الأمير مساعد بن عبدالرحمن… رجل دولة سبق عصره

▪︎ واتس المملكة
.
لم يكن الأمير مساعد بن عبد الرحمن آل سعود، مجرد أحد أبناء جيل التأسيس في المملكة، بل كان نموذجًا لرجل الدولة الذي سبق عصره وجمع بين العمل الإداري والمالي والرقابي، وبين الاهتمام بالعلم والثقافة والمعرفة.
ولعل قرار خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي جاء بناءً على ما رفعه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان،بإطلاق اسم الأمير الراحل على الجامعة السعودية الإلكترونيةلتصبح “جامعة الأمير مساعد بن عبدالرحمن”؛ يأتي تتويجًا لمسيرة وطنية امتدت لعقود، أسهم خلالها في خدمة الدولة الناشئة وترسيخ عدد من المؤسسات التي أصبحت لاحقًا ركائز أساسية في البناء الإداري والتنموي للمملكة.
هذا التقدير الرسمي يعكس المكانة التي يحتلها الأمير مساعد بن عبد الرحمن في تاريخ الدولة السعودية الحديثة، بوصفه أحد رجالاتها الذين تركوا أثرًا عميقًا في العمل الحكومي والتنظيم الإداري، وكانوا شركاء في مسيرة البناء التي قادها الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود.
نشأة في قلب الدولة
وُلد الأمير مساعد بن عبد الرحمن في قصر الحكم بالرياض عام 1337هـ/ 1918م، في مرحلة كانت الدولة السعودية الحديثة ما تزال في بدايات تكوينها، وهو أحد أبناء الإمام عبد الرحمن بن فيصل آل سعود، وأخو الملك عبد العزيز مؤسس المملكة، ويأتي ترتيبه قبل الأخير بين أبناء الإمام عبد الرحمن.
نشأ الأمير مساعد في بيئة سياسية وعلمية متميزة، فكان قريباً من الأحداث الكبرى التي شهدتها المملكة في مراحل التوحيد والبناء الأولى، وتلقى تعليمه في “كتّاب” الشيخ محمد بن مرحوم المعروف بـ”المصيبيح”، أحد أشهر الكتاتيب في الرياض آنذاك، قبل أن ينتقل إلى حلقات العلم الشرعي واللغوي على أيدي عدد من كبار العلماء، ومنهم الشيخ سعد بن عتيق، والشيخ حمد بن فارس، والشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، والشيخ ابن سمحان وغيرهم.
وقد أسهم هذا التأسيس العلمي المبكر في تشكيل شخصية الأمير مساعد، فجمع منذ صغره بين الثقافة الشرعية واللغة العربية والمعرفة العامة، وهو ما انعكس لاحقًا على اهتماماته الفكرية والثقافية، وعلى أسلوبه في العمل والإدارة.
شغف مبكر بالعلم والمعرفة
يُعد الجانب الثقافي والمعرفي من أبرز المحطات في سيرة الأمير مساعد بن عبد الرحمن، ففي وقت كانت الإمكانات محدودة في مدينة الرياض من حيث المؤسسات الثقافية والمكتبات العامة، بادر عام 1944م إلى إنشاء أول مكتبة عامة في مدينة الرياض داخل منزله الخاص.
وكان الأمير مساعد وقتذاك لا يزال في العشرينيات من عمره، إلا أن إيمانه بقيمة المعرفة دفعه إلى تخصيص جزء من قصره للمكتبة، وجمع فيها مئات الكتب والمراجع والمخطوطات النادرة في مختلف العلوم الشرعية والتاريخية والأدبية، وفتح أبوابها للطلاب والباحثين وعموم المهتمين بالقراءة.
وشكّلت هذه المبادرة خطوة غير مسبوقة في الحياة الثقافية بالرياض، إذ تحولت المكتبة إلى مقصد للعلماء وطلاب العلم والمثقفين، وأسهمت في نشر الثقافة والمعرفة في مرحلة كانت الموارد التعليمية فيها محدودة مقارنة بما تشهده المملكة اليوم.
ولم يكن اهتمام الأمير مساعد بالمعرفة مقتصراً على إنشاء المكتبة، بل امتد إلى دعواته المبكرة لدعم التعليم وتوسيعه، إذ تشير المصادر التاريخية إلى أنه كان من الداعمين لفكرة تعليم البنات منذ أكثر من ثمانية عقود، وهو ما يعكس رؤية متقدمة سبقت كثيراً من الأفكار السائدة في تلك المرحلة.
مسيرة حافلة في خدمة الدولة
مع اتساع مؤسسات الدولة السعودية وتطور أجهزتها الإدارية، أُسندت إلى الأمير مساعد بن عبد الرحمن مسؤوليات عدة، نظراً لما عُرف عنه من كفاءة وحكمة وقدرة على الإدارة والتنظيم.
وشغل في بداية حياته العملية منصب مستشار للملك سعود بن عبد العزيز، حيث شارك في مناقشة العديد من القضايا الإدارية والتنظيمية التي كانت تواجه الدولة في مرحلة التوسع المؤسسي.
وفي عام 1954م تولى رئاسة ديوان المظالم، أحد أهم الأجهزة العدلية والإدارية في المملكة. وأسهم خلال فترة رئاسته للجهاز في تعزيز دور الديوان في النظر في الشكاوى والتظلمات وتحقيق العدالة الإدارية، بما يواكب التطور الذي كانت تشهده أجهزة الدولة.
كما تولى مهمة مراقبة حسابات الدولة قبل صدور نظام ديوان المراقبة العامة، ليصبح من أوائل المسؤولين الذين وضعوا أسس الرقابة المالية والإدارية الحكومية. وتُعد هذه المرحلة إحدى أهم المحطات في سيرته، نظرًا للدور الذي أداه في ترسيخ مبادئ الحوكمة والرقابة على المال العام.
وفي عام 1957م عُيّن مستشارًا للملك وعضوًا في مجلس الوزراء، وهو المنصب الذي أتاح له المشاركة في رسم السياسات العامة للدولة خلال فترة مهمة من تاريخها.
وزيراً للداخلية في مرحلة مفصلية
في عام 1960م تولى الأمير مساعد بن عبد الرحمن حقيبة وزارة الداخلية، وهي واحدة من أكثر الوزارات تأثيرًا في إدارة شؤون الدولة والمجتمع.
وشهدت تلك الفترة جهودًا متواصلة لتعزيز الأمن والاستقرار وتطوير البنية الإدارية للأجهزة الحكومية، في ظل ما كانت تشهده المملكة من توسع عمراني واقتصادي متسارع.
ورغم أن فترة توليه الوزارة لم تكن طويلة مقارنة ببعض المسؤوليات الأخرى التي شغلها، فإنها جاءت ضمن سلسلة من الأدوار الوطنية التي عكست ثقة القيادة في قدراته الإدارية والتنظيمية.
قيادة وزارة المالية والاقتصاد الوطني
وفي عام 1962م تولى الأمير مساعد بن عبد الرحمن وزارة المالية والاقتصاد الوطني، وهي من أهم الحقائب السيادية في المملكة، خاصة في مرحلة بدأت فيها المملكة تخطط لمشروعات تنموية واسعة، مستفيدة من تنامي الإيرادات النفطية.
وخلال عمله في الوزارة، كان جزءًا من الجهود التي سعت إلى تنظيم الإنفاق الحكومي وتعزيز البناء الاقتصادي للدولة وتطوير الأنظمة المالية والإدارية، بما يخدم أهداف التنمية في تلك المرحلة.
وقد عُرف عنه اهتمامه بالتخطيط بعيد المدى والنظر إلى القضايا الاقتصادية من منظور استراتيجي، وهو ما انعكس في عدد من الأفكار التي طرحها خلال تلك الحقبة.
رؤية سبقت عصرها في التطوير العقاري
ومن أبرز الشواهد على النظرة المستقبلية للأمير مساعد بن عبدالرحمن ما كشفه ولي العهد خلال لقاء تلفزيوني عام 2021، حين استعرض فكرة طرحها الأمير مساعد قبل أكثر من 50 عامًا تتعلق بالتطوير العقاري وتمكين القطاع الخاص من قيادة هذا القطاع.
وأوضح ولي العهد أن “هذه الفكرة كانت مطروحة في عهد الملك فيصل وبداية عهد الملك خالد، من قِبل العم الأمير مساعد بن عبد الرحمن. وجُوبِه بمعارضة من الوزراء والمسؤولين الذين عارضوا فكرة أن يتاح المجال للقطاع الخاص، ورُفضت فكرته”.
وقال ولي العهد إنه “بسبب ذلك الظرف التاريخي حدث ما حدث في المخططات السيئة والخدمات السيئة التي تقدم للوحدات السكنية والوحدات العقارية في المملكة”، مضيفًا أنه لو نُفِّذت هذه الفكرة منذ ذلك الوقت لكان اليوم عندنا من كبرى شركات التطوير العقاري في العالم”، مشيرًا إلى شركة روشن التي أسسها صندوق الاستثمارات العامة عام 2020، والتي أضحت تقود قطاع التطوير العقاري بالمملكة لتلبية الطلب المحلي.
مؤسس مبادئ الرقابة المالية الحديثة
من بين الملفات التي ارتبط اسم الأمير مساعد بها بصورة وثيقة ملف الرقابة المالية والإدارية، فبصفته أول من تولى مسؤولية مراقبة حسابات الدولة، كان له دور محوري في بناء الأساس الذي انطلقت منه منظومة الرقابة الحكومية الحديثة في المملكة.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن يقرر ديوان المراقبة العامة عام 2017 إطلاق اسم الأمير مساعد بن عبد الرحمن على القاعة الكبرى الرئيسة في مقره الجديد بمدينة الرياض، تخليدًا لذكراه ووفاءً لدوره في تأسيس العمل الرقابي.
وخلال تدشين القاعة، أشار أمير منطقة الرياض الأمير فيصل بن بندر بن عبد العزيز إلى أن الأمير مساعد كان صاحب جهود رائدة أسهمت في وضع اللبنات الأولى للعمل الإداري والرقابي الذي تطورت عليه المؤسسات الحكومية لاحقًا.
إرث يتجدد في جامعة تحمل اسمه
يمثل إطلاق اسم الأمير مساعد بن عبد الرحمن على الجامعة السعودية الإلكترونية أكثر من مجرد تغيير في المسمى؛ فهو ربط بين مؤسسة تعليمية حديثة وشخصية ارتبطت بالعلم والمعرفة منذ وقت مبكر.
فالجامعة التي تأسست عام 2011 لتقود تجربة التعليم الإلكتروني والتعليم المدمج في المملكة، تواصل اليوم رسالتها في بناء القدرات الوطنية وتأهيل الأجيال لسوق العمل، حاملة اسم رجل آمن بأهمية التعليم قبل عقود طويلة من التحولات التعليمية الحديثة.
كما يعكس القرار حرص القيادة على إبراز سير رجال الدولة الذين أسهموا في بناء المملكة، وتعريف الأجيال الجديدة بأدوارهم الوطنية، وترسيخ قيم الوفاء والعرفان لمن خدموا الوطن بإخلاص.
رجل دولة باقٍ في الذاكرة الوطنية
رحل الأمير مساعد بن عبدالرحمن في 9 ديسمبر 1986م بمدينة الرياض، لكن أثره لم يغادر المشهد الوطني، فذكراه ما تزال حاضرة في مؤسسات الدولة، وفي المكتبات التي أحبها، وفي منظومة الرقابة التي أسهم في تأسيسها، وفي الأفكار التنموية التي سبق بها عصره، وفي اسم الجامعة التي باتت تحمل إرثه للأجيال القادمة.
وبتلك المسيرة العطرة، كان الأمير مساعد بن عبد الرحمن واحدًا من رجالات الدولة الذين جمعوا بين المسؤولية الحكومية والرؤية الفكرية والاهتمام العميق بالعلم والمعرفة، وأسهم عبر مسيرته الطويلة في ترسيخ دعائم الإدارة الحديثة، وتعزيز العمل المؤسسي، وتبني أفكار تنموية سبقت زمنها، ليبقى اسمه جزءًا أصيلًا من تاريخ المملكة ومسيرة بنائها وتطورها.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source akhbaar24





