هاتفك ليس بريئًا في بيئة العمل

▪︎ واتس المملكة
.
يؤكد المقال أن المشكلة في بيئة العمل الحديثة ليست في الهاتف ذاته، بل في اقتصاد الانتباه، حيث تتنافس الإشعارات والتطبيقات على تركيز الموظف وتنتزع انتباهه من الاجتماعات والمهام الأساسية. ويشدّد على أن مسؤولية القائد لا تقتصر على منع استخدام الهواتف، بل تمتد إلى تنظيم اجتماعات واضحة الهدف، وتقليل المقا…
كان المدير يترأس اجتماعًا مهمًا لاتخاذ قرار تأخر كثيرًا، وحين وصل الفريق إلى النقطة الأكثر حساسية في النقاش، اهتز هاتف أحد الموظفين على الطاولة، مد يده إليه، قرأ الإشعار سريعًا، ثم عاد بنظره إلى الاجتماع ، لم يستغرق الأمر أكثر من ثوانٍ، لكن المدير توقف عن الحديث وسأل بهدوء: «هل كان الأمر عاجلًا؟» ، أجاب الموظف: «لا، مجرد رسالة» ، ابتسم المدير وقال: «إذن فقد خسرنا ثواني من الاجتماع من أجل شيء لم يكن عاجلًا، لكن كم مرة نخسر الشيء نفسه دون أن نشعر؟».
لم تكن المشكلة في تلك الرسالة تحديدًا، ولا في الهاتف الذي كان على الطاولة، وإنما في شيء أكثر خفاءً؛ الانتباه ، ذلك المورد الذي أصبح في بيئة العمل الحديثة أكثر ندرة من الوقت نفسه، لأننا نستطيع أن نحدد ساعات الدوام، لكننا لا نستطيع أن نضمن أن عقل الموظف بقي داخل المهمة طوال تلك الساعات.
وهنا يظهر مفهوم اقتصاد الانتباه؛ فالعالم اليوم لا يتنافس معنا على أوقاتنا فقط، بل على قدرتنا على التركيز ، كل إشعار يريد لحظة من انتباهنا، وكل رسالة تطلب استجابة، وكل تطبيق يحاول أن ينتزع أعيننا، حتى أصبح الهاتف الذي نحمله معنا إلى العمل يحمل في داخله عشرات المنافسين الصامتين على تركيزنا.
ولهذا فإن الهاتف في بيئة العمل ليس بريئًا تمامًا؛ فهو قد يكون أداة لإنجاز العمل، لكنه قد يتحول في اللحظة نفسها إلى بوابة للخروج منه ، قد يحمل رسالة من المدير، وفي اللحظة التالية يحمل إشعارًا لا علاقة له بالعمل، وبينهما يضيع الخيط الرفيع الذي يصل الموظف بمهمته ، لكن الإدارة التي ترى المشكلة في الهاتف وحده قد تكون قد أخطأت العنوان؛ لأن الموظف لا يستخدم هاتفه في فراغ ، هناك ثقافة عمل كاملة تقف خلف السلوك: اجتماعات طويلة بلا هدف، رسائل تصل في كل وقت، مجموعات لا تتوقف، وتوقع دائم بأن يكون الموظف متاحًا وسريع الاستجابة ، ثم نستغرب أن يصبح الهاتف أكثر حضورًا من الاجتماع.
لذلك فإن القائد لا يحتاج فقط إلى أن يقول لفريقه: «اتركوا هواتفكم»، بل يحتاج أولًا إلى أن يسأل: هل أعطيتكم اجتماعًا يستحق أن تمنحوني انتباهكم؟
فحين يكون الاجتماع واضح الهدف، محدد الوقت، مرتبطًا بقرار أو نتيجة، ويشعر كل حاضر أن وجوده له قيمة، يصبح الانتباه سلوكًا طبيعيًا لا يحتاج إلى رقابة ، أما حين يكون الاجتماع مجرد تكرار لما يمكن أن يقال في رسالة، فمن الصعب أن نلوم شاشة صغيرة لأنها استطاعت أن تجذب انتباهًا لم نستطع نحن كإدارة أن نحافظ عليه.
ومن هنا تصبح مسؤولية المدير أكبر من مراقبة الهواتف؛ إنها مسؤولية إدارة الانتباه ، أن يقلل المقاطعات غير الضرورية، وأن يحترم أوقات التركيز، وأن يميز بين العاجل والمهم، وأن يدرك أن الموظف الذي يتلقى عشرات التنبيهات خلال ساعة واحدة قد يكون حاضرًا بجسده، لكنه موزع الذهن بين عشرات المسارات ، والأهم أن يبدأ القائد بنفسه؛ لأن الموظف لا يتعلم ثقافة الانتباه من اللوائح بقدر ما يتعلمها من السلوك الذي يراه أمامه ، حين يتحدث الموظف وينظر المدير إلى هاتفه، تصل الرسالة قبل أن تصل الكلمات: هناك ما هو أهم منك ، وحين يضع المدير هاتفه جانبًا وينصت، فإنه يمنح الموظف رسالة مختلفة تمامًا: أنت الآن تستحق انتباهي.
لهذا، لا يتعلق الأمر بمنع الهاتف، ولا بإدانة من يستخدمه، وإنما بإعادة تعريف قيمة الحضور في بيئة العمل ، فقد نكون جميعًا في الغرفة نفسها، لكن ليس بالضرورة أننا نعيش اللحظة نفسها ، وفي زمن تتنافس فيه الشاشات على أعيننا، ربما لم تعد القيادة أن تدير وقت موظفيها فقط، بل أن تعرف كيف تحمي انتباههم.
فالهاتف ليس بريئًا في بيئة العمل… لكن السؤال الأهم ليس: لماذا أمسك الموظف هاتفه؟
بل: ماذا فعلنا نحن حتى يصبح ما على الشاشة أكثر جذبًا من اللحظة التي يعيشها معنا
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq





