من يكفل السؤال الأوَّل؟ |

▪︎ واتس المملكة
.
يتناول المقال قضية فاقدي الرعاية الأسرية بوصفها مسألة كرامة إنسان ومسؤولية وطن، لا مجرد ملف إعانة. يركز الكاتب على ضرورة تغيير المصطلحات الجارحة، وبناء منظومة متكاملة تشمل الدعم النفسي والتربوي والمهني، ومظلة حكومية م…
جاهز للنشر:
من يكفل السؤال الأوّل؟
فاقدو الرعاية الأسرية بين كرامة الإنسان ومسؤولية الدولة
عبدالمحسن محمد الحارثي
ليس أصعب على الإنسان من أن يبدأ حياته بسؤالٍ لم يختره: من أنا؟
ذلك هو السؤال الأول الذي قد يثقل نفسَ من فقد الرعاية الأسرية، قبل أن تأتي أسئلة التعليم والعمل والزواج والانتماء. ومن هنا لا ينبغي أن تُدار القضية بوصفها ملفّ إعانة، بل بوصفها قضية كرامة إنسان ومسؤولية وطن.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، فجعل الكرامة للإنسان من حيث هو إنسان، لا بحسب نسبه ولا ظرف مولده. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وهاتان الآيتان تؤسسان لقاعدة عظيمة: لا يجوز أن يُختزل أحد في سؤال لم يختره، ولا أن يُحاسَب اجتماعيًا على بداية لم يصنعها.
ولعل أول الإصلاح أن نُحسن التسمية؛ فبدل أن نكرر وصفًا يعرّف الإنسان بما فقده، ننظر إليهم بوصفهم أبناءً فاقدي الرعاية الأسرية. وليس ذلك تجميلًا للألفاظ، بل حماية للنفس؛ فالكلمات قد تصنع جراحًا أطول عمرًا من الوقائع.
الرعاية الحقيقية لا تكتمل بمأوى ومصروف ومقعد دراسي، على أهميتها؛ بل تبدأ من بناء إنسان مطمئن إلى ذاته. نحتاج إلى مسار وطني متكامل: مختص نفسي واجتماعي يرافق الحالة، وتأهيل تربوي ومهني، وبرامج تمكين تعالج القلق قبل أن يتحول إلى عزلة، وتجيب عن الأسئلة الحساسة بجواب مهني صادق وكافٍ.
كما نحتاج إلى مظلة حكومية موحّدة تربط الصحة والتعليم والإسكان والعمل والدعم الاجتماعي والحقوق العدلية؛ فلا يتنقل المستفيد بين الأبواب، ولا تتحول كرامته إلى معاملات متفرقة. وتكون لها نافذة إلكترونية آمنة ضمن المنصات الحكومية، ويمكن ربطها بمنصة «إحكام» في مسارات التمكين السكني والحقوقي، لتيسير الاستحقاقات والفرص والإرشاد، مع حماية مشددة للخصوصية.
إن المكافئه الشهرية المستقرة، والمنح الدراسية داخل المملكة وخارجها، ومسارات التدريب والتوظيف، ليست امتيازات زائدة؛ بل أدوات عدل وتمكين. فالإنسان إذا مُنح فرصة عادلة، لم يعد أسير ظروف البداية، بل أصبح قادرًا على صناعة أثره ومكانه ومستقبله.
وفي قلب هذا المشروع تقف الأسرة الحاضنة؛ فهي ليست مأوى مؤقتًا، بل أول جواب عملي عن معنى الانتماء. ومن حقها أن تُدعَم ماليًا ونفسيًا وتربويًا، وأن تُؤهَّل قبل الاحتضان وتُسانَد بعده؛ لأن نجاح الاحتضان لا ينعكس على طفل واحد، بل على مجتمع أكثر رحمة واتزانًا.
وقد قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». وهذه المسؤولية لا تخص مؤسسة دون أخرى؛ إنها مسئولية الدولة، والأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمجتمع كله. فليس كافيًا أن نطلب من هؤلاء الاندماج، بل علينا أن نهيئ مجتمعًا يعرف كيف يستقبلهم بغير فضول جارح، أو تصنيف قاسٍ، أو أبواب موصدة.
ومع الرحمة يلزم الحزم. فقد يحاول ضعاف النفوس التهرب من مسؤولياتهم أو استغلال أي منظومة إنسانية. لذلك لا بد من توثيق حيوي دقيق للهوية، ومساءلة نظامية صارمة، وفحوص وراثية عند وجود حالة تستوجب التحقق، وفق ضوابط طبية وقضائية تحمي الخصوصية وتثبت المسؤولية بلا ظلم ولا تعميم.
فالهدف ليس الارتياب في المقيمين أو الانتقاص من كرامة أحد؛ بل حماية الطفل، ومحاسبة المتسبب، وسدّ كل ثغرة قد تُستغل ضد حقه في الحياة الآمنة الكريمة.
إن قيمة المجتمع لا تظهر في احتفاله بالأقوياء، بل في طريقته في حماية من بدأت حياتهم بأقلّ الحظوظ. والرحمة ليست كلمة تقال، بل نظام يمنع الجرح، ويصون الكرامة، ويفتح باب المستقبل.
فإذا غابت الأسرة عن بداية الحكاية، فليحضر الوطن بكل مؤسساته؛ ليكون جوابًا كريمًا عن السؤال الأول.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq