أمن الحرمين الشريفين وسيادة المملكة.. مسؤولية إسلامية وموقف دولي

▪︎ واتس المملكة
.
أمن مكة المكرمة والمدينة المنورة مصلحة دينية وإنسانية مشتركة للعالم الإسلامي، مع بقاء المسؤولية السيادية الكاملة عن حمايتهما للمملكة العربية السعودية. والاعتداءات المنسوبة إلى مليشيا الحوثي الإرهابية على مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والطائف تستوجب انتقال المجتمع الدولي من بيانات الإدانة إلى الت…
بقلم: المستشار الدكتور فيصل سعد المطيري
رئيس الاتحاد الدبلوماسي الدولي
سفير الكونغرس الدولي
زميل باحث في القانون الدولي – جامعة كامبريدج
ليست مكة المكرمة والمدينة المنورة مجرد مدينتين في الجغرافيا السياسية، بل هما قلب العالم الإسلامي، ومهوى أفئدة المسلمين، وموطن أقدس مقدساتهم. ومن هنا، فإن أي اعتداء يهدد أمنهما لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثًا أمنيًا عابرًا أو تطورًا محدودًا في صراع إقليمي، بل يمثل تهديدًا تتجاوز آثاره الحدود الجغرافية للمملكة العربية السعودية، ويمس المشاعر الدينية والإنسانية لمئات الملايين من المسلمين حول العالم.
لقد أثارت الاعتداءات والتهديدات التي أدانتها منظمة التعاون الإسلامي، والمنسوبة إلى مليشيا الحوثي الإرهابية، والتي طالت مكة المكرمة والمدينة المنورة ومحافظتي جدة والطائف، موجة من الإدانات الإقليمية والدولية، عكست خطورة استهداف المدن والمناطق المدنية، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات أمنية وإنسانية تتجاوز حدود المملكة إلى المنطقة والعالم.
وإننا في الاتحاد الدبلوماسي الدولي والمنظمات التابعة لنا، ندين بأشد العبارات هذه الاعتداءات، ونؤكد رفضنا القاطع لأي أعمال عدائية تستهدف أمن المملكة العربية السعودية أو تعرض حياة المدنيين وسلامة المقدسات والمنشآت الحيوية للخطر.
الحرمان الشريفان.. مكانة دينية ومسؤولية تاريخية
تتحمل المملكة العربية السعودية مسؤولية تاريخية ودينية عظيمة في خدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما، وهي مسؤولية اضطلعت بها قيادتها على مدى عقود، وسخّرت من أجلها إمكانات بشرية وتنظيمية وأمنية كبيرة.
ولا تقتصر هذه المسؤولية على حماية الأماكن المقدسة، بل تشمل توفير الأمن والطمأنينة لملايين المسلمين الذين يفدون إلى المملكة لأداء مناسك الحج والعمرة وزيارة المسجد النبوي الشريف.
ومن هذا المنطلق، فإن أمن الحرمين الشريفين يمثل مصلحة دينية وإنسانية مشتركة للعالم الإسلامي، مع بقاء المسؤولية السيادية الكاملة عن حمايتهما للمملكة العربية السعودية.
إن تعريض هذه المقدسات أو المدن المحيطة بها لأي تهديد عسكري يستوجب موقفًا واضحًا من المجتمع الدولي، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة أو ازدواجية المعايير، لأن حماية المدنيين ودور العبادة والمقدسات ليست مسألة سياسية قابلة للمساومة، وإنما التزام إنساني وقانوني أصيل.
إدانات دولية وإقليمية تؤكد خطورة الاعتداءات
لم تكن الاعتداءات الحوثية على المملكة العربية السعودية موضع إدانة إسلامية فحسب، بل قوبلت بمواقف رافضة من دول ومنظمات إقليمية ودولية، عكست إدراكًا لخطورة هذه الاعتداءات وتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها.
فقد أدانت منظمة التعاون الإسلامي الاعتداءات التي طالت مكة المكرمة ومنطقة المدينة المنورة، مؤكدة تضامنها مع المملكة العربية السعودية ورفضها المساس بحرمة المقدسات الإسلامية وأمن المدنيين.
كما أدانت جامعة الدول العربية ورابطة العالم الإسلامي الاعتداءات على المنشآت الحيوية في المدينة المنورة، فيما عبّرت دول إسلامية وصديقة عن رفضها للتهديدات التي تستهدف أمن المملكة وسيادتها.
وعلى المستوى الدولي، صدرت مواقف من دول غربية وإسلامية تدين الهجمات الحوثية، ولا سيما تلك التي تستهدف المدنيين والمنشآت المدنية، وتؤكد ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها.
إن اتساع دائرة الإدانات يعكس حقيقة مهمة، وهي أن حماية أمن المملكة العربية السعودية لا تنفصل عن حماية الاستقرار الإقليمي، ولا عن المصالح المشتركة للمجتمع الدولي في منع انتشار النزاعات المسلحة والاعتداءات العابرة للحدود.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه المواقف لا ينبغي أن تتوقف عند إصدار البيانات الدبلوماسية، بل يجب أن تمتد إلى تعزيز الجهود الدولية لمنع تكرار الاعتداءات، وتوثيق الانتهاكات، وتفعيل آليات المساءلة وفقًا للقانون الدولي.
الاعتداءات من منظور القانون الدولي
من منظور القانون الدولي، فإن الهجمات العابرة للحدود التي تستهدف المدنيين أو الأعيان المدنية تثير مسؤوليات قانونية جسيمة، ولا يمكن تبريرها بالخلافات السياسية أو العسكرية.
فالقانون الدولي الإنساني يقوم على مبادئ أساسية، أبرزها التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، وحظر الهجمات العشوائية، والالتزام بمبدأ التناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين من آثار العمليات العسكرية.
كما يؤكد ميثاق الأمم المتحدة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ويقر في المادة الحادية والخمسين الحق الأصيل في الدفاع عن النفس عند وقوع هجوم مسلح، وفقًا للشروط والضوابط التي يقررها القانون الدولي.
ومن ثم، فإن حماية المملكة العربية السعودية لأراضيها وسكانها ومقدساتها حق سيادي أصيل، تمارسه وفقًا للقانون الدولي، ولا يجوز أن تتحول الاعتداءات المتكررة إلى واقع تتعايش معه المنطقة أو يتسامح معه المجتمع الدولي.
ولا بد من التأكيد أن المسؤولية القانونية لا تقف عند حدود الإدانة السياسية؛ إذ ينبغي توثيق الاعتداءات والتحقق من طبيعة الأهداف المستهدفة، وتحديد المسؤولين عنها، ومساءلتهم من خلال الآليات القانونية المختصة.
كما أن استمرار الاعتداءات من جانب جماعات مسلحة غير حكومية يثير تساؤلات قانونية مهمة تتعلق بمسؤولية هذه الجماعات، ومدى إمكانية إسناد أفعالها إلى دول أخرى عند توافر الشروط القانونية اللازمة لذلك.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين المسؤولية المباشرة للجماعات المسلحة والمسؤولية الدولية للدول، وفقًا لقواعد الإسناد المعترف بها في القانون الدولي، بعيدًا عن الاتهامات غير المستندة إلى أدلة قانونية كافية.
المملكة العربية السعودية.. حكمة القيادة ومسؤولية الدولة
لقد أثبتت المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، أن حماية الوطن والمقدسات وأمن المواطنين والمقيمين تمثل أولوية وطنية ثابتة.
وفي الوقت الذي تواصل فيه المملكة جهودها الدبلوماسية والإنسانية لدعم الاستقرار الإقليمي، فإن هذه الجهود لا ينبغي أن تُفسَّر على أنها تساهل مع أي اعتداء على سيادتها أو تهديد لأمنها.
إن الجمع بين الحزم في حماية الأمن الوطني والحكمة في إدارة الأزمات يمثل أحد أهم متطلبات القيادة المسؤولة، خصوصًا في منطقة تواجه تحديات أمنية وسياسية متشابكة.
وقد اضطلعت المملكة بدور محوري في دعم الجهود السياسية والإنسانية الرامية إلى إنهاء النزاع في اليمن، انطلاقًا من إدراكها أن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق بالحلول العسكرية وحدها، وإنما من خلال تسويات سياسية مستدامة تعالج جذور النزاعات وتحفظ أمن الدول وحقوق الشعوب.
من الإدانة إلى المسؤولية الدولية
إن تكرار الاعتداءات على المدن والمنشآت المدنية يطرح سؤالًا جوهريًا أمام المجتمع الدولي: هل تكفي بيانات الإدانة وحدها لحماية المدنيين ومنع تكرار الانتهاكات؟
إن الإجابة تقتضي الانتقال من المواقف السياسية إلى العمل الدبلوماسي والقانوني المنظم، من خلال تعزيز آليات الرصد والتوثيق، ودعم الجهود الدولية الرامية إلى وقف الاعتداءات، وتفعيل أدوات المساءلة القانونية عند توافر شروطها.
كما أن على المنظمات الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية، مواصلة العمل الجماعي لدعم أمن المملكة العربية السعودية وسيادتها، وحماية المقدسات الإسلامية من أي تهديد.
ولا بد كذلك من التأكيد أن حماية المملكة من الاعتداءات لا تتعارض مع دعم السلام في اليمن أو الحرص على سلامة الشعب اليمني الشقيق؛ بل إن إنهاء الاعتداءات واحترام سيادة الدول وحماية المدنيين تمثل جميعها شروطًا أساسية لتحقيق سلام عادل ومستدام.
إن الشعب اليمني يستحق مستقبلًا يسوده الأمن والاستقرار، بعيدًا عن استمرار النزاعات المسلحة وتداعياتها الإنسانية والاقتصادية.
أمن المملكة مسؤولية وطنية ومصلحة إسلامية ودولية
إن مكة المكرمة والمدينة المنورة ليستا ساحتين للصراعات السياسية، ولا يجوز أن تتحولا إلى وسيلة للضغط العسكري أو إلى هدف للتهديد والترهيب.
وأمن المملكة العربية السعودية ليس قضية تخص السعوديين وحدهم؛ فالمملكة تحتضن الحرمين الشريفين، وتؤدي رسالة عظيمة في خدمة الإسلام والمسلمين، وتتحمل مسؤولية دينية وإنسانية تتجاوز حدودها الوطنية.
ومن هنا، فإننا نجدد إدانتنا القاطعة لكل اعتداء يهدد أمن المملكة وسلامة سكانها ومقدساتها، ونؤكد تضامننا مع المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، ودعم حقها المشروع في حماية سيادتها وأراضيها وأمن مواطنيها والمقيمين فيها.
كما نؤكد أن احترام سيادة المملكة وأمنها واستقرارها يمثل ضرورة إقليمية ودولية، وأن المجتمع الدولي مطالب بتحويل مواقفه الرافضة لهذه الاعتداءات إلى جهود عملية تسهم في منع تكرارها، وتعزيز الأمن والسلم الدوليين.
وستبقى حرمة الحرمين الشريفين فوق الصراعات، وسيبقى أمن المملكة العربية السعودية ركنًا أساسيًا من أركان أمن العالم الإسلامي واستقراره.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها، وحفظ الحرمين الشريفين وقاصديهما من كل سوء.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq