آخر نسخة.. وأول حكاية |

▪︎ واتس المملكة

.

يستعيد كاتب المقال ذكرياته مع صحيفة «الرياض» بعد صدور خبر إيقاف نسختها المطبوعة، بوصفها أول مدرسة مارس فيها العمل الصحفي وتعلّم فيها أساسيات المهنة بدعم وتوجيه قياداتها وزملائه فيها. ويرى أنّ توقف الطباعة لا يعني نهاية الصحيفة ولا الصحافة، بل تغيير الوعاء من الورق إلى الشاشة، مع بقاء أثر البدايات وذ…

بعض الأخبار تقرؤها بصفتك قارئًا، وبعضها يعيدك سنوات إلى الوراء دون استئذان، وحين قرأت خبر صدور آخر نسخة مطبوعة من صحيفة «الرياض»، لم يكن الخبر بالنسبة لي مجرد تحول جديد في صناعة الصحافة، ولا محطة أخرى في رحلة انتقال الإعلام من الورق إلى الشاشة؛ كان أقرب إلى أن يخبرك أحدهم أن مكانًا قديمًا تعرفه جيدًا سيطوي أوراقه، فتبدأ فجأة باستعادة الوجوه والممرات والأيام الأولى.

فالرياض لم تكن بالنسبة لي صحيفة أقرأها فحسب، بل كانت أول مكان أمارس فيه العمل الصحفي، والمكان الذي بدأت فيه علاقتي الحقيقية بهذه المهنة، دخلتها في بداياتي، وأنا أحمل من الحماس أكثر مما أحمل من الخبرة كنت أتعلم كيف أبحث عن الخبر، وكيف أطرح السؤال، وكيف أفرق بين معلومة تستحق النشر وأخرى لا تضيف للقارئ شيئًا ولم تكن الصحافة يومها بالنسبة لي وظيفة بقدر ما كانت مدرسة، كل يوم فيها يحمل درسًا جديدًا.

ومن الذكريات التي ما زالت حاضرة في ذهني، أول لقاء صحفي خاص أجريته مع صاحب معالي المهندس خالد الفالح، وكان حينها وزيرًا للطاقة قد يبدو اللقاء اليوم واحدًا من عشرات اللقاءات التي يجريها الصحفي خلال مسيرته، لكنه بالنسبة لصحفي في خطواته الأولى كان أكبر من ذلك بكثير، أتذكر شعور تلك اللحظة، والتحضير للأسئلة، والحرص على ألا تضيع الفرصة وحين خرج اللقاء للنشر، شعرت للمرة الأولى أن الطريق الذي اخترته يمكن أن يأخذني إلى أماكن لم أكن أتخيلها في البداية، كان ذلك اللقاء دفعة معنوية كبيرة، جعلتني أكثر ثقة بأن الصحفي الشاب، مهما كانت تجربته محدودة، يمكن أن يصل إذا وجد الفرصة واستعد لها جيدًا.

لكن البدايات لا يصنعها الإنسان وحده، أتذكر الأستاذ نايف الوعيل، مدير إدارة النشر الإلكتروني، وكيف كان يوجهني في خطواتي الصحفية الأولى لم يكن التوجيه مجرد تصحيح نص أو تعديل عنوان؛ كان تعليمًا مستمرًا لكيف يفكر الصحفي قبل أن يكتب، وكيف يرى الخبر من زاوية مختلفة، وكيف يتعامل مع المهنة بمسؤولية قبل أن يبحث عن اسمه أسفل المادة المنشورة.

وأتذكر كذلك الزملاء الذين كانوا حولي، لم أشعر يومًا أنني مطالب بأن أعرف كل شيء منذ البداية؛ كان هناك دائمًا من يجيب عن سؤال، ومن يصحح خطأ، ومن يقدم ملاحظة، ومن يمنح الصحفي الجديد فرصة ليجرب ويتعلم وربما لا يدرك أصحاب الخبرة أحيانًا حجم الأثر الذي تتركه كلمة تشجيع بسيطة في شخص لا يزال في أول الطريق، لهذا عندما أتحدث اليوم عن صحيفة الرياض، يصعب عليّ أن أفصل المؤسسة عن الأشخاص، أو الورق عن الذكريات.

والحقيقة أن توقف النسخة المطبوعة لا يعني نهاية «الرياض»، فالصحيفة مستمرة، والصحافة نفسها لم تنتهِ؛ الذي تغير هو الوعاء، انتقل الخبر من الصفحة إلى الهاتف، وأصبحت سرعة النشر تقاس بالثواني بدل انتظار صباح اليوم التالي، وهذا تحول طبيعي في صناعة لا تستطيع أن تقف أمام تغير عادات جمهورها.

لكن الورق كان يحمل شيئًا لن تنقله الشاشة بالكامل، كان يحمل رهبة أن ترى اسمك مطبوعًا للمرة الأولى، وأن تمسك الصحيفة صباحًا لتبحث عن المادة التي كتبتها بالأمس، وأن تدرك أن ما كتبته أصبح جزءًا من نسخة ستبقى في أرشيف ما، وربما تقع عليها عين قارئ بعد سنوات، واليوم، وأنا أرى الصفحة الأخيرة من النسخة المطبوعة، أجدني أعود تلقائيًا إلى صفحتي الأولى.

إلى الصحفي الشاب الذي دخل «الرياض» وفي رأسه أسئلة كثيرة، وإلى أول خبر، وأول توجيه، وأول خطأ، وأول لقاء كبير، وإلى أشخاص منحوني من وقتهم وخبرتهم ما ساعدني على أن أكمل الطريق، قد تكون هذه آخر نسخة مطبوعة من صحيفة الرياض، لكنها بالنسبة لي تفتح ألبومًا كاملًا من الذكريات، وتعيدني إلى مكان كان شاهدًا على بداية جزء مهم من حياتي المهنية.

فالصحف قد تتوقف عن الطباعة، والصفحات قد تتحول إلى شاشات، لكن أين تذهب ذكرياتنا الأولى حين يكون الورق الذي حملها قد طُوي للمرة الأخيرة؟

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى