"جربته ونفعني".. كيف تحولت تجارب المكملات الغذائية إلى وصفات للجميع؟

▪︎ واتس المملكة
.
قد تبدأ الحكاية بمقطع قصير على مواقع التواصل الاجتماعي يتحدث فيه شخص عن مكمل غذائي ساعده على التخلص من الإرهاق أو منتج لاحظ بعد استخدامه تحسناً في شعره أو نومه؛ يروي تجربته ويذكر اسم المنتج وربما ينصح متابعيه بتجربته لتتحول تجربته الشخصية إلى توصية يتداولها آخرون، بعضهم يعاني الأعراض نفسها، وبعضهم لا يعرف أصلاً ما إذا كان جسمه يحتاج إلى هذا المنتج.
في هذه المسافة بين تجربة شخص وقرار شخص آخر تظهر إشكالية الاستخدام العشوائي للمكملات الغذائية؛ فالتشابه في الأعراض لا يعني بالضرورة أن السبب واحد، كما أن التحسن الذي يلاحظه أحدهم لا يضمن النتيجة نفسها لدى الآخرين.
ومع اتساع حضور المكملات في المحتوى الصحي المتداول، من منتجات الطاقة والتركيز إلى مكملات النوم ومستحضرات الشعر، لم يعد السؤال مقتصراً على فائدة هذه المنتجات بل امتد إلى كيفية اختيارها ومدى الحاجة إليها والمخاطر التي قد تنشأ عن تناولها دون معرفة الحالة الصحية أو الجرعات المناسبة.
ويشرح استشاري الجراحة العامة وجراحة السمنة د. طلال الشهري، أن المكملات الغذائية هي منتجات تحتوي على عناصر يراد بها استكمال النظام الغذائي، مثل الفيتامينات والمعادن والأحماض الأمينية والأحماض الدهنية وبعض المستخلصات العشبية.
ويقول الشهري في حديثه إن المكملات الغذائية ليست بديلاً عن الغذاء المتوازن، وليست دواءً لكل عرض نشعر به، ولا يحتاج كل شخص سليم إلى تناول مجموعة من الفيتامينات والمكملات بشكل يومي.
تجربة شخص لا تكفي لتحديد حاجة الآخرين
قد يروي شخص أنه عانى الإرهاق ثم تناول الحديد وشعر بالتحسن فيعتقد آخر يعاني التعب نفسه أنه يحتاج إلى المكمل ذاته، لكن هذا الاستنتاج يتجاهل احتمال اختلاف الأسباب التي تقف وراء العرض، وهو ما يفسّر أهمية معرفة سبب المشكلة قبل اختيار العلاج.
ويشير الشهري إلى أن شخصًا قد يقول: “كنت أشعر بالإرهاق فأخذت الحديد وتحسنت”، ربما كان لديه بالفعل نقص في الحديد لكن شخصًا آخر يعاني الإرهاق نفسه قد يكون لديه اضطراب في النوم أو مشكلة في الغدة الدرقية أو فقر دم لسبب آخر أو نقص فيتامين B12، أو حتى أسباب نفسية أو دوائية، مضيفا أن تشابه الأعراض لا يعني تشابه السبب وبالتالي لا يعني تشابه العلاج.
ولا يتوقف الأمر عند اختلاف الأسباب المحتملة فقد يتزامن التحسن مع استخدام المكمل دون أن يكون المكمل نفسه هو السبب ولهذا يوضح الشهري أن الطب لا يُبني التوصيات على تجربة فردية وإنما على الدراسات والأدلة العلمية.
ومن هنا فإن تجربة شخص مع منتج معين قد تكون مفيدة في فتح باب السؤال عنه، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مدى ملاءمته لشخص آخر حتى لو تشابهت الأعراض بينهما.
كيف أسهمت مواقع التواصل في انتشار المكملات؟
تستفيد المكملات الغذائية من ارتباطها باحتياجات يومية شائعة، فالرغبة في التخلص من التعب، أو تحسين التركيز والنوم، أو الحد من تساقط الشعر، تجعل الوعود المرتبطة بهذه المنتجات قريبة من اهتمامات شريحة واسعة من الناس.
ويؤكد الشهري لـ”اخبار 24″، أن مواقع التواصل أسهمت في انتشار هذا النوع من الاستخدام، قائلًا إن “المكملات تتميز بكونها سهلة التسويق فعبارات مثل زيادة الطاقة أو تقوية المناعة، وتحسين التركيز، وإنبات الشعر وتحسين النوم تلامس مشكلات يعاني منها عدد كبير من الناس.
ويشرح أن التجربة الشخصية قد تجعل الرسالة أكثر إقناعًا، إذ يروي شخص أنه كان يعاني مشكلة معينة، ثم استخدم منتجًا وشعر بتغير في حالته، لكنه يحذر من اعتبار هذه القصة دليلًا علمياً خصوصًا عندما تتحول التوصية إلى نصيحة عامة لمتابعين لا يعرف صاحب التجربة تاريخهم المرضي أو الأدوية التي يستخدمونها أو نتائج تحاليلهم.
وبذلك لا تكمن الإشكالية في أن يتحدث الإنسان عن تجربته، بل في أن تتحول التجربة إلى وصفة عامة، من دون التأكد من انطباقها على من يتلقاها.
ومن الأخطاء الشائعة أن يربط الشخص عرضاً معيناً بنقص غذائي محدد، ثم يبدأ بتناول المكمل الذي يعتقد أنه يعوض هذا النقص، فقد يتجه مَن يعاني تساقط الشعر إلى الحديد أو البيوتين، بينما يبحث من يشعر بالتعب عن مكمل للطاقة، من دون معرفة السبب الحقيقي وراء الأعراض
ويذكر الشهري أن من أكثر الأخطاء شيوعاً أن الشخص يشخص النقص من الأعراض فقط، موضحا ذلك بقوله: “يشعر بالتعب فيقول لدي نقص فيتامين D يتساقط شعره فيقول لدي نقص حديد أو بروتين، يشعر بضعف التركيز فيبحث مباشرة عن مكمل للتركيز بينما العرض الواحد قد تكون له أسباب كثيرة جدًا”.
وهنا تبرز أهمية التقييم الطبي بدلاً من الاكتفاء بتخمين سبب الأعراض فالمكمل الذي يعوض نقصاً فعلياً قد لا يقدم الفائدة نفسها عندما لا يكون هذا النقص موجودًا، كما أن التركيز على علاج العرض وحده قد يؤخر اكتشاف المشكلة الأساسية.
ولا يعني ذلك أن كل شخص يحتاج إلى إجراء مجموعة كبيرة من التحاليل إذ يوضح الشهري أن الحاجة إلى الفحوصات تتحدد بحسب نوع المكمل وسبب استخدامه وحالة الشخص، وأن التقييم ينبغي أن يستند إلى الأعراض والتاريخ المرضي والنظام الغذائي وعوامل الخطورة
ما يحتاجه مريض قد يختلف عن احتياجات غيره
لا تتساوى احتياجات جميع الأشخاص من المكملات الغذائية؛ إذ تتأثر بالعمر والجنس والنظام الغذائي والحمل والأمراض المزمنة ووظائف الكلى والكبد والأدوية، إضافةً إلى بعض الحالات التي تؤثر في امتصاص العناصر الغذائية.
ويقول الشهري إن المكملات قد تكون مهمة جدًا عند وجود حاجة حقيقية أو نقص مثبت أو احتمال مرتفع لحدوث النقص، مشيرًا إلى أمثلة تشمل بعض حالات نقص الحديد أو فيتامين B12 أو فيتامين D وبعض مراحل الحمل، وبعض الحالات بعد جراحات السمنة وسوء الامتصاص
ويبرز اختلاف الاحتياجات لدى مرضى جراحات السمنة؛ إذ يوضح الشهري أن مريض تكميم المعدة ليس بالضرورة لديه الاحتياجات نفسها لمريض تحويل المسار، وأن المتابعة تختلف بحسب نوع العملية وحالة المريض
وبالتالي، فإن كون المكمل ضروريًا لشخص لا يعني أنه ضروري للجميع، كما أن اختيار نوعه وجرعته ومدة استخدامه ينبغي أن يرتبط بحاجة الشخص الفعلية، لا بما يتناوله الآخرون
هل يمكن أن تضر المكملات رغم كونها طبيعية؟
يرتبط بعض المكملات في أذهان المستهلكين بفكرة أنها أكثر أماناً؛ لأنها ليست أدوية تقليدية أو لأنها تحتوي على مكونات طبيعية، لكن هذا الاعتقاد قد يدفع إلى استخدامها دون الانتباه إلى الجرعات أو التداخلات المحتملة مع منتجات أخرى. ويؤكد الشهري أن “طبيعي لا تعني آمن، ومكمل غذائي لا تعني أنه يمكن استخدامه بأي كمية”.
ويضيف أن بعض المكملات قد تسبب أضراراً عند تناولها بجرعات مرتفعة، وأن المخاطر تختلف بحسب المادة والجرعة وحالة الشخص، وقد تشمل مشكلات في الكلى أو الكبد أو الجهاز العصبي، أو زيادة خطر النزيف في حالات معينة
ولا تقتصر المشكلة على تناول جرعة مرتفعة من منتج واحد، فقد يجمع الشخص بين مستحضر متعدد الفيتامينات ومنتج للشعر وآخر للطاقة، دون الانتباه إلى تكرار بعض المكونات في هذه المنتجات، ما قد يؤدي إلى تراكم الجرعات
كما يحذر الشهري من التداخلات المحتملة بين بعض المكملات والأدوية، مشدداً على أهمية معرفة الطبيب أو الصيدلي بجميع الأدوية والمكملات والأعشاب التي يستخدمها الشخص
وتزداد أهمية الحذر لدى الحوامل والمرضعات والأطفال وكبار السن، ومرضى الكلى والكبد والأمراض المزمنة، ومَن يستخدمون عدة أدوية أو مميعات الدم، وكذلك المقبلين على العمليات الجراحية
ولا تعني هذه المخاطر أن المكملات الغذائية غير مفيدة، فبعضها ضروري عندما توجد حاجة واضحة إليه، لكن الفرق يكمن في استخدام المكمل لتعويض نقص أو تلبية احتياج محدد، وبين تناوله اعتماداً على تجربة شخص آخر أو توقع أن زيادة عدد المنتجات ستؤدي بالضرورة إلى صحة أفضل.
وينصح الشهري مَن يشاهد تجربة لمكمل على مواقع التواصل بأن يعتبرها معلومة تستحق السؤال عنها، لا تشخيصًا أو وصفة علاجية، وأن يسعى إلى تقييم السبب إذا كان يعاني أعراضًا مستمرة أو واضحة، مع إجراء الفحوصات اللازمة عند الحاجة.
ويختصر الشهري نصيحته في ثلاثة أسئلة ينبغي طرحها قبل شراء أي مكمل: “لماذا أحتاجه؟ وهل لديّ نقص أو حاجة حقيقية له؟ وهل الجرعة آمنة ومناسبة لي؟”
ويختم بالتأكيد على أن المكملات ليست سيئة في ذاتها، بل إن بعضها ضروري ومهم جداً عندما يُستخدم في مكانه الصحيح، وأن المشكلة تكمن في استخدامها دون حاجة أو دون معرفة الجرعة أو اعتماداً على تجربة شخص آخر.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source akhbaar24





