«السلطة الرابعة تتصدع».. أستاذ الإعلام عبدالملك الشلهوب يكتب في وداع الورق: مؤسساتنا الصحفية لم تستشرف المستقبل

▪︎ واتس المملكة
.
يحذّر أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود، عبدالملك الشلهوب، من أن أزمة الصحافة السعودية الورقية ليست في توقف الطباعة بحد ذاته، بل في فشل المؤسسات في استشراف مستقبل الإعلام الرقمي وتحوّل الجمهور من متلقٍّ إلى منتج للمحتوى، ما أدى إلى تراجع الدور التقليدي للصحف وانحسار قراءتها وإيراداتها. ويرى أن اعتماد…
بعد يومٍ واحد من توقف مطابع «الرياض» و«اليمامة»، يقدم أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود، الأستاذ الدكتور عبدالملك بن عبدالعزيز الشلهوب، تشريحاً أكاديمياً صريحاً لا يكتفي بالرثاء: فالأزمة عنده ليست في الورق بل فيمن أمسكوه؛ مؤسساتٌ «استندت إلى إرثها السابق» ولم تستشرف، وجمهورٌ تحول من متلقٍّ إلى منتجٍ للمحتوى، وسلطةٌ رابعة تتصدع أمام «سلطة خامسة» رقمية لا تحتاج مطبعة. قراءةٌ قاسية القسمات، لكنها من النوع الذي تحتاجه الصحافة السعودية وهي تسأل نفسها السؤال الذي يختم به الكاتب مقالته: ماذا بعد؟ فإلى نص المقالة:
في وداع الورق… المؤسسات الصحفية ومقاومة التغيير
أ.د. عبدالملك بن عبدالعزيز الشلهوب
أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود
قرار مؤسسة اليمامة الصحفية إيقاف طباعة النسخة الورقية من صحيفة الرياض ومجلة اليمامة ابتداءً من 24 أغسطس 2026 يؤكد على أن الوضع الذي تعاني منه الصحافة السعودية الورقية وضع محزن؛ حيث تضاءل عدد قرائها ولم تعد الوسيلة الإعلامية المغرية بالنشر، ولم يعد لها ذلك الدور المهم والحيوي الذي كانت تلعبه سابقاً في التأثير على المتلقين، وبناء تصوراته تجاه أي حدث أو مشكلة، وتشكيل معارفه وتصوراته وإيجاد التفسيرات الملائمة للأحداث. فقد هيمن الإعلام الرقمي على الساحة الإعلامية بقدرته على نشر المعلومات والأخبار وتوفيرها لمن يطلبها، وإتاحة المجال للجمهور للمشاركة والتعبير عن اهتماماتهم واحتياجاتهم ومطالبهم بصورة لم تكن متاحة لهم من قبل الصحافة الورقية. فالجمهور اليوم لم يعد فقط مجموعة من المشاهدين والقراء والمستمعين، بل هم مشاركون فاعلون يستخدمون المعلومات بطرق ثلاث: الاستهلاك، والمشاركة، والإنتاج. ومؤسساتنا الصحفية لم تدرك التغيرات الطارئة في نمط صناعة المحتوى الرقمي، وأن اهتمامات الجمهور تغيرت.
الإشكالية الرئيسية التي وقعت فيها المؤسسات الصحفية السعودية عدم استشرافها للمستقبل، وعدم وجود استراتيجية إعلامية شاملة، وأن الإعلام المهني يتراجع أمام إعلام الهواية الشخصية، وأنها أمام إعلام اختلفت فيه مؤسساته وأدواته وأساليبه وأهدافه ومالكوه، وأن المشهد الإعلامي يشهد تغييراً كبيراً في طرق تلقي المعلومات ووسائلها، وأن الإعلام اليوم لم يعد حكراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية؛ حيث دخل متعاملون جدد في مجال إنتاج الإعلام وتخزينه وتوزيعه لم تكن لهم علاقة سابقة بوسائل الإعلام التقليدية، وأن السلطة الرابعة تتصدع مقابل ظهور سلطة خامسة جديدة لإعلام رقمي يعتمد بشكل رئيسي على ثورة اتصالية تقنية، وأن الجمهور لم يعد بحاجة إلى مطبعة لكي يعبر عن رأيه أو ما يريد أن ينشره. إذ استندت المؤسسات الصحفية على إرثها السابق، ولم تتعامل بواقعية مع التحديات التي تواجهها.
المؤسسات الصحفية باتت اليوم غير قادرة على مواكبة التغيرات التي شهدها ويشهدها العالم، وذلك بفعل تغطياتها التقليدية للموضوعات الصحفية، وضعف الأداء المهني للإعلاميين السعوديين، والذي نتج عنه ضعف في العرض، وضحالة في المضمون. وهذا يعود إلى عدم قيام المؤسسات الصحفية بتطوير الأدوات المهنية لمنسوبيها، وتحديث أولوياتهم، وعدم استفادتها من تطور شبكات المعلومات في صناعة عملها التحريري بكل أشكاله، إضافة إلى عدم سعيها إلى ما وراء المعلومة أو الخبر بالرأي والتفاصيل والتحليل والتعمق في موضوعاتها من خلال المتابعات الإخبارية والتحقيقات والتقارير، والسعي لوضعها في إطار تحريري متميز يشعر معه القارئ باختلاف العمل التحريري الصحفي عما يقدم في الإعلام الرقمي.
وعليه فإن مجرد متابعة بسيطة للمشهد الإعلامي العالمي يلحظ إدراك المؤسسات الإعلامية العالمية للمتغيرات الحادثة في بيئة العمل الإعلامي؛ حيث عملت منذ وقت مبكر على استشراف المستقبل من خلال الاستفادة من التقنيات الاتصالية الحديثة بتطوير أدواتها المهنية، والاستفادة من التقنيات الحديثة وشبكات المعلومات في صناعة محتوى إعلامي يجذب الجمهور. ومن أهم التقنيات التي يتم الاستفادة منها اليوم تطبيقات الذكاء الاصطناعي؛ فحضور هذه التطبيقات في صناعة الأخبار وإنتاج المحتوى الإعلامي في تزايد. فوفقاً لتقرير معهد رويترز للصحافة للأخبار الرقمية لعام 2025، شرعت العديد من المؤسسات الإعلامية في العالم إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لأتمتة بعض المهام الصحفية، وبات العديد من الصحفيين في العالم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في عدة مجالات من مثل: البحث والأرشفة، ونسخ المقابلات، وصياغة العناوين والتلخيصات، ونشر قصص صحفية مكتوبة تلقائياً بواسطة الذكاء الاصطناعي.
العمل الإعلامي في المؤسسات الصحفية اليوم يكتنفه غالباً الارتجالية والعشوائية، الأمر الذي وضعها في أزمة كبيرة تتمثل في ضعف توزيعها، وتراجع كبير في مقروئيتها، وانكماش إعلاناتها، وبالتالي تضاؤل مداخيلها المالية، وتراكم ديونها، واعتمادها كلياً على نموذج مجانية المحتوى، وتراجع فرص العمل فيها. وما ذُكر آنفاً أحدث جملة من التأثيرات، من أهمها: الضعف الذي اعترى البناء التنظيمي للمؤسسات الصحفية السعودية، وضعف ارتباطها بالقطاعات الاقتصادية، وتلاشي المنافسة الإعلامية بين المؤسسات الصحفية، وتغير مدركات العاملين في هذه المؤسسات لأدوارهم المهنية، وتأثر عمليات اتخاذ القرارات المهنية داخل هذه المؤسسات.
وختاماً، فعلى المؤسسات الصحفية السعودية التعامل بواقعية مع التحديات التي تواجهها، وأن يكون لديها رؤية واضحة، وتحدد أولوياتها، وتسأل نفسها: ماذا بعد؟
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq