هل تعالج لسعات النحل أمراضًا مزمنة؟

▪︎ واتس المملكة

.

بين جدران الخلية الواحدة، تعمل آلاف النحلات في نظام دقيق لإنتاج العسل وحبوب اللقاح وغذاء الملكات، غير أن ما يستوقف بعض الباحثين ليس ما تنتجه النحلة للخارج، بل ما تحمله في داخلها، قطرة سمّ لا يتجاوز وزنها أجزاءً من الملّيغرام، تحوي مركّبات معقّدة يتصدّرها “الميليتين”.

في الرياض، دخل أحدهم هذا الميدان من باب لم يخطر له على بال، لسعة لم يطلبها، ومجلس عابر، ومعلومة قلبت مساره المهني رأسًا على عقب، وتبدأ القصة حين قرر د. عبدالعزيز اللحيدان اقتناء خلية نحل ووضعها في مزرعة جدّه بمحافظة الدرعية، من دون أن يتخيل أن هذه الخطوة البسيطة ستعيد رسم مسار حياته المهنية بالكامل.

وبعد أن هاجمته الخلية بلسعات مؤلمة، توجّه بالشكوى إلى صاحب النحل، ليجد في المجلس طبيبًا آخر يحدّثه عن الفوائد الجمّة لسمّ النحل، وكانت تلك اللحظة كفيلة بإيقاظ فضوله العلمي، فانطلق في رحلة بحث ودراسة معمّقة في هذا المجال، توّجها لاحقًا بدراسة الطب وتبنّي هذا النوع من العلاج بقناعة راسخة.

الجلسة العلاجية الأولى.. من الحوار إلى الفحص

يبدأ د. اللحيدان كل جلسة بحوار مباشر مع المريض يستفسر خلاله عن دوافعه لاختيار العلاج بلسعات النحل، قبل أن ينتقل إلى مراجعة دقيقة لتاريخه المرضي: هل يعاني من أمراض مزمنة؟ هل يتناول أدوية معيّنة؟ وهل سبق أن تعرّض لصدمة تحسّسية أو يعاني من حساسية تجاه مثيرات معيّنة؟

بعد هذا التقييم، يُجري اختبار حساسية خاصًا بكل مريض، مع حرصه على شرح كل خطوة بأسلوب مبسّط بعيد عن التعقيد، وتستغرق جلسة الاختبار نحو 30 دقيقة، وتُجرى عادة في مناطق طرفية من الجسم كاليدين والقدمين.

“الميليتين”.. المكوّن الأبرز في سمّ النحل

يحتوي سمّ النحل على مجموعة واسعة من المواد الفعّالة، يتصدّرها مركّب “الميليتين” الذي يتميّز بخصوصية فريدة؛ إذ لا يوجد في أي مصدر طبيعي آخر سوى سمّ النحل.

ويشكّل هذا المركّب نحو 50% من الوزن الجاف للسمّ، وهو العنصر الوحيد المسؤول عن تحفيز إفراز الكورتيزون الطبيعي في الجسم، وهي الخاصية التي تُبنى عليها كثير من الفوائد العلاجية المرتبطة بهذا النوع من العلاج.

وتتفاوت قوة اللسعة وفعاليتها تبعًا لعوامل عدة، أبرزها نوع نحل العسل، وعمر النحلة، وموسم الرعي؛ إذ تكون اللسعة أقوى تأثيرًا في الفترة الممتدة من الربيع إلى الصيف، نظرًا لارتفاع نشاط النحل وتركّز موادّه الفعّالة خلال هذين الفصلين

كنوز الخلية.. منتجات النحل ودورها العلاجي

لا يقتصر هذا العلاج على السمّ وحده؛ فمنتجات النحل متعدّدة وغنية بالفوائد، وتشمل العسل، وحبوب اللقاح، وغذاء الملكات، وشمع النحل، وخبز النحل، والعكبر. ويُضاف إلى هذه القائمة “هواء الخلية” الذي يُجمع ويُعبّأ في فلاتر خاصة يستنشقها بعض المرضى ضمن بروتوكولات علاجية محددة.

متى يُمنع العلاج بلسع النحل؟

كأي علاج طبي، يخضع العلاج بلسع النحل لمحاذير واضحة؛ إذ توجد موانع مطلقة تمنع اللجوء إليه بالكامل، أبرزها حالات الفشل الكلوي الحاد. في المقابل، توجد موانع نسبية تستدعي حذرًا خاصًا، مثل حالات الحمل والرضاعة، إذ تُقيَّم فيها كل حالة على حدة.

اختيار موضع اللسعة.. بين الفلسفة والتجربة

تعدّدت الدراسات والفلسفات العلاجية المتعلقة بتحديد مواضع اللسع، واستند بعضها إلى نقاط الوخز في الطب الصيني بالإبر. غير أنّ د. اللحيدان يرى أن الأجدى هو توجيه اللسعة مباشرة إلى موضع الألم أو المشكلة، مستندًا إلى تجربته العملية مع المرضى التي أظهرت نتائج إيجابية عند اتّباع هذا النهج.

عدد الجلسات.. قرار لا يخضع لقاعدة ثابتة

يؤكد د. اللحيدان أنه لا يمكن تحديد عدد جلسات العلاج مسبقًا بصورة عامة، إذ يختلف تفاعل كل مريض مع اللسع باختلاف طبيعته الجسدية، ونوع المرض ومدته، ومدى استخدامه أدوية مساعدة. ويشدّد في الوقت ذاته على قاعدة صارمة، انه يُمنع منعًا باتًا إيقاف أي دواء يتناوله المريض خلال فترة الجلسات العلاجية.

حين تتحوّل اللسعة إلى خطر.. المضاعفات والتعامل معها

تُعدّ الحساسية المفرطة أخطر المضاعفات المحتملة لسمّ النحل، وإن كانت نسبة حدوثها ضئيلة جدًا. وتُكتشف هذه الحالة غالبًا أثناء اختبار الحساسية الأولي، وتُصنَّف عندها ضمن الموانع المطلقة للعلاج.

وفي حال ظهورها، تُتّخذ إجراءات فورية تبدأ بإزالة إبرة النحل على الفور، تليها حقنة تقوم بتضييق الأوعية الدموية تُعطى فورًا وتعاد الجرعة خلال 5 إلى 10 دقائق، لحين وصول المريض إلى المستشفى أو وصول فريق الإسعاف.

هل هذا العلاج معترف به علميًا؟

يرى د. اللحيدان أن التشكيك الذي يبديه بعض الأطباء تجاه هذا النوع من العلاج ينبغي أن يُقرأ في سياق التطور العلمي المستمر؛ فالأبحاث الطبية تتجدد باستمرار، والمشهد العلمي اليوم يختلف كليًا عمّا كان عليه قبل عشرين عامًا.

ويُصنَّف هذا النهج ضمن الطب التكميلي أو البديل، مشيرًا إلى أن المستقبل قد يشهد بروز ما يُعرف بـ”الطب الاندماجي”، الذي يجمع بين أدوات الطب الحديث ومبادئ الطب التكميلي.

أما على الصعيد الرسمي والدولي، فيؤكد وجود جمعيات علمية ودول تعمل على هذا المجال، إلى جانب مراكز أبحاث عالمية رصينة. وفي المملكة، لا يوجد حتى الآن اعتماد أو ترخيص رسمي كامل لهذا العلاج، إلا أن المركز الوطني للطب البديل والتكميلي يواصل العمل على دراسته وتقييمه.

من يحقّ له ممارسة العلاج بالنحل؟

يوضح د. اللحيدان أن ممارسة هذا النوع من العلاج ليست حكرًا على أصحاب الخلفية الطبية؛ إذ يمكن لأي شخص خوض هذا المجال بشرط اجتياز دورة تدريبية مكثفة، والإلمام الكامل بطرق التعامل مع المريض في الحالات الاعتيادية وحالات الطوارئ على حدٍّ سواء، إلى جانب التأكد الدقيق من التاريخ المرضي للمريض قبل البدء بأي جلسة.

سمّ النحل وأمراض المناعة الذاتية.. التصلب اللويحي والروماتويد

في الختام، طرحنا سؤال حول الادعاءات المتصلة بقدرة سمّ النحل على علاج مرض التصلب اللويحي المتعدد (MS) والتهاب المفاصل الروماتويدي، أوضح د. اللحيدان أن هذا العلاج لا يمثّل شفاءً قطعيًا، لكنه يُحدث تحسّنًا تدريجيًا يتفاوت وفق المرحلة التي بلغها المرض، مبيّنًا أن التصلب اللويحي يمرّ بأربع مراحل، وأن الأدوية المخصصة له شهدت تطورًا كبيرًا في السنوات الأخيرة.

ويرى أن لسع النحل يُسهم في تحفيز إفراز الكورتيزون داخل الجسم، ما يساعد على السيطرة على الأعراض وتخفيف حدّة النوبات، بل وإيقاف بعضها إن كانت نشطة، إضافة إلى تخفيف الإرهاق والشدّ العضلي. أما التهاب المفاصل الروماتويدي، فأشار إلى أن علاجه أسهل نسبيًا، وأن نتائج اللسع فيه تظهر بشكل أسرع مقارنة بالتصلب اللويحي.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source akhbaar24

زر الذهاب إلى الأعلى