حين يكون العطاء عنوان الكفاءة الوطنية

▪︎ واتس المملكة
.
يقدّم الكاتب تجربة شخصية مع أخصائية علاج طبيعي سعودية بوصفها نموذجًا للكفاءات الوطنية التي تجمع بين العلم والإخلاص والبعد الإنساني في أداء العمل. من خلال هذه التجربة يؤكد أن الوطن يبنى بعطاء الأفراد في مواقعهم المختلف…
كم هو جميل أن نرى أبناءنا وبناتنا يتبوؤون مواقعهم في مختلف قطاعات العمل، ويؤدون مهامهم بكل ثقة واقتدار، مستندين إلى ما اكتسبوه من علم ومعرفة، وما يتحلون به من إخلاص ومسؤولية. والأجمل من ذلك أن نلمس في أدائهم روح الانتماء الصادق، وإيمانهم بأن العمل ليس مجرد واجب وظيفي يؤدّى، وإنما رسالة وطنية وإنسانية تبدأ بخدمة الوطن، وتمتد إلى خدمة الإنسان والمجتمع.
إن من أبهى صور النهضة التي نعتز بها أن نرى الكفاءات الوطنية حاضرة في ميادين العطاء المختلفة، وأن نشاهد أبناءنا وبناتنا وهم يثبتون جدارتهم، ويترجمون ما يحملونه من طموح إلى إنجاز، وما يمتلكونه من قدرات إلى عمل ملموس. ولعل ما يبعث في النفس مزيدًا من الفخر والاعتزاز هو حضور المرأة السعودية في مختلف ميادين العمل، وهي تمضي بثبات وثقة، وتؤكد يومًا بعد آخر أن الكفاءة لا تحدّها صورة نمطية، وأن التميز لا يعرف إلا طريق الاجتهاد والإخلاص.
وقد كان لي مع أحد هذه النماذج الوطنية المشرّفة موقف يستحق أن يُروى، لا لأنه موقف استثنائي في ظاهره فحسب، ولكن لما تركه في نفسي من أثر طيب، وما أثاره من مشاعر التقدير والاعتزاز.
فقد تعرضت قبل عدة أسابيع لعارض صحي استدعى مني مراجعة عيادات العلاج الطبيعي، والانتظام في مواعيد أسبوعية متتابعة، أرجو من خلالها التعافي واستعادة العافية. وكما هي العادة، حين تدفعنا الظروف الصحية إلى أبواب المؤسسات العلاجية، نقصدها ونحن نحمل رجاء الشفاء، ونعلّق آمالنا على ما يقدمه المختصون من علم وخبرة ورعاية. غير أن بعض اللقاءات تمنحنا، إلى جانب العلاج، شيئًا آخر لا يقل قيمة؛ تمنحنا الطمأنينة، وتبعث في نفوسنا الارتياح، وتوقظ في داخلنا مشاعر الامتنان والاعتزاز، حين نكتشف أن وراء المهنة النبيلة إنسانًا يدرك رسالتها، ويؤديها بضمير حي وروح محبة.
كانت زيارتي الأولى إلى تلك العيادات موعدًا مع أخصائية العلاج الطبيعي الأستاذة سمر الأنصاري، ابنة هذا الوطن الغالي، التي تشرفت باللقاء بها والتعرف عن قرب إلى نموذج مشرّف من نماذج الكفاءات الوطنية التي تستحق الإشادة والتقدير.
ومنذ اللقاء الأول، لمست فيها حضورًا مهنيًا لافتًا، وثقة تنبع من معرفة وتمكن، وحرصًا واضحًا على أداء رسالتها بكل عناية واهتمام. فقد كان تعاملها يتجاوز حدود الإجراء العلاجي المعتاد إلى رحابة التعامل الإنساني الذي يضع المراجع في موضع الاهتمام والتقدير، ويمنحه شعورًا بالثقة والاطمئنان. وفي مثل هذه المواقف ندرك أن التميز المهني لا يُقاس بالمعرفة وحدها، على أهميتها، وإنما يتجلى كذلك في حسن التعامل، ودقة المتابعة، والصبر، والقدرة على استشعار احتياجات الآخرين.
لقد أدركت من خلال هذه التجربة أن الممارس الناجح لا يكتفي بأن يؤدي ما تمليه عليه واجبات المهنة، وإنما يحرص على أن يترك أثرًا طيبًا في نفوس من يتعامل معهم. فهناك فارق كبير بين من يؤدي عمله باعتباره ساعات وظيفية تنقضي، وبين من يراه أمانة ومسؤولية ورسالة إنسانية. والأستاذة سمر، بما لمسته من تعاملها وأدائها، قدمت لي صورة جميلة لهذا المعنى؛ فالعلم حين يقترن بالإخلاص، والمهارة حين تصاحبها الإنسانية، يصبحان معًا مصدرًا للثقة والارتياح.
ولعل أكثر ما أثار إعجابي هو أن أرى ابنة الوطن وهي تثبت حضورها في ميدان تخصصها، وتمارس عملها بثقة واقتدار، دون أن يغيب عن أدائها الجانب الإنساني الذي يمنح المهنة قيمتها الحقيقية. وهذا تحديدًا ما يجعلنا نزداد يقينًا بأن أبناءنا وبناتنا يمتلكون من الهمة والطموح ما يليق بوطن عظيم، وأن ما نشهده من حضورهم وتميزهم في مختلف القطاعات ليس مجرد أرقام أو مسميات وظيفية، وإنما قصص نجاح تتجسد في مواقف وتجارب يلمسها الناس في حياتهم اليومية.
إن الوطن لا يبنيه أبناؤه وبناته بالمشروعات الكبرى وحدها، وإن كانت ركيزة أساسية في نهضته، وإنما يبنونه كذلك بإخلاص الموظف في موقعه، وأمانة المختص في مهنته، وحرص المعلم على رسالته، وعناية الطبيب والممارس الصحي بمرضاه، وكل من يجعل من عمله بابًا للعطاء وخدمة الآخرين. فالأوطان تكبر حين يكبر الإحساس بالمسؤولية لدى أبنائها، وتزدهر حين يتحول الانتماء من مشاعر تُقال إلى ممارسات تُرى وتُلمس.
وما لمسته في هذه التجربة أعاد إلى ذهني حقيقة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا: أن الاستثمار الحقيقي في الإنسان هو أعظم استثمار، وأن تأهيل الكفاءات الوطنية وتمكينها وإتاحة الفرصة لها لتبدع وتتميز هو الطريق الأوثق نحو مستقبل أكثر ازدهارًا. كما أن الإشادة بالمتميزين ليست مجاملة عابرة، وإنما هي ثقافة تقدير ينبغي أن نعززها، ووفاء مستحق لكل من يؤدي عمله بإخلاص، ويضيف إلى مؤسسته ومجتمعه قيمة حقيقية.
ومن هنا، أجدني مدينًا للأستاذة سمر الأنصاري بكلمة شكر وتقدير، لا لمجرد ما قدمته لي من رعاية ومتابعة في إطار تخصصها، ولكن لما قدمته من صورة مشرّفة للفتاة السعودية التي تجمع بين الكفاءة المهنية، والثقة بالنفس، وحسن التعامل، والإحساس بالمسؤولية. وهي صورة تستحق أن نسلط عليها الضوء، وأن نحتفي بها، وأن نجعل من أمثال هذه النماذج مصدر إلهام للأجيال القادمة.
شكرًا لكل كفاءة وطنية جعلت من عملها رسالة، ومن إخلاصها عنوانًا، ومن خدمة الآخرين غاية نبيلة.
فكم هو جميل أن نذهب إلى مكان نرجو منه الشفاء، فنعود منه ونحن نحمل إلى جانب الأمل بالعافية شعورًا أعمق بالفخر بوطننا وأبنائه وبناته. وكم هو أجمل أن نكتشف، في تفاصيل حياتنا اليومية، أن هذا الوطن يزخر بكفاءات تستحق الثقة والإشادة، وأن أبناءه وبناته لا يكتفون بحمل اسمه، وإنما أيضًا يحملون مسؤولية رفعة شأنه أينما كانوا.
فالوطن الذي يملك مثل هذه الكفاءات، ويزخر بمثل هذه الهمم، ماضٍ بعون الله نحو مستقبل يليق بطموح قيادته وتطلعات أبنائه.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq




