ضبع … على مقاعد الدراسة!

▪︎ واتس المملكة
.
يعرض الكاتب موقفاً طريفاً في حصة اجتماعيات للصف الرابع، حين تحوّل الحديث عن جبل ضبع وفائدة الجبال إلى بوحٍ عفوي من الطلاب بثقل الحصة السابعة وطول اليوم الدراسي. تكشف تعليقاتهم عن الجوع والنعاس والإرهاق، وكيف وحّدتهم ك…
ما أجمل عفوية الأطفال! تلك التي تفاجئك أحيانًا بتصرف أو كلمة لا تخطر على بالك، فتجد نفسك أمام حكاية تستحق أن تُروى، وكلي ثقة أنك لن تنساها، لجمالها وربما أيضا لطرافتها!
كنا في حصة الاجتماعيات للصف الرابع الابتدائي، نتحدث عن مفهوم الجغرافيا، والأسئلة التي نستعين بها لدراسة ظواهرها: ما هو؟ وما طبيعته؟ وما واجبنا تجاهه؟ ولأن المثال يقرّب المقال ويوضح الصورة، اخترت جبل ضبع، أحد الجبال المحيطة بمحافظة الحناكية ويعرفه جميع الطلاب، لنطبّق عليه ما تعلمناه.
وفي نقاشنا عن الجبل وطبيعته وواجبنا تجاهه، رفع أحد الصغار يده مقاطعًا: «أستاذ، وش فائدة الجبال؟».
أجبته مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ تعرف معنى أوتادا؟!
هز رأسه : « لا. وش معناها؟».
أجبته باختصار حتى لا نُضيع الحصة ونخرج عن الموضوع : «يعني تثبّت الأرض».
رد بتعجب: «يعني زي الثقالات يا أستاذ؟».
أجبته: «نعم، الجبال ثقيلة و ……».لم أكمل جملتي، أوقفتني تنهيدة سمعتها من وسط الفصل بصوت خافت، متعب، كأنها أفلتت من صدر صاحبها دون قصد: «ما هو أثقل من الحصة السابعة يا أستاذ؟!».
التفتُّ لمصدر الصوت، فإذا هو أحد الطلاب المتميزين، ممن اعتدت يقظتهم وحسن مشاركتهم. وقد رفع رأسه مائلًا بتثاقل، وعلى وجهه الصغير شحوب لا يوحي بمرض أو “سخنه “، بل تعب وإرهاق وملل من يوم دراسي طويل، حيث فقدت عيناه شيئًا من بريقها، وملامحه البريئة الطفولية انطفأت وكأنها وردة ذبلت.
أدهشتني عفويته، بل ألجمتني للحظات! تداركت صمتي وسألته: «ليش ثقيلة؟».
وهنا جاء الأنين من كل جانب! و تكفل الصغار بالإجابة و كأنهم يوجهون رسالة لزميلهم ” ما قصرت .. خل الطلعة هذي علينا”!!
فهذا يقول: «يا أستاذ، والله إنها ثقيلة! جعنا!».
وآخر بابتسامة أعادت بريق طفولته ومشوحًا بيده : «ما عاد فينا بنزين!».
أما الثالث، فبالكاد رفع رأسه عن الطاولة قائلًا: «أنا من الفجر صاحي… نعسااان!».
توالت من الصغار التعليقات و”الطقطقة”، وانفتح الباب لعصفور حبيس الصدور؛ فأخذ كل منهم يخرج ما في جعبته . والأعجب أن الذين يشكون التعب وقلة التركيز وجدوا فجأة من النشاط والحماسة ما يكفي للمشاركة في هذا النقاش!
تأملت وجوههم، وعجبت كيف استطاع طفل في العاشرة، بكلمة خرجت منه بعفوية، أن ينقلنا من تضاريس الأرض إلى تضاريس يومهم الدراسي، وأن يجمع أغلب زملائه على رأي واحد.
ولأنني لم أكن مقتنعًا تمامًا بما يقولون، وإن كنت متعاطفًا معهم إلى حدٍّ ما، فقد أعدت الحصة إلى نصابها، مستئنفًا رحلتنا مع جبل ضبع وثقله.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq