بعد خسارة الكونغرس.. هل تتغير حسابات ترامب في الشرق الأوسط؟

▪︎ واتس المملكة
.
يفتح فوز الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026 صفحة جديدة في المشهد السياسي الأمريكي، بعدما تمكن من انتزاع الأغلبية في مجلسي الكونغرس، في نتيجة تحمل دلالات تتجاوز حدود التنافس الحزبي، لتضع الرئيس دونالد ترامب أمام واقع سياسي أكثر تعقيداً خلال العامين الأخيرين من ولايته، وتثير تساؤلات بشأن انعكاساتها على السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
ولا تبدو أهمية هذه الانتخابات مرتبطة فقط بتغيير موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية، وإنما بما يمكن أن تفرضه من قيود على أجندة ترامب السياسية والاقتصادية والخارجية، في ظل انتقال الحزب الديمقراطي من موقع المعارضة إلى موقع يمتلك فيه أدوات تشريعية ورقابية مؤثرة.
تحول في موازين القوى
يمثل فوز الديمقراطيين بمجلسي النواب والشيوخ تحولاً مهماً في المشهد السياسي الأمريكي، إذ يمنح الحزب فرصة استعادة المبادرة السياسية وفرض أجندته الرقابية والتشريعية، بعد فترة من هيمنة الجمهوريين على المؤسسات التشريعية.
ومن المتوقع أن يسعى الديمقراطيون إلى استثمار هذه النتيجة في إعادة ترتيب أولويات الكونغرس، وفتح ملفات تتعلق بأداء الإدارة الأمريكية، خصوصاً في مجالات الاقتصاد والهجرة والإنفاق العام والسياسة الخارجية.
كما يشكل الفوز دفعة سياسية للحزب استعداداً للانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028، حيث سيحاول تقديم نفسه باعتباره بديلاً قادراً على إدارة البلاد، وليس مجرد قوة سياسية مهمتها معارضة ترامب.
لكن هذا التقدم لا يخفي التباينات داخل الحزب الديمقراطي بين التيار التقدمي والتيار المعتدل، خصوصاً في القضايا الاقتصادية والسياسة الخارجية والعلاقة مع إسرائيل.
في المقابل، يجد الحزب الجمهوري نفسه أمام مرحلة مراجعة داخلية، مع تصاعد التساؤلات بشأن جدوى استمرار ارتباط مستقبله السياسي بشخصية ترامب ونهجه، خصوصاً إذا ربطت القيادات الجمهورية خسائر الانتخابات بسياسات الرئيس ومواقفه.
ترامب أمام كونغرس معارض
تتمثل إحدى أبرز نتائج الانتخابات في وضع ترامب أمام كونغرس لا يسيطر عليه حزبه، وهو ما قد يحد من قدرته على تمرير التشريعات والمشروعات التي تشكل جزءاً من برنامجه السياسي.
ومن المتوقع أن يستخدم الديمقراطيون أغلبيتهم الجديدة لتكثيف الرقابة على الإدارة الأمريكية، من خلال لجان التحقيق والاستدعاءات البرلمانية ومراجعة القرارات التنفيذية والإنفاق الحكومي.
كما قد تعود مسألة مساءلة الرئيس وإجراءات العزل إلى النقاش السياسي، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة الوصول إلى إدانته أو عزله، نظراً إلى المتطلبات الدستورية والسياسية المعقدة لهذه الإجراءات.
ولا تعني خسارة الجمهوريين للأغلبية أن ترامب فقد سلطاته الرئاسية، فهو لا يزال يحتفظ بصلاحيات واسعة، خصوصاً في السياسة الخارجية والأمن القومي، فضلاً عن حق استخدام الفيتو ضد التشريعات التي لا تحظى بموافقته.
لكن التحدي الأساسي سيكون في قدرته على تنفيذ برنامجه وسط مواجهة متزايدة مع الكونغرس، وهو ما قد يحول العامين المقبلين إلى مرحلة من التجاذب المؤسسي والسياسي.
إسرائيل وفلسطين.. ضغوط متزايدة على السياسة الأمريكية
على مستوى الشرق الأوسط، تبرز العلاقة الأمريكية الإسرائيلية باعتبارها أحد الملفات الأكثر قابلية للتأثر بالتحولات داخل الكونغرس.
فقد شهدت الساحة السياسية الأمريكية خلال الفترة الأخيرة اتساعاً في الأصوات الديمقراطية المنتقدة للسياسات الإسرائيلية، خصوصاً فيما يتعلق بالحرب في غزة، والمساعدات العسكرية الأمريكية، والعمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة.
وقد يمنح الفوز الديمقراطي هذه الأصوات مساحة أكبر للتأثير في النقاشات المتعلقة بالمساعدات العسكرية وشروط استخدامها، فضلاً عن زيادة الضغوط السياسية والبرلمانية على الإدارة الأمريكية لمراجعة موقفها من الحرب والقضية الفلسطينية.
ومع ذلك، لا يعني هذا التحول حدوث تغيير فوري في طبيعة التحالف الأمريكي الإسرائيلي، إذ لا يزال الحزب الديمقراطي يضم تيارات واسعة تؤيد استمرار العلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل، وإن كانت تختلف في مستوى الدعم وشروطه.
ومن ثم، فإن الأثر الأبرز قد يتمثل في زيادة مساحة النقاش والرقابة داخل المؤسسات الأمريكية، وليس بالضرورة حدوث انقلاب سريع في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
إيران.. قيود أكبر على هامش المناورة العسكرية
يشكل الملف الإيراني أحد أبرز الاختبارات التي يمكن أن تكشف حدود العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس الجديد.
ففي ظل تصاعد التوترات الإقليمية، قد يسعى الديمقراطيون إلى فرض رقابة أكبر على القرارات العسكرية الأمريكية، ومراجعة تكاليف العمليات العسكرية وأهدافها، والضغط باتجاه توضيح الاستراتيجية الأمريكية تجاه طهران.
وقد يؤدي ذلك إلى زيادة المطالبات بالعودة إلى المسار الدبلوماسي، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة يصعب احتواء تداعياتها.
لكن لا ينبغي افتراض أن الديمقراطيين سيتبنون سياسة متساهلة تجاه إيران؛ فهناك توافقات داخل المؤسسة السياسية الأمريكية بشأن ضرورة التعامل مع البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية ونفوذ طهران الإقليمي.
وعليه، فإن التحول المحتمل لا يتعلق بالضرورة بتغيير جوهر الموقف الأمريكي من إيران، بقدر ما يتعلق بزيادة القيود السياسية والمؤسسية على كيفية إدارة المواجهة معها.
الخليج.. المصالح تحكم العلاقة
بالنسبة إلى دول الخليج، لا يعني فوز الديمقراطيين بالضرورة حدوث تغيير جذري في العلاقات مع واشنطن، نظراً إلى عمق المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية التي تربط الطرفين.
فالولايات المتحدة لا تزال تنظر إلى منطقة الخليج باعتبارها منطقة ذات أهمية كبيرة لأمن الطاقة والممرات البحرية والتوازنات الإقليمية والتعاون الدفاعي.
لكن وجود كونغرس ذي أغلبية ديمقراطية قد يرفع مستوى التدقيق في بعض الملفات، وقد تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة سياسية أكثر تعقيداً، تتمثل في استمرار التعامل مع إدارة ترامب من جهة، والتعامل مع كونغرس يمتلك أولويات ورؤى مختلفة في بعض الملفات من جهة أخرى.
وهذا يتطلب متابعة دقيقة لطبيعة التوازن بين المؤسستين التنفيذية والتشريعية في واشنطن.
هل تتغير سياسة ترامب في الشرق الأوسط؟
السؤال الأهم الذي تطرحه هذه الانتخابات يتعلق بمدى قدرة ترامب على الاستمرار في إدارة الملفات الإقليمية وفق رؤيته الخاصة، في ظل وجود أغلبية معارضة داخل الكونغرس.
فالرئيس الأمريكي يمتلك صلاحيات واسعة في السياسة الخارجية، لكن الكونغرس يستطيع التأثير في التمويل العسكري، والمساعدات الخارجية، والعقوبات، والتشريعات المرتبطة بالأمن القومي.
ومن هنا، قد تصبح القرارات الأمريكية المتعلقة بالشرق الأوسط أكثر عرضة للنقاش والاعتراض السياسي، خصوصاً في الملفات التي تتطلب إنفاقاً مالياً كبيراً أو التزامات عسكرية طويلة الأمد.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الولايات المتحدة ستتجه إلى الانسحاب من المنطقة أو تغيير تحالفاتها، بل إن الاحتمال الأبرز يتمثل في زيادة التعقيدات الداخلية التي تحكم عملية صنع القرار الأمريكي.
واشنطن أمام مرحلة من الانقسام المؤسسي
في المحصلة، لا يمكن اختزال نتائج الانتخابات في كونها انتصاراً للديمقراطيين أو خسارة للجمهوريين، فهي تعكس أيضاً طبيعة النظام السياسي الأمريكي وقدرته على إعادة توزيع مراكز القوة بين مؤسساته.
فترامب سيبقى في البيت الأبيض، لكنه سيواجه كونغرساً معارضاً، فيما سيحاول الديمقراطيون استثمار أغلبيتهم لتعزيز حضورهم السياسي استعداداً لمعركة 2028.
أما بالنسبة إلى الشرق الأوسط، فإن أهمية التحول تكمن في احتمال زيادة الضغوط على السياسات الأمريكية المتعلقة بإسرائيل وإيران، وارتفاع مستوى التدقيق في التعاون العسكري مع دول المنطقة، دون أن يعني ذلك التخلي عن المصالح الاستراتيجية الأمريكية التقليدية.
وتبقى المسألة الأكثر أهمية بالنسبة إلى دول المنطقة هي كيفية التعامل مع مرحلة قد تتباين فيها أولويات البيت الأبيض والكونغرس، بما يجعل فهم التوازنات السياسية داخل واشنطن ضرورة أساسية لقراءة مستقبل العلاقات الأمريكية الشرق أوسطية.
فالمعادلة الجديدة لا تعني بالضرورة تغيير السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، لكنها تعني أن ترامب قد يجد نفسه مضطراً إلى إدارة هذه السياسة في ظل قيود داخلية أكبر، وفي مواجهة مؤسسة تشريعية تمتلك القدرة على مساءلته ومراجعة قراراته والتأثير في خياراته.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source akhbaar24