من يخطط لعدد الوظائف فقط.. سيكتشف متأخراً أنه لم يخطط للمستقبل

▪︎ واتس المملكة

.

يوضّح المقال الفارق الجوهري بين التخطيط للوظائف وتخطيط القوى العاملة، مؤكداً أن التركيز على عدد الوظائف والشواغر هو مجرد إدارة للاحتياج الوظيفي، بينما التخطيط الحقيقي يبدأ من الاستراتيجية ويُنظّم القدرات والمهارات اللازمة لصناعة المستقبل. ويشدّد على أهمية استشراف الفجوات المستقبلية في القدرات، وربط…

في علم الموارد البشرية، هناك فرق كبير بين أن تخطط المنظمة لتحديد عدد الوظائف، وبين أن تخطط لقواها العاملة. قد تبدو العمليتان متشابهتين على الورق، لكنهما في الواقع تعكسان فلسفتين مختلفتين في النظر إلى المستقبل؛ فالأولى قد تنتهي إلى جدول يحدد عدد الوظائف المطلوبة، ومسمياتها، وتكلفتها، وتوقيت شغلها، بينما تبدأ الثانية من سؤال أكثر عمقاً وخطورة: ما القدرات التي ستحتاجها المنظمة في المستقبل؟

وهنا تحديداً تكمن المشكلة التي ما زالت تقع فيها بعض المنظمات؛ إذ تتعامل مع تخطيط القوى العاملة باعتباره عملية لحصر الاحتياج الوظيفي، وكأن المستقبل ليس أكثر من نسخة محسّنة من الحاضر. فتضيف وظائف، وتستبدل موظفين، وتملأ الشواغر، ثم تعتقد أنها مارست التخطيط. بينما الحقيقة أن المنظمة قد تكون قد أدارت احتياجها الوظيفي، لكنها لم تخطط لقوتها العاملة، ولم تستشرف قدراتها المستقبلية.

فالوظيفة ليست هي القضية .. الوظيفة وعاء، أما القيمة الحقيقية ففي القدرة التي يحملها شاغلها.

قد تكون المنظمة مكتملة العدد، لكنها تعاني نقصاً حاداً في القدرات. وقد تمتلك آلاف الموظفين، لكنها تفتقد مهارة حرجة واحدة يمكن أن تؤثر في قدرتها على تنفيذ استراتيجيتها أو مواجهة تحول تقني أو تشغيل مشروع نوعي. ولذلك فإن السؤال التقليدي: كم موظفًا نحتاج؟ لم يعد كافياَ في بيئة تتغير فيها الأعمال والمهارات والتقنيات بوتيرة متسارعة. السؤال الأكثر نضجاً هو: ماذا نريد أن نكون قادرين على فعله بعد ثلاث أو خمس سنوات؟ ومن يمتلك القدرة على فعله؟

ومن هنا يبدأ الفرق الحقيقي بين التخطيط للوظائف والتخطيط للقوى العاملة. فإذا بدأت المنظمة من جدول الوظائف ثم حاولت لاحقاً ربطه بالاستراتيجية، فهي تسير في الاتجاه الخطأ. فالمعادلة الصحيحة تبدأ من الاستراتيجية، ثم الأعمال، ثم القدرات، ثم المهارات، ثم القوى العاملة، وأخيراً الوظائف. أما أن نبدأ من الوظائف، ثم التوظيف، ثم الميزانية، وبعد ذلك نبحث عن العلاقة بالاستراتيجية، فهذا ليس تخطيطاً استراتيجياً للقوى العاملة، بل يعد ذلك إدارة للاحتياج الوظيفي.

والفرق بين الاثنين لا يظهر في المصطلحات، بل في النتائج. فالتخطيط الحقيقي لا ينتظر الوظيفة الحرجة حتى تصبح شاغرة، ولا ينتظر خروج الخبير حتى يبدأ البحث عن بديل، ولا ينتظر ظهور تقنية جديدة حتى تكتشف المنظمة أن موظفيها لا يمتلكون المهارات اللازمة للتعامل معها. التخطيط الحقيقي يرى الفجوة قبل أن تحدث؛ يستشرف المهارات التي ستزداد أهميتها، والوظائف التي ستتغير، والقدرات التي ستصبح حرجة، والمواهب التي ينبغي إعدادها من الآن.

ولهذا يمكن النظر إلى خطة القوى العاملة باعتبارها راداراً استراتيجياً للمنظمة؛ فهي لا ترصد ما هو موجود أمامها فقط، وإنما تحاول أن ترى ما وراء الحاضر. والمنظمة التي لا تمتلك هذا الرادار قد تبدو مستقرة اليوم، لكنها قد تستيقظ غداً على فجوة في القيادة أو المهارات أو المعرفة أو التقنية، وتكتشف أن تكلفة المعالجة أصبحت أكبر من تكلفة الاستعداد المبكر.

والأهم من ذلك أن ظهور فجوة في القدرة لا يعني بالضرورة أن الحل هو إضافة موظف جديد. وهذه من أكثر الأفكار التي تحتاج إلى إعادة النظر في ممارسات تخطيط القوى العاملة. فعندما تظهر فجوة، فإن أول إجابة لا ينبغي أن تكون دائماً: وظّفوا. فقد يكون الحل في تطوير موظف موجود، أو إعادة تأهيله، أو نقله إلى دور جديد، أو إعادة تصميم العمل، أو بناء مسار قيادي له، أو استخدام التقنية والأتمتة.

لذلك فالسؤال الأذكى ليس: من سنوظف؟وإنما: هل نحتاج فعلاً إلى موظف جديد، أم نحتاج إلى قدرة جديدة؟

هذا التحول في السؤال يغيّر طريقة تفكير المنظمة بالكامل؛ لأنه ينقلها من إدارة أعداد الموظفين إلى إدارة قيمة رأس المال البشري. وعندها تصبح خطط القوى العاملة مرتبطة مباشرة بتطوير المواهب والتعاقب الوظيفي وإعادة تأهيل المهارات، بدل أن تكون مجرد قائمة بالوظائف المطلوب استحداثها أو شغلها.

وهنا تبرز أهمية المواهب الوطنية. فلا يمكن أن تكون خطة القوى العاملة منفصلة عن اكتشاف أصحاب الإمكانات العالية وإعدادهم مبكرًا. فالمنظمة التي تنتظر القيادي حتى يشغر الكرسي، تنتظر متأخرة؛ القيادي الحقيقي لا يُكتشف عند شغور الوظيفة، بل يُكتشف قبل ذلك بسنوات.

نبحث عن أصحاب الإمكانات، ونمنحهم فرصًا حقيقية، ونضعهم أمام تحديات ومشروعات نوعية، ونطور مهاراتهم، ونقيس قدرتهم على الانتقال من الأداء الحالي إلى القيمة المستقبلية. وهذا هو جوهر التعاقب الوظيفي الحقيقي؛ أن يكون لدينا بديل مستعد قبل أن نحتاج إليه، لا أن نبدأ البحث عنه بعد أن تصبح الوظيفة شاغرة.

لكن حتى هنا، هناك خطأ آخر يتكرر كثيرًا: يتمثل في اكتشاف الموظف الموهوب ثم إلحاقه في برنامج تدريبي، وبعدها اعتبار أن المنظمة استثمرت فيه.

الموهبة لا تحتاج دائمًا إلى برنامج تدريبي جديد .. أحيانًا تحتاج إلى إتاحة الفرصة لها لتقديم نفسها، فرصة لاتخاذ القرار، وقيادة مشروع، والعمل مع خبراء، وتحمل مسؤولية أكبر، وحتى فرصة للفشل والتعلم. فالاستثمار الحقيقي في المواهب لا يقاس بعدد البرامج التدريبية التي حضرتها، ولا بعدد الشهادات التي حصلت عليها، وإنما بمدى تحول إمكاناتها إلى أداء ونتائج ثم إلى قدرة قيادية.

المعادلة التي نحتاجها ليست: تدريب ثم شهادة، بل: اكتشاف، فتطوير، فتجربة، فتمكين، فإنتاج، ثم قيادة.

ومن هنا أيضًا تظهر أهمية ما يمكن تسميته ذكاء المواهب Talent Intelligence؛ أي قدرة المنظمة على قراءة بيانات القوى العاملة وربطها بالاستراتيجية، وليس مجرد معرفة عدد الموظفين ومؤهلاتهم الحالية. فالأسئلة التي يجب أن تشغل القيادات اليوم هي: من هم أصحاب الإمكانات العالية؟ ما الوظائف الحرجة؟ ما المهارات النادرة؟ ما الوظائف المعرضة للتحول؟ من سيغادر؟ من يمكن تطويره؟ وأين ستكون الفجوة بعد ثلاث سنوات؟

هذه الأسئلة هي التي تصنع القرار الاستراتيجي، لأنها تنقل المنظمة من التعامل مع الحاضر إلى الاستعداد للمستقبل.

ولهذا فإن قياس نجاح خطة القوى العاملة لا ينبغي أن يتوقف عند عدد الوظائف التي أضيفت أو عدد الموظفين الذين تم استقطابهم. بل يجب أن نسأل: كم فجوة مستقبلية اكتشفناها مبكراً؟ كم مهارة حرجة بنيناها داخلياً؟ كم موهبة وطنية اكتشفنا وطوّرنا؟ كم وظيفة حرجة أصبح لها بديل جاهز؟ وكم قدرة جديدة أصبحت المنظمة تمتلكها بسبب التخطيط؟

عندها فقط يمكننا أن نعرف هل لدينا فعلاً خطة قوى عاملة، أم مجرد قائمة احتياجات.

وفي المملكة، حيث تتسارع التحولات الاقتصادية والتنموية والتقنية، فإن القضية أكبر من مجرد إدارة الموارد البشرية داخل منظمة. نحن أمام حاجة استراتيجية إلى بناء قدرات وطنية قادرة ليس فقط على مواكبة المستقبل، وإنما على صناعته. ولذلك يجب أن تتكامل خطط القوى العاملة مع التخطيط الاستراتيجي، وتطوير المواهب، والتعاقب الوظيفي، والتحول الرقمي، وإعادة تأهيل المهارات، والاستثمار في الكفاءات الوطنية.

فالاستثمار الحقيقي ليس في أن نملأ الوظائف، وإنما في أن نضمن أن كل وظيفة تضيف قدرة، وكل قدرة تضيف قيمة، وكل قيمة تصنع أثراً. ومن يخطط للوظائف فقط، سيظل أسير الحاضر، أما من يخطط للقدرات، فإنه يبدأ فعلياً في صناعة المستقبل.

لذلك يجب ألا تكون خطة القوى العاملة وثيقة تنتهي عند اعتماد الوظائف والميزانية، بل منظومة استشرافية تربط استراتيجية المنظمة بقدرات الإنسان، وتعرف مًا أين ستكون الحاجة، ومن يمتلكها، ومن يمكن بناؤها لديه، وما الذي يجب أن نبدأ به اليوم حتى لا نبحث عنه غداً تحت ضغط الحاجة.

فالوظائف تتغير، والمهارات تتغير، والتقنيات تتغير، والأسواق تتغير، لكن المنظمة التي تعرف كيف تستشرف قدراتها، وتكتشف مواهبها، وتبني كفاءاتها قبل الحاجة إليها، هي التي تمتلك أفضلية حقيقية في سباق المستقبل.

فالمشكلة ليست أن نعرف كم وظيفة نحتاج غداً؛ المشكلة أن نعرف ماذا نريد أن نكون قادرين على فعله غداً. وختامًا أقول .. من يخطط لعدد الوظائف فقط .. سيكتشف متأخراً أنه لم يخطط للمستقبل.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى