الجاهزية السعودية.. رؤية قيادة ونتائج على أرض الواقع

▪︎ واتس المملكة

.

يركز المقال على أن قوة الدول في الأزمات تُقاس بجاهزيتها العملية، لا بمجرد إعلان الخطط. ويعرض مسار تطوير القدرات الدفاعية في المملكة بوصفه توجهاً استراتيجياً تقوده القيادة، يشمل تحديث المنظومة الدفاعية وتوطين الصناعات …

في أوقات الأزمات، لا تُقاس قوة الدول بما تعلنه من خطط أو بما تمتلكه من إمكانات فحسب، بل بما تستطيع إظهاره من جاهزية وقدرة على حماية أمنها ومصالحها. وهنا تتضح قيمة العمل الذي ي التحديات بسنوات، وتظهر نتائج القرارات التي لم تكن وليدة ظرف طارئ، بل جاءت ضمن رؤية تستشرف المستقبل وتستعد لمتغيراته.

وفي المملكة العربية السعودية، لم يكن تطوير القدرات الدفاعية استجابة مؤقتة للتوترات الإقليمية، بل مساراً استراتيجياً يحظى باهتمام القيادة، فمنذ اعتماد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز خطة تطوير وزارة الدفاع، وصولًا إلى ما يقوده سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -أيدهم الله-

من توجهات لتحديث المنظومة الدفاعية وتطوير صناعاتها، اتجه العمل نحو بناء قدرات أكثر كفاءة، وتطوير التدريب والتسليح، ورفع مستوى الأداء، وتعزيز الاعتماد على الإمكانات الوطنية.

وما يلفت النظر في هذا المسار أنه لم يتوقف عند تحديث المعدات والمنظومات، بل امتد إلى إعادة بناء البيئة التي تعمل من خلالها المؤسسات الدفاعية، من الحوكمة والتنظيم إلى كفاءة الإنفاق وتطوير الكوادر البشرية، وهذه نقطة مهمة، فالتقنيات المتقدمة وحدها لا تصنع الجاهزية، ما لم تسندها منظومة قادرة على تشغيلها وصيانتها وتطويرها، واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

وقد بدأت نتائج هذا التوجه تظهر في مؤشرات قابلة للقياس، فقد أعلنت الهيئة العامة للصناعات العسكرية وصول نسبة توطين الإنفاق العسكري إلى 27.30% بنهاية عام 2025، مقارنة بـ24.89% في عام 2024، متجاوزة المستهدف السنوي البالغ 24%، في طريق الوصول إلى توطين أكثر من 50% بحلول عام 2030، وهذه الأرقام تعكس انتقالاً  تدريجياً من الاعتماد على الاستيراد إلى توسيع قاعدة التصنيع والخدمات والإمداد داخل المملكة.

ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على الجانب الدفاعي، فالتوطين يفتح المجال أمام استثمارات صناعية، وينقل المعرفة والخبرات، ويمنح الكفاءات الوطنية فرصاً للمشاركة في قطاعات تقنية متقدمة، كما يعزز قدرة المملكة على المحافظة على جاهزية معداتها وأنظمتها، ويحد من تأثر سلاسل الإمداد بالظروف الخارجية.

وفي ظل ما تشهده المنطقة من تهديدات متغيرة، تبرز أهمية ما بُني من قدرات وطنية وما تبذله الجهات العسكرية والأمنية من جهود لحماية المملكة، فالتعامل مع المخاطر لا يعتمد على منظومة واحدة، وإنما على تكامل الرصد والاستجابة والتنسيق، واستمرار تطوير القدرات وفق طبيعة التهديدات، ومن المهم هنا أن يُقدّر ما تقوم به هذه الجهات من عمل متواصل، وما يتحمله منسوبوها من مسؤوليات في سبيل أمن الوطن واستقراره.

كما أن الرؤية القيادية لهذا الملف تتجاوز الحاضر؛ فبناء صناعة عسكرية وطنية لا يتحقق بقرار منفرد أو مشروع محدود، بل يحتاج إلى تشريعات، وشراكات، وتمويل، وتأهيل للكوادر، وبيئة استثمارية قادرة على استقطاب التقنية والخبرة، وهذا ما يجعل توطين الصناعات الدفاعية أحد المسارات التي تجمع بين متطلبات الأمن وأهداف التنمية الاقتصادية.

ومن زاوية التخطيط والإنفاق، فإن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة التركيز على الأثر الفعلي لكل استثمار: هل رفع الجاهزية؟ هل عزز القدرة المحلية؟ هل قلّص الاعتماد على الخارج؟ وهل أسهم في بناء خبرات وطنية مستدامة؟ فهذه الأسئلة هي التي تضمن أن تتحول الموارد المرصودة إلى قدرات حقيقية، وأن تكون مؤشرات الأداء انعكاسًا لما تحقق على أرض الواقع.

إن ما تحقق في مسار تطوير القدرات الدفاعية وتوطين الصناعات العسكرية يستحق التقدير، لا بوصفه أرقامًا في تقارير سنوية، بل باعتباره حصيلة توجه استراتيجي تقوده القيادة، وتعمل على ترجمته مؤسسات الدولة وكفاءاتها الوطنية، وما نشهده اليوم يؤكد أن الاستثمار في الجاهزية ليس إنفاقًا مرتبطًا بظرف عابر، بل بناء طويل الأمد لأمن المملكة واستقرارها وقدرتها على حماية مصالحها.

وفي وطنٍ  يضع أمنه وسيادته في مقدمة أولوياته، تبقى الجاهزية ثمرة رؤية تُخطط، وقيادة توجه، ومؤسسات تعمل، وكفاءات وطنية تنفذ، وما يُبنى اليوم من قدرات هو رصيد للأجيال القادمة، وضمانة لاستمرار مسيرة التنمية بثقة واستقرار.

حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها وعزها واستقرارها، وحفظ قيادتها وجنودها وكل من يعمل لخدمة هذا الوطن.

✍ أ. سعيد مسروح مستشار تخطيط – مهتم بالاستراتيجية والمجال العدلي والمالي

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى