المكان وسعدنا برؤيتك” بدلاً من “وينك من زمان ما شفناك!”. اجعل حضور الشخص هو الحدث المكرم، لا غيابه هو الذنب المعاتب عليه.
-
تطبيق قاعدة “السبعين عذراً الصامتة”: حين يتأخر قريب أو صديق في الرد أو يعتذر عن مناسبة، افترض تلقائياً أنه يمر بظرف قاهر يمنعه من التواصل، وتجنب تماماً استجوابه أو التفتيش في نواياه؛ فالتغافل الذكي يحفظ ماء وجه الطرف الآخر ويمنحه مساحة الأمان للعودة متى ما استقرت ظروفه.
-
وضع حدود واضحة مع “محترفي الملامة”: إذا كنت تواجه شخصاً يصر على محاصرتك بالعتب المستمر، رُدّ عليه بهدوء واتزان دون تبرير دفاعي: “نحن نلتقي لنسعد ونستريح من عناء الحياة، ومحبتك في القلب لا يغيرها الانشغال، فلنستمتع بوقتنا الحاضر”. هذه الاستجابة الحازمة والودودة تضع حداً لتكرار الاستنزاف وتُعيد العلاقة إلى مسارها الإيجابي.
عزيزي الممارس الواعي.. عزيزي الباحث عن راحة البال..
علاقاتك في هذه الحياة وُجدت لتكون مصدر أمان وسكينة وسند، لا ساحة لتسجيل المواقف وافتعال المعارك الخاسرة. فلا تجعل من لسانك أداة تنفر القلوب عنك وتضيق بها المجالس.
كن ذلك الصاحب الخفيف، والقريب السمح، والقائد الحصيف الذي إذا حضر ملأ المكان أمناً وبشاشة، وإذا غاب ذُكر بالخير والتماس العذر؛ واجعل من التغافل شيمتك، ومن سعة الصدر مسارك، لتكسب محبة القلوب بصدق، وتصنع لنفسك دوائر إنسانية راسخة تثمر طمأنينة ومودة تدوم على مر الأيام والسنين.تذكر دائماً:
“رزانتك ورفعة قدرك لا تتأكدان بمحاسبة الناس على تقصيرهم وسؤالهم،
بل بسماحة نفسك وقدرتك على بسط الأعذار لمن حولك؛
فالإنسان الذي يستسلمه فخ العتب المستمر، هو شخص يطرد بملاومته أصدق محبيه،
بينما تظل روحه أسيرة للوحشة بعد أن بنى بيده جدران النفور والتباعد”.
أحمد علي العمودي
خبير استراتيجي، مستشار تطوير الأعمال
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq