القصيبي وجهاز التسجيل |

▪︎ واتس المملكة

.

يدعو المقال إلى تقبّل المعاناة ورفض العيش في فقاعة المديح والراحة الزائدة، مؤكداً أن الأشخاص “المتعبين” والمواقف الصعبة هم من يصقلون الشخصية ويعلمون الصبر وتحمل المسؤولية والنقد الذاتي. ويربط الكاتب بين هذا المفهوم وتربية الأبناء اليوم، محذراً من الترف المفرط والخوف المبالغ فيه على مشاعرهم، ومشيراً…

يقول الأديب والوزير الراحل غازي القصيبي -رحمه الله- في إحدى روائعه: “إذا أردت أن تسمع مقولة (سمّ وأبشر وتحت أمرك) فاشترِ جهاز تسجيل!”.

كانت هذه رسالته للمسؤولين في كيفية التعاطي مع الموظفين. واليوم في عصرنا الحاضر، يمكنك ببساطة أن تتعامل مع “روبوت” أو تقنيات ذكاء اصطناعي تطبق تعليماتك بحذافيرها، لترى الحياة من خلال ما تحب، لا كما هي في الحقيقة.

والواقع أن هذه المقولة تنطبق على المجتمع بأسره، كباراً وصغاراً. فإذا أردت حقاً أن تشارك الناس عقولهم، فاعتَدْ على أن تسمع منهم كلمة “لا”، أو عبارات التسويف والمماطلة والتجاهل.

هؤلاء “المتعبون” في حياتنا هم في الحقيقة الصاقلون لشخصياتنا؛ فهم لا يراعون مشاعرنا، وبذلك يعلموننا الصبر رغماً عنا. من خلالهم، ندرك متى نتكلم ومتى نصمت، متى نعاند ومتى نتقبل، ونوقن أن لكل فعل ردة فعل. وحين نخطئ، نتعلم كيف نتحمل مسؤولية خطئنا دون إلقاء اللوم على الظروف، أو الحظ، أو البيئة المحيطة.

إن المعاناة هي مصنع الإنسان الحقيقي، أما الاندفاع خلف الرغبات ورؤية الذات من خلال ثناء الآخرين فقط، فهي المظاهر التي تقتل الصلابة النفسية. لا تنتظر من أحد تقييماً ولا دعماً، بل تعوّد أن تكون ناقد ذاتك الأول لتصحح مسارك.

هذا المفهوم هو ما نحتاجه اليوم تماماً في تربيتنا لأبنائنا. وإذا تأملنا في التاريخ؛ نجد أن أمهات الصحابة -رضوان الله عليهم- كنّ يُرسلن أبناءهن لقيادة الجيوش وخوض المعارك في سبيل الله وهم في عمرٍ نَصِفُهُ في مجتمعنا الحالي بـ “المراهقة”. بينما نخشى نحن اليوم على نفسية الابن لأنه لم يأخذ كفايته من النوم، أو لأن وجبة “البرجر” بقيت دون أن تمسها أنامله لنقص في كمية “الكاتشب”!

نخشى عليهم من كل شيء، بدلاً من أن ندعهم يخوضون معترك الحياة ويواجهوا واقعهم. اتركوهم للخذلان تارة، وللألم تارة أخرى، ليعلموا أنه ليس كل ما يتمنونه وجب على الآخرين تحقيقه.

لا تخافوا على أبنائكم من قساوة الحياة.. بل خافوا عليهم من الترف وتلبية كل الرغبات.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى