قبل الجرس يبدأ التركيز.. فطورك يصنع تركيزك

▪︎ واتس المملكة

.

تبدأ رحلة الطالب اليومية نحو مقعده الدراسي قبل أن يغادر باب المنزل بوقت طويل، حين يجلس -أو يُفترض أن يجلس- أمام طبق الإفطار.

وهذه الوجبة الصغيرة في حجمها، الكبيرة في أثرها، تحدد إلى درجة كبيرة مدى قدرته على التركيز في الحصة الأولى، ومدى نشاطه طوال اليوم الدراسي، فبعد ساعات الصيام الليلي الطويلة، يحتاج الجسم والدماغ إلى وقود يعيد ملء مخزون الطاقة، ويهيئ الطالب لبدء يوم مليء بالمجهود الذهني والبدني والتفاعل الاجتماعي.

وطبقًا لتوصيات الجهات الصحية والغذائية الرسمية، فإن التغذية الصحية للطالب لا تقتصر على سد الجوع، بل تمتد لتشمل مستوى تحصيله الدراسي، وقدرته على التعلم، وصحة جهازه المناعي، ونموه الجسدي والعقلي.

في المقابل، يميل عدد غير قليل من الطلبة إلى إهمال هذه الوجبة أو استبدالها بخيارات غير صحية كالمشروبات الغازية أو قطع الحلوى، إما بسبب ضيق الوقت الناتج عن التأخر في الاستعداد صباحًا، أو لعدم الشعور بالجوع في ساعات الصباح الأولى.

لماذا يبدأ التحصيل الدراسي من طبق الإفطار؟

تربط هيئة الصحة العامة “وقاية”، في دليلها الإرشادي الخاص بوجبة الإفطار المدرسية الصحية، بين نمط التغذية اليومي للطالب ومستويات أدائه وتركيزه وصحة جهازه المناعي ونموه العقلي، وتشدد على ضرورة تعاون المدرسة والأسرة لضمان حصول الطفل على ما يحتاجه من عناصر غذائية.

وبحسب الهيئة، فإن التغذية الصحية المنتظمة ترتبط بزيادة مستوى التحصيل الدراسي، وزيادة الطاقة والنشاط اللازمين لأداء الأنشطة اليومية، وتقليل التوتر والقلق، وتحسين القدرة على التعلم والنمو المعرفي، فضلًا عن دورها في تقوية وظائف الجهاز المناعي وخفض خطر الإصابة بالأمراض المزمنة كالسمنة والسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية.

وتؤكد وزارة الصحة، عبر محتواها التثقيفي الموجه للأسر بالتزامن مع بدء العام الدراسي، أن إهمال الطالب لوجبة الإفطار يُضعف الذاكرة ويحدّ من القدرات الإدراكية، وهو ما ينعكس مباشرةً على تحصيله العلمي، بينما يساعد الالتزام بها على تنظيم وجبات اليوم الثلاث، ويقلل من فرص الإصابة بالسمنة والخمول اللذين يرتبطان بتخطي هذه الوجبة. كما نبهت الوزارة، ضمن حملة توعوية أطلقتها بالتعاون مع وزارة التعليم مطلع العام الدراسي الحالي، إلى أن للإفطار المدرسي دورًا مباشرًا في تحسين التركيز وتعزيز الأداء الدراسي والنشاطين الذهني والبدني لدى الطالب.

5 مجموعات غذائية ينبغي أن يجمعها طبق الطالب

لا يوجد صنف غذائي واحد قادر على تزويد الجسم بكل ما يحتاجه من بروتينات وكربوهيدرات ودهون وفيتامينات ومعادن، ولهذا يشدد الدليل الاسترشادي الصادر عن هيئة الصحة العامة، بمشاركة أساتذة تغذية من جامعتي الملك سعود والأميرة نورة وباعتماد من وزارة التعليم، على أهمية تنويع الإفطار بين خمس مجموعات غذائية رئيسية.

تأتي في مقدمتها الخضروات التي تمد الجسم بالفيتامينات والمعادن والألياف بسعرات حرارية منخفضة، تليها الفواكه بوصفها مصدرًا غنيًا بالفيتامينات ومضادات الأكسدة التي ترفع مناعة الجسم، ثم مجموعة الحليب ومشتقاته الغنية بالكالسيوم والبروتين واليود وفيتامين B2، وصولًا إلى مجموعة الأطعمة النشوية التي يُفضَّل أن تكون من الحبوب الكاملة أو الأصناف الغنية بالألياف كالخبز الأسمر، وأخيرًا مجموعة اللحوم والدواجن والأسماك والبيض والبقوليات والمكسرات، وهي مصدر رئيسي للبروتين والحديد والزنك وفيتامينات مجموعة B.

ولا يقل دور الفيتامينات والمعادن أهمية عن ذلك، إذ يوضح الدليل نفسه أن فيتامين (د) يسهم في المحافظة على صحة العضلات والعظام والأسنان، وأن فيتامين (ج) الموجود في الحمضيات يعزز التئام الجروح ويقوي المناعة، فيما يحافظ الكالسيوم على قوة العظام وصحة الأسنان، ويسهم الحديد في نمو الأطفال والمراهقين وفي نقل الأكسجين عبر خلايا الدم الحمراء.

وتلفت الهيئة العامة للغذاء والدواء إلى أن الحاجة إلى هذه العناصر تزداد بشكل خاص في مرحلة طفرة النمو، التي تبدأ عادة بين سن 8 و12 عامًا لدى الفتيات، وبين 10 و14 عامًا لدى الفتيان، كما توصي بتشجيع الطالب على شرب ما بين ستة وثمانية أكواب من الماء يوميًا بوصفه عنصرًا أساسيًا موازيًا للطعام.

حقيبة الإفطار المدرسية.. امتداد للوجبة لا بديل عنها

تحرص الجهات الصحية، في رسائلها التوعوية الدورية، على التمييز بين وجبة الإفطار التي يتناولها الطالب في المنزل، وحقيبة الطعام التي يحملها معه إلى المدرسة، مؤكدةً أن الثانية امتداد للأولى وليست بديلًا عنها.

وتوصي هيئة الصحة العامة بأن تضم حقيبة الطعام مجموعة متنوعة من الخيارات الصحية المتوازنة بين الفواكه والخضروات والحبوب الكاملة والبروتينات القليلة الدهون، مع الحرص على أن تكون جذابة بصريًا بألوان متعددة تشجع الطالب على تناولها.

كما توصي بوضع وجبات خفيفة غنية بالعناصر الغذائية بين الوجبات الرئيسية، كقطع الجزر والخيار المقطعة أو الزبادي، وبتضمين زجاجة ماء قابلة لإعادة التعبئة، واستخدام الحبوب الكاملة في تحضير الساندويتشات مع تنويع أصناف الخبز المستخدمة.

وتشدد التوصيات ذاتها على ضرورة توافر الحليب أو أحد مشتقاته يوميًا في حقيبة الطعام، ويُفضَّل أن يكون قليل الدسم، إلى جانب حصة يومية من الفاكهة والخضار الطازجة. أما من الناحية الوقائية، فتوصي الهيئة باختيار حقيبة عازلة للحرارة، واستخدام عبوات وأوراق تغليف مخصصة للطعام، والتخلص من بقايا الطعام وتنظيف الحقيبة يوميًا، مع إضافة صفائح ثلج عند تضمين أصناف سريعة التلف كالسلطات ومنتجات الحليب الطازجة، والتحقق من تاريخ صلاحية الأصناف قبل وضعها في الحقيبة.

كما تنبّه الأسر إلى عدم مشاركة الطالب المكسرات مع زملائه، نظرًا لحساسية بعض الطلبة تجاه هذا النوع من الطعام، رغم كونه خيارًا غذائيًا صحيًا ومفيدًا كوجبة خفيفة.

أضرار صامتة… الإفراط في السكر والملح

يحذّر الدليل الاسترشادي لهيئة الصحة العامة من أن الاستهلاك المنتظم لكميات كبيرة من السكر المضاف يؤدي مع الوقت إلى ارتفاع كبير في نسبة السكر بالدم وتراكم للدهون غير المرئية داخل الجسم، وهو ما يرفع خطر مقاومة الإنسولين والإصابة بالسكري من النوع الثاني وأمراض القلب والأوعية الدموية، إلى جانب تسوّس الأسنان، والتأثير في مزاج الطالب ومستوى نشاطه وسلوكه العام عبر تقلبات الطاقة والشعور بفرط النشاط أو الأرق.

وبالقدر نفسه، يرتبط الإفراط في تناول الملح بارتفاع ضغط الدم الذي يضاعف خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية نحو ثلاث مرات، إضافةً إلى فقدان الكالسيوم عبر البول وما يستتبعه من مخاطر لهشاشة العظام مستقبلًا، وزيادة الشعور بالعطش الذي قد يُروى بمشروبات سكرية فترفع بدورها من خطر زيادة الوزن.

ولمواجهة هذا النمط، تقترح “وقاية” بدائل عملية يمكن للأسرة اعتمادها تدريجيًا، كاستبدال رقائق البطاطس المقلية برقائق الخضار المخبوزة أو المكسرات غير المملحة أو الفشار المُحضَّر منزليًا وقليل الملح، واستبدال الحلويات الجاهزة بالزبادي المجمد المُحضَّر منزليًا أو أطباق الفاكهة الطازجة أو التمر المحشو بزبدة المكسرات، واستبدال المشروبات الغازية بالماء المنكّه بشرائح الفاكهة أو مخفوق الحليب بالفواكه المجمدة.

كما توصي باستخدام خبز القمح الكامل أو الشوفان بدلاً من الخبز الأبيض، والجبن القريش أو اللبنة بدلاً من الجبن الكريمي المصنّع، ومنتجات الألبان قليلة الدسم بدلاً من كاملة الدسم، والبطاطس الطازجة بدلاً من المجمدة الجاهزة، والصلصات المُحضّرة منزلياً بالزبادي والتوابل بدلاً من الصلصات الجاهزة، والخبز في الفرن أو القلي بالهواء بدلاً من القلي العميق بالزيت.

ماذا تكشف الأرقام عن عادات الإفطار؟

خلف صورة مائدة الإفطار المدرسية رقمٌ لافت، نحو 80% من أطفال المدارس الابتدائية السعوديين لا يتناولون الإفطار يوميًا في منازلهم، أي أن واحدًا فقط من كل خمسة ينتظم فيها.

وهي خلاصة تكرّرت في دراستين نشرهما عام 2020 فريق بحثي بقيادة هزاع الهزاع، من مركز أبحاث نمط الحياة والصحة بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن؛ الأولى شملت 1051 طالبًا وطالبة في الرياض بمشاركة باحثين من جامعة الملك سعود، والثانية 1149 طفلًا في جدة بمشاركة باحثين من جامعة الملك عبدالعزيز.

وحين سُئل الأهالي عن سبب الانقطاع، تصدّر السببان ذاتهما القائمة في المدينتين، أن الطفل لا يشعر بالجوع، وأنه يستيقظ متأخرًا فلا يجد وقتًا قبل مدرسته التي تبدأ عند السابعة صباحًا. ويتقاطع هذا مع نتيجة أخرى للفريق نفسه، وهي أن أكثر من 70% من الأطفال لا ينالون الحد الأدنى الموصى به من ساعات النوم.

أما ما يأكله المنتظمون، فقد تصدّرت ساندويتشات الجبن المدهون بنسبة تجاوزت42%، تلتها ساندويتشات البيض المقلي، ثم حبوب الإفطار الجاهزة، فالبيض المسلوق، فيما جاءت رقائق الذرة في مقدمة أنواع الحبوب.

وغير أن الباحثين سجّلوا ملاحظة لافتة، أن أكثر من 70% ممن يتناولون الحبوب يفضّلونها مع السكر، مقابل أقل من خُمس يختارونها مع الفاكهة، وهو ما يقلّص القيمة الغذائية المفترضة لهذا الخيار.

وفي جدة، خلص الفريق إلى أن انتظام الطفل في الإفطار يرتبط بشكل واضح بالمستوى التعليمي للوالدين، وعدد ساعات نومه، ومؤشر كتلة جسمه.

كما تبيّن أن دعم الوالدين الصريح للإفطار بوصفه الوجبة الأهم كان مرتبطًا بانتظام أبنائهم فيها، في مؤشر على أن موقف الأسرة قد يكون أكثر تأثيرًا من ظروفها المادية.

الروتين الصباحي.. كيف تضمن الأسرة ألا يفوّت الطالب فطوره؟

تنصح وزارة الصحة الأسر ببناء روتين صباحي ثابت للطالب يساعده على الاستعداد ليومه الدراسي بطريقة منظمة وميسرة، يبدأ بالاستيقاظ في الوقت نفسه كل يوم، ثم تفريش الأسنان والوضوء والصلاة، فتناول وجبة فطور مغذية، على أن تُجهَّز اللوازم المدرسية وحقيبة الظهر وحقيبة الطعام في الليلة السابقة تجنبًا للتسرع صباحًا.

وتلفت الوزارة إلى أن كثيراً من حالات إهمال وجبة الإفطار ترتبط بالسهر ليلاً، إذ يؤدي التأخر في النوم إلى تأخر الاستيقاظ صباحاً، وبالتالي ضياع الوقت الكافي لتناول هذه الوجبة قبل مغادرة المنزل، وهو ما يجعل تنظيم مواعيد النوم خطوة لا تقل أهمية عن محتوى طبق الإفطار نفسه.

وينسحب المنطق نفسه على الترطيب، إذ تصف وزارة الصحة شرب الماء بانتظام بأنه ركيزة موازية للغذاء الصلب في يوم الطالب الدراسي، مبينةً أن الحصول على قسط كافٍ من الماء يحسن وظائف الدماغ والذاكرة والقدرة على التركيز لفترات أطول، ويسهم في خفض مستويات التوتر والقلق، فضلًا عن دوره في تعزيز المناعة وتحسين عملية الهضم؛ لذلك توصي الوزارة بأن يحمل الطالب زجاجة ماء قابلة لإعادة التعبئة، بما يذكّره بضرورة الشرب المتكرر خلال اليوم الدراسي بدلًا من الانتظار حتى الشعور بالعطش.

الحاجة لمزيد من الدراسات

على الرغم من اتساق الأدلة العلمية حول ارتباط الإفطار المنتظم بتحسن الوظائف المعرفية والذاكرة والتركيز لدى الطلبة، فإن العلاقة بين هذه الوجبة والدرجات الدراسية النهائية تحديدًا ما تزال أقل حسمًا مما توحي به الانطباعات الشائعة.

فقد رصدت دراسة أُجريت على 169 طالباً في المرحلة السريرية بكلية الطب في مدينة تبوك انتشاراً لافتاً لتخطي وجبة الإفطار بين طلبة المرحلة الجامعية، دون أن تظهر النتائج فروقاً ذات دلالة إحصائية واضحة في المعدل التراكمي بين مَن يواظبون على الإفطار ومَن يتخطونه، وهو ما دفع فريق الدراسة إلى التوصية بإجراء بحوث أوسع نطاقاً وبتصميم مقارن أدق لفهم هذه العلاقة بدقة أكبر.

ويضاف إلى ذلك أن غالبية الدراسات السعودية المتاحة في هذا المجال ذات تصميم مقطعي يرصد العلاقة بين المتغيرات في لحظة زمنية واحدة، ويعتمد في جزء كبير منه على استبيانات ذاتية التقرير يعبئها الطلبة أو أولياء أمورهم، وهو ما يجعلها أقدر على إثبات الارتباط بين تناول الإفطار ومؤشرات الصحة والتحصيل، منه على إثبات علاقة سببية مباشرة بينهما.

كما أن عدد هذه الدراسات، بحسب الباحثين أنفسهم، ما يزال محدودًا مقارنة بحجم الاهتمام العالمي بالموضوع، ما يجعل الحاجة قائمة إلى دراسات سعودية طولية أوسع تتابع الطلبة عبر الفصول الدراسية المتعاقبة، وتفصل بشكل أدق بين أثر الإفطار في حد ذاته وأثر العوامل الأسرية والاجتماعية والاقتصادية المرافقة له.

يتضح من مجمل التوصيات الرسمية والأدلة العلمية أن وجبة الإفطار ليست تفصيلاً هامشياً في يوم الطالب الدراسي، بل نقطة انطلاق تؤثر في تركيزه ونشاطه ومزاجه ومناعته طوال اليوم. وأنه من الضروري الحرص على طبق متنوع يجمع الخضروات والفواكه والألبان والحبوب الكاملة ومصادر البروتين، وحقيبة طعام مدرسية مُعدّة بعناية، وروتين صباحي منظم يضمن وقتاً كافياً للجلوس إلى المائدة، حتى تستطيع الأسرة السعودية أن تمنح ابنها أو ابنتها بداية يوم دراسي أكثر صحة واستقراراً، تماماً كما توصي بذلك وزارة الصحة والهيئة العامة للغذاء والدواء وهيئة الصحة العامة، وتؤكده الدراسات العلمية التي أُجريت على طلبة المدارس في الرياض وجدة.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source akhbaar24

زر الذهاب إلى الأعلى