"شعب دحضة".. تُوثق الوجود البشري المبكر في نجران

▪︎ واتس المملكة
.
تُعد منطقة نجران واحدة من أغنى المناطق الأثرية والتاريخية في شبه الجزيرة العربية، بفضل ما تزخر به من شواهد حضارية تمتد من عصور ما قبل التاريخ حتى العصور الإسلامية، وموقعها الجغرافي الذي ربط عبر آلاف السنين بين مرتفعات السروات وصحراء الربع الخالي، ما جعلها واحة للاستقرار البشري وممرًا رئيسًا للقوافل التجارية القديمة.
اكتشافات تسهم في تتبع تاريخ الإنسان الأول بالجزيرة العربية
وفي هذا الإطار، سلّطت هيئة التراث الضوء على موقع “شعب دحضة” غرب نجران، باعتباره أحد أهم الشواهد الأثرية على الوجود البشري المبكر في جنوب الجزيرة العربية، لما يحتويه من أدوات حجرية تعود إلى العصر الحجري القديم الأسفل، وتوفر معطيات علمية تسهم في فهم حركة الجماعات البشرية القديمة وعلاقتها بالتحولات البيئية والمناخية.
ويعود اكتشاف الموقع إلى أعمال المسح الأثري الشامل التي نُفذت عام 1400هـ الموافق 1980م، حيث عُثر عليه فوق إحدى المصاطب الحصوية المرتفعة المطلة على الوادي. وأسهمت عوامل التعرية الطبيعية في الكشف عن طبقات استيطانية قديمة، جُمعت منها عينة ضمت 34 أداة حجرية تعود إلى العصر الحجري القديم الأسفل.
وتبرز أهمية الموقع من خلال الدراسات الأثرية التي قدّرت عمر الأدوات المكتشفة بما يتراوح بين 1.2 و1.8 مليون سنة، فيما أظهرت خصائصها التقنية ارتباطها بالصناعات الحجرية “الأولدوانية”، التي تُعد من أقدم تقاليد صناعة الأدوات الحجرية في تاريخ البشرية.
وأظهرت الدراسات أن الإنسان القديم اعتمد على صخور “الكوارتزيت” المتوافرة في مجرى الوادي لصناعة أدواته، مستفيدًا من صلابتها وسهولة تشكيلها، لينتج أدوات حادة استخدمت في أنشطة حياتية متعددة. كما رصد الباحثون طبقات من “العتق” على بعض الأدوات، ما يساعد في فهم السياق الزمني والأثري للمكتشفات.
وشملت اللقى الأثرية قواطع مصنوعة من الحصى النهرية، وأدوات متعددة السطوح، إضافة إلى شظايا ومكاشط نتجت عن تشكيل النوى الحجرية، واستخدمت في تهشيم العظام وسلخ الجلود وتقطيع اللحوم.
وأوضح المدير العام لقطاع الآثار في هيئة التراث الدكتور عجب العتيبي أن الهيئة تواصل أعمال الحصر والتوثيق والدراسة والحماية للمواقع الأثرية، مشيرًا إلى أن موقع “شعب دحضة” يمثل شاهدًا مهمًا على مرحلة مبكرة جدًا من التاريخ البشري في الجزيرة العربية، ويعزز أهمية المحافظة على هذه الشواهد وإتاحة المجال لمزيد من الدراسات العلمية المتخصصة.
وتزداد أهمية الموقع بالنظر إلى البيئة الطبيعية المحيطة به، إذ ارتبط بمنظومة وادي نجران عند المنحدرات الشرقية لجبال السروات، وهي منطقة وفرت قديمًا المياه والصخور المناسبة لصناعة الأدوات والغطاء النباتي والحيواني، ما هيأ ظروفًا ملائمة لاستقرار المجموعات البشرية المبكرة.
كما تشير الدراسات المناخية إلى أن الجزيرة العربية شهدت خلال عصر “البلايستوسين” فترات مطيرة تحولت خلالها أجزاء واسعة من الأودية إلى بيئات أكثر رطوبة، انتشرت فيها الأنهار والبحيرات، الأمر الذي ساعد على حركة الجماعات البشرية واستقرارها.
ويمنح الموقع بعدًا علميًا إضافيًا في الدراسات المتعلقة بانتشار الإنسان القديم خارج أفريقيا، إذ تدعم بعض الفرضيات مرور الجماعات البشرية عبر جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ثم انتقالها عبر سواحل تهامة وممرات السروات إلى الأودية الداخلية، ومنها منطقة نجران.
وفي السياق ذاته، أكد رئيس جمعية الآثار والتاريخ بنجران (جاتن) محمد آل هتيلة أن المكتشفات الأثرية في “شعب دحضة” تقدم أدلة تاريخية استثنائية على قِدم الاستيطان البشري في الجزيرة العربية، مشيرًا إلى أن الأدوات المكتشفة تنتمي إلى المرحلة الأولدوانية المبكرة من العصر الحجري القديم الأسفل.
المكتشفات تعكس قدرة الإنسان الأول على استغلال الموارد المحلية
وأوضح أن هذه المكتشفات تعكس قدرة الإنسان الأول على استغلال الموارد المحلية، خاصة حجر الكوارتز، لتطوير أدوات متنوعة شملت القواطع الحجرية والمكاشط والشفرات والمطارق والأدوات ثنائية الوجه والأدوات شبه الكروية، بما يلبي احتياجاته المعيشية المختلفة.
وأكد أن هذه النتائج العلمية تعزز مكانة نجران كإحدى أقدم المناطق التي شهدت نشاطًا بشريًا في العالم، وتفتح آفاقًا جديدة للبحث في تاريخ الاستيطان البشري وحركة الهجرات القديمة في عصور ما قبل التاريخ.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source akhbaar24





