الصحة النفسية للمرأة العاملة تحت مجهر الخبراء

▪︎ واتس المملكة
.
لم يعد حضور المرأة في مكان العمل استثناءً في المملكة، بل تحوّل خلال أقل من عقد من ظاهرة محدودة إلى واقع يلمسه كل بيت سعودي تقريبًا؛ فمع كل مكتب جديد تدخله امرأة، تدخل معه أدوار أخرى لا تغادرها، أمًّا كانت أو زوجة أو ابنة مسؤولة عن منزل. وبين مكتب يطالب بالإنجاز، وبيت يطالب بالحضور، تتشكل معادلة نفسية معقدة بدأ مختصون سعوديون في تناولها بجدية متزايدة.
فبينما تحتفي الأرقام الرسمية بتضاعف مشاركة المرأة في سوق العمل خلال سنوات قليلة، يرى مختصون في الصحة النفسية والموارد البشرية أن هذا الإنجاز الاقتصادي يحمل في طياته كلفة نفسية صامتة، تتراكم تدريجيًا لدى كثير من الموظفات دون أن تُترجم إلى أرقام رسمية واضحة حتى الآن.
تكشف أحدث بيانات وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية عن قفزة لافتة في مشاركة المرأة الاقتصادية؛ إذ ارتفعت نسبة مشاركتها في سوق العمل إلى 33.7% بنهاية الربع الثاني 2026، مقارنة بـ17% فقط عام 2017، أي أنها تضاعفت خلال أقل من عقد.
وتراجع معدل البطالة بين السعوديات في الفترة ذاتها إلى نحو 9.6%، وهو أدنى مستوى تاريخي تسجله المملكة في هذا المؤشر، فيما ارتفعت نسبة تمثيل المرأة في الوظائف القيادية والإدارية الوسطى والعليا إلى 43.9% بنهاية 2025، مقابل 28.6% فقط عام 2017؛ وقد تجاوز هذا التقدم الهدف الأصلي الذي رسمته رؤية المملكة 2030 لمشاركة المرأة الاقتصادية، والمحدد عند 30%، ليُرفع السقف المستهدف لاحقًا إلى 40%.
ودعمت هذا المسار برامج حكومية متعددة، من بينها مبادرة “التدريب الموازي” التي استفادت منها أكثر من 122 ألف باحثة عن عمل، وبرنامج “وصول” الذي سهّل تنقل أكثر من 307 آلاف امرأة إلى مواقع عملهن بأمان، إلى جانب شراكات مع أكثر من 46 ألف منشأة خاصة لإتاحة فرص وظيفية وقيادية للمرأة، وتمديد مدة إجازة الأمومة من 10 أسابيع إلى 12 أسبوعًا.
صراع الأدوار.. حين تتزاحم الأم والموظفة والزوجة
ويصف مختصون نفسيون هذا التحول بأنه يضع كثيرًا من النساء العاملات أمام ما يسمونه “صراع الأدوار المتعددة”؛ إذ تجد المرأة نفسها مطالبة بأداء دور الأم والزوجة والموظفة والابنة في آنٍ واحد، دون أن تتوافر لها بالضرورة الأدوات أو الوقت الكافي للتوفيق بينها.
ويحذر مختصون من أن تراكم هذا الضغط يظهر على هيئة أعراض واضحة، من بينها التوتر المستمر، وسرعة الغضب، والشعور الدائم بالتقصير، وتشوش التفكير، والانسحاب الاجتماعي، إلى جانب الإرهاق الجسدي والصداع المتكرر واضطرابات النوم، وقد يتطور الأمر على المدى الطويل إلى قلق أو اكتئاب أو احتراق نفسي أو حتى فقدان الإحساس بالهوية الشخصية، مع مضاعفات جسدية وهرمونية مصاحبة. وتنصح هذه الآراء المتخصصة بطلب المساعدة النفسية متى استمرت هذه الأعراض لأكثر من شهر مصحوبة بأرق دائم.
ويذهب باحثون اجتماعيون إلى أن جزءًا كبيرًا من هذا الضغط يبقى “خفيًا” وغير معلن، ناتجًا عن تراكم الأعباء المنزلية التي لا تزال تقع في الغالب على عاتق المرأة وحدها، في ظل تحولات اجتماعية متسارعة لم تواكبها بالضرورة إعادة توزيع عادلة للمسؤوليات داخل الأسرة. وتشير مختصات في الموارد البشرية إلى ارتفاع ملحوظ في مستويات الإجهاد لدى الموظفات، خصوصًا الأمهات العاملات، ويدعين إلى تبني سياسات عمل أكثر مرونة، كساعات العمل المرنة، بوصفها أداة عملية لتخفيف هذا الضغط دون المساس بالإنتاجية.
أرقام من ميدان العمل عن الاحتراق الوظيفي
تقدّم دراسة ميدانية أجريت على 200 من الممرضين والممرضات العاملين في مراكز الرعاية الصحية الأولية بمدينة المدينة المنورة، شكّلت النساء فيها نحو 73% من العينة، صورة دقيقة عن حجم الاحتراق الوظيفي في بيئة عمل تغلب عليها المرأة.
وأظهرت نتائجها أن 89% من المشاركين سجلوا مستوى مرتفعًا في بُعد واحد على الأقل من أبعاد الاحتراق الوظيفي الثلاثة، بواقع 39% سجلوا إرهاقًا عاطفيًا مرتفعًا، و38% تبلدًا في المشاعر تجاه المستفيدين من الخدمة، فيما سجل 85.5% منهم مستوى منخفضًا في الشعور بالإنجاز الشخصي. ولم تُظهر الدراسة فروقًا ذات دلالة إحصائية بين الجنسين في هذه الأبعاد، ما يشير إلى أن الاحتراق الوظيفي في بيئات العمل الضاغطة يطال الجنسين دون تمييز واضح، وإن كانت الغالبية الساحقة من عيّنة هذه الدراسة من النساء.
وحددت الدراسة أبرز مصادر هذا الاحتراق في ساعات العمل الطويلة، وعبء العمل المرتفع، والخوف من التعرض للعنف في موقع العمل، ونقص الموارد والدعم المؤسسي، إلى جانب تأثير متطلبات الوظيفة على الحياة المنزلية.
كما لاحظت الدراسة أن الدخل الشهري الأقل من 12 ألف ريال ارتبط بارتفاع مستوى تبلد المشاعر لدى العاملين، وأوصت بتعزيز الدعم المؤسسي، وإدارة أعباء العمل بشكل أفضل، وتوفير مساحات للتفريغ النفسي، إلى جانب برامج لتعزيز المرونة النفسية لدى الكوادر العاملة.
ما تقوله الأرقام العالمية
تتقاطع هذه المؤشرات المحلية مع صورة عالمية أوسع ترسمها تقارير دولية متخصصة؛ فبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2025، تواجه النساء العاملات مستويات ضغط نفسي أعلى من الرجال، مع ارتفاع معدلات الاكتئاب لديهن بمقدار 1.5 مرة، في وقت يُقدَّر فيه عدد المصابين بالاكتئاب حول العالم بنحو 280 مليون شخص، تمثل النساء الشريحة الأكثر تأثرًا به.
وتشير تقارير منظمة العمل الدولية إلى أن نحو 38% من النساء العاملات حول العالم يعانين مستويات مرتفعة من الضغط الناتج عن محاولة التوفيق بين متطلبات العمل والأسرة، بينما تحذر دراسات صادرة عن جامعة هارفارد من أن التعرض المزمن للضغوط قد يرفع احتمال الإصابة بالقلق أو الاكتئاب بنسبة تصل إلى 25%.
كيف تحمي المرأة توازنها النفسي؟
تتفق التوصيات المتخصصة، محليًا وعالميًا، على أن الدعم الاجتماعي يأتي في مقدمة العوامل الواقية للمرأة العاملة من الانهيار النفسي، سواء من الزوج أو الأسرة أو زملاء العمل. وتشير دراسات القيادة الحديثة إلى أن بعض السمات الشخصية، كالهدوء تحت الضغط والمرونة في التعامل مع المستجدات والقدرة على إدارة الوقت والطاقة، إلى جانب العلاقات الصحية المحيطة، تسهم في حماية التوازن النفسي للمرأة العاملة بشكل ملحوظ.
وتنصح مختصات بممارسات يومية بسيطة لكنها فعالة، من بينها التعرض لضوء الشمس، وممارسة الرياضة والمشي بانتظام، والحرص على نوم كافٍ، وتقسيم الأهداف الكبيرة إلى أهداف صغيرة قابلة للتحقق، مع الاحتفاء بكل إنجاز مهما كان بسيطًا، باعتبارها خطوات تراكمية تحمي من الإرهاق النفسي طويل المدى.
توازن مطلوب لا ترف
تكشف هذه الصورة مجتمعة أن اندماج المرأة السعودية المتسارع في سوق العمل، وإن كان إنجازًا اقتصاديًا واجتماعيًا بكل المقاييس، يحتاج إلى أن يواكبه اهتمام موازٍ بصحتها النفسية، عبر سياسات عمل أكثر مرونة، وبيئات مؤسسية أكثر دعمًا، وثقافة أسرية تعيد توزيع الأعباء المنزلية بما يتناسب مع هذا الدور الجديد الذي باتت تؤديه المرأة خارج بيتها.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source akhbaar24



