باقة ورد نعمة تزهر القلب

▪︎ واتس المملكة
.
يروي المقال قصة باقة ورد صغيرة منحت الكاتبة شعوراً عميقاً بالغبطة، لتستخلص منها أن قيمة النعمة لا تقاس بحجمها أو ثمنها، بل بقدرتنا على رؤيتها والتفاعل معها بامتنان. ويؤكد أن الرضا فنّ في إدراك ما نملك لا تجاهل ما ينقص، وأن الشكر الحقيقي هو استعادة دهشة البدايات أمام النعم اليومية البسيطة قبل أن نفقد…
بالأمس القريب، أهدتني إحداهن باقة من الورد، جميلة الهيئة، زاهية الألوان، مبهجة الحضور، حتى خيل إلي أن شيئا من الربيع قد اختصر طريقه إلى يدي. لم تكن الباقة، في ظاهر الأمر، سوى وردات اجتمعت في تنسيق بديع، لكنها في داخلي كانت أوسع من ذلك بكثير؛ كانت التفاتة لطيفة، ومشاعر صادقة، ورسالة صامتة تقول أنه ما زال في الحياة ما يستحق أن يفرح القلب.
أصابتني يومها غبطة عميقة، وشعرت بسعادة بالغة لم تكن متناسبة، في ظاهرها، مع حجم الهدية، لكنها كانت متناسبة تماما مع الطريقة التي استقبلت بها تلك الهدية في قلبي.
وهنا أدركت أن قيمة النعمة لا تقاس دائما بحجمها، ولا بثمنها، ولا بندرتها، وإنما بمقدار ما نحسن رؤيتها، وبحجم السعادة التي نسمح لها أن تتخلل أرواحنا.
فكم من نعمة صغيرة مرت بنا فلم نلتفت إليها، لأنها جاءت في ثوب الاعتياد! وكم من عطية عظيمة سكنت بين أيدينا حتى ألفناها، فلم نعد نراها نعمة إلا حين غابت! إن الإنسان كثيرا ما لا يفقد النعمة حين تزول، وإنما يفقدها قبل ذلك حين يفقد القدرة على الإحساس بها.
لقد علمتني تلك الباقة أن النعمة ليست شيئا يقع خارج الإنسان فحسب؛ وانما هي أيضا شيء يتشكل في داخله. قد تكون أمام شخصين النعمة ذاتها، فيراها أحدهما عابرة لا تستحق التوقف، بينما يراها الآخر فضلا يستوجب الحمد، فيفرح بها، ويستشعر لطف الله من خلالها.
ولذلك فإن الرضا ليس حالة سلبية من الاستسلام لما لدينا، وأنما هو فن رفيع في رؤية ما لدينا. أن تنظر إلى حياتك بعين لا تنكر النقص، لكنها لا تعمى عن الوفرة؛ وأن تعرف ما ينقصك دون أن تنسى ما أعطيت؛ وأن تطلب المزيد من فضل الله دون أن تحتقر ما بين يديك.
إن مزاولة التمتع بالنعم لون من ألوان الشكر لله؛ فليس الشكر كلمات تقال باللسان فحسب، وإنما هو أن تعرف قدر النعمة، وأن تستقبلها بقلب ممتن، وأن تستعملها فيما يليق بها، وأن تستشعر أن وراء كل جميل منحة من الكريم سبحانه.
ولعل من أجمل ما يقال في هذا المعنى: “قيد النعم حاضرة في عقلك، يدوم بقاؤها في وجدانك.” فالذاكرة الممتنة تحفظ الأشياء من الابتذال، وتجدد في النفس دهشة البدايات. أن تتذكر صحتك حين تنهض معافى، وأهلك حين تجدهم حولك، وأصدقاء يسألون عنك دون مناسبة، وكلمة طيبة قيلت لك في وقت كنت تحتاج إليها، ونافذة يدخل منها الضوء كل صباح، وفنجان قهوة هادئ، وباقة ورد جاءت في وقتها؛ كل ذلك من النعم التي قد تبدو صغيرة حين تقاس بالماديات، لكنها عظيمة حين تقاس بما تمنحه الروح من سكينة.
وليس أعظم من أن يتعلم الإنسان كيف يحتفي بالنعم قبل أن يعلمه الغياب قيمتها..
كن حامدا حينما تبصر الجمال الذي يمر بك كل يوم، وامنح الأشياء البسيطة حقها من الفرح، ولا تؤجل سعادتك حتى تكتمل شروطها التي لا تكتمل، فالحياة ليست مجموعة من اللحظات الاستثنائية فقط؛ ولكن إن أجمل ما فيها كثيرا ما يختبئ في تفاصيلها العادية.
وربما كان من أعمق أسباب الشقاء أن الإنسان يقيس نعمته بما عند غيره، فينظر إلى ما ينقصه بعين واسعة، وإلى ما عنده بعين ضيقة. ولو أنه بدل ميزان النظر، لرأى أن حياته ممتلئة بأشياء كان يدعو الله بها يوما، ثم نسي أنه دعا بها حين أصبحت جزءا مألوفا من يومه.
إن الشكر الحقيقي هو أن تسترد تلك الدهشة الأولى؛ أن تنظر إلى النعمة وكأنك تراها للمرة الأولى، لا لأن النعمة تغيرت، وإنما لأن نظرتك إليها تغيرت.
ومن هنا، ربما لا تكون السعادة دائما في أن نملك أكثر، وانما في أن نحسن تقدير ما نملك. ليست القضية كم وردة في الباقة، وإنما هل ما زال في القلب متسع ليفرح بوردة؟ ليست المسألة كم نملك من الأشياء، وإنما هل ما زالت أرواحنا قادرة على الشعور بقيمتها؟
لقد بقيت تلك الباقة في ذاكرتي أكثر مما بقيت في يدي، لا لأن الورد يدوم، ولكن لأن أثره امتد إلى معنى أبقى منه. ذكرتني أن الجميل لا يحتاج إلى أن يكون عظيما حتى يفرحنا، وأن الهدايا لا تقاس بثمنها، وأن بعض النعم تأتي صغيرة في حجمها، عظيمة في أثرها.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان تجاه نعم الله أن يعيشها بقلب يقظ، لا بقلب معتاد؛ وأن يشكرها قبل أن يفقدها، ويستمتع بها دون إسراف، ويشارك خيرها، ويحفظ أثرها في ذاكرته.
فالنعم حين ترى بعين الرضا تتضاعف في الشعور، وحين تستقبل بالشكر تصبح أكثر رسوخا في القلب، وحين نعتاد شكر الله عليها تتحول الحياة من قائمة طويلة من المطالب إلى مساحة واسعة من الامتنان.
وفي النهاية، قد لا نستطيع أن نزيد عدد النعم التي في أيدينا كما نشاء، لكننا نستطيع أن نزيد قدرتنا على رؤيتها.
وهذه، في ظني، واحدة من أجمل صور الغنى،
أن يكون لديك ما يكفي لتفرح، وقلب يعرف كيف يفرح، وروح لا تنسى أن تقول الحمد لله.
فاحفظوا نعمكم بالشكر، وقيدوها في الذاكرة قبل أن يقيدها الغياب في الحسرة.
وربما كانت باقة ورد واحدة كافية أحيانا لتذكرنا بأن الحياة، على اتساع أثقالها، لا تزال تخبئ لنا ما يستحق أن نبتسم له.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq


