فطنة أم تغافل |

▪︎ واتس المملكة

.

يدعو المقال إلى تبنّي نهج “التغافل الذكي” في سياسات الموارد البشرية، بحيث تركز الإدارة على التمييز بين الهفوات العارضة والسلوكيات المتكررة، وتتعامل مع الأخطاء باعتبارها فرصة للتعلم لا مجرد مناسبة للعقاب. ويؤكد أن العدالة الإدارية تعني مواءمة الإجراء مع طبيعة الموقف، وربط الحزم بالنظام مع الحفاظ على…

ماذا لو أعدنا النظر في بعض سياسات الموارد البشرية من زاوية مختلفة؟ ماذا لو لم تكن قوة الإدارة في قدرتها على رصد كل خطأ، وتوثيق كل ملاحظة، واتخاذ الإجراء عند كل هفوة، بل في قدرتها على التمييز بين ما يستحق التدخل وما يستحق التجاوز؟ وماذا لو كان القائد الأكثر تأثيرًا ليس هو الذي يرى كل شيء، وإنما الذي يعرف متى يرى، ومتى يتغافل، ومتى يتدخل؟

توقفت أمام عبارة الإمام سفيان الثوري رحمه الله: «العقل مكيال ، ثلثه فطنة وثلثاه تغافل»، فوجدت فيها معنى يتجاوز العلاقات الإنسانية إلى بيئة العمل؛ لأن المؤسسات اليوم لا تعاني دائمًا من نقص اللوائح بقدر ما تعاني أحيانًا من طريقة تطبيقها، حين تتحول السياسة من وسيلة لتنظيم العمل إلى أداة لملاحقة التفاصيل، ويصبح الخطأ الصغير أكبر من أثره، ويشعر الموظف أن كل هفوة قد تضعه تحت المجهر.

في الموارد البشرية، لا يعني التغافل أن نتجاوز الأنظمة، أو نتهاون في الحقوق، أو نغض الطرف عن السلوكيات التي تتكرر وتؤثر في الفريق؛ بل يعني أن نمتلك فطنة إدارية تجعلنا نقرأ الموقف قبل أن نقرأ المخالفة، وأن نفهم السياق قبل أن نبدأ بالإجراء، وأن نميز بين موظف أخطأ مرة ويحتاج إلى توجيه، وموظف جعل الخطأ سلوكًا متكررًا لا يمكن أن يستمر.

فالعدالة ليست أن نستخدم الإجراء نفسه مع كل موقف، وإنما أن نعطي كل موقف ما يناسبه من معالجة ، قد تكون كلمة من القائد كافية في موقف، وقد يحتاج موقف آخر إلى خطة تحسين ومتابعة، بينما تستدعي بعض الحالات الحزم النظامي؛ والمشكلة تبدأ حين تصبح جميع هذه المستويات في خانة واحدة، فيتعامل النظام مع الهفوة كما يتعامل مع الإهمال، ومع الخطأ غير المقصود كما يتعامل مع التجاوز المتعمد.

ومن هنا أعتقد أن التحفيز القيادي يجب ألا يُفصل عن سياسات الموارد البشرية؛ فالموظف لا يحتاج فقط إلى أن يعرف ما له وما عليه، بل يحتاج أيضًا إلى أن يشعر بأن المؤسسة ترى جهده كما ترى خطأه ، عندما يبذل موظف جهدًا استثنائيًا ثم يقع في خطأ محدود، فإن الطريقة التي يتعامل بها القائد مع ذلك الخطأ قد تحدد علاقته بالمؤسسة أكثر مما تحدده عشرات عبارات التحفيز.

القائد الذي يبدأ دائمًا بالسؤال: «من أخطأ؟» قد ينجح في تحديد المسؤول، لكنه ليس بالضرورة قد نجح في معالجة المشكلة. أما القائد الذي يسأل: «لماذا حدث الخطأ؟ وكيف نمنع تكراره؟ وما الذي يحتاجه الموظف حتى يتحسن؟» فهو ينقل الموقف من دائرة العقوبة إلى دائرة التعلم، دون أن يلغي المسؤولية أو يضعف هيبة النظام.

وهنا يظهر مفهوم مهم في بيئة العمل: الأمان في الاعتراف بالخطأ ، فالموظف الذي يعرف أن الاعتراف بخطئه سيقوده مباشرة إلى العقوبة قد يخفي المشكلة، بينما الموظف الذي يعرف أن المؤسسة ستتعامل معه بعدل سيكون أكثر استعدادًا لأن يقول: «حدث خطأ، وهذه خطتي لمعالجته». وبين الموقفين فرق كبير؛ ففي الأول تتراكم الأخطاء خلف الأبواب، وفي الثاني تتحول الأخطاء إلى فرص للتحسين.

لكن التغافل، في المقابل، يحتاج إلى حدود؛ لأن التغافل عن المخالفة المتكررة قد يتحول إلى ظلم للموظفين المنضبطين، والتساهل مع الأداء الضعيف قد يحمّل الآخرين أعباءً إضافية، والصمت أمام السلوك المؤذي قد يرسل رسالة خاطئة بأن النظام لا يُطبق بعدالة ، لذلك فالمعادلة ليست حزمًا أم مرونة، وإنما فطنة ثم قرار.

أن نعرف متى نوجّه، ومتى نحفّز، ومتى نتابع، ومتى نحاسب ، أن نمنح الموظف فرصة ليصحح نفسه دون أن نمنحه تصريحًا بتكرار الخطأ ، وأن نحافظ على هيبة النظام دون أن نفقد إنسانية الإدارة ، وربما هنا تحديدًا يمكن للموارد البشرية أن تنتقل من مفهوم «إدارة الأخطاء» إلى «إدارة النضج المؤسسي»؛ بحيث لا تكون كل سياسة مصممة لتسأل: ماذا سنفعل عندما يخطئ الموظف؟ بل تسأل أيضًا: كيف سنساعده على ألا يكرر الخطأ؟ وكيف سنبني قائدًا قادرًا على التعامل مع الاختلاف والأخطاء دون أن يحول كل موقف إلى أزمة؟

فماذا لو أصبح لدينا نهج جديد في الموارد البشرية؟
نهج لا يقوم على التغافل المطلق، ولا على الحزم المطلق، بل على «التغافل الذكي»؛ تغافلٌ تحكمه الفطنة، وتحميه العدالة، وتوجهه الأنظمة، وتدعمه قيادة محفزة، هدفها في النهاية ألا تخرج من كل موقف بموظف «تمت محاسبته» فقط، بل بموظف فهم، وتعلم، ونضج، وأصبح أكثر قدرة على صناعة النجاح ، لعل النهج الجديد الذي نحتاجه ليس موارد بشرية تراقب الموظف أكثر… بل موارد بشرية تفهم الموظف أكثر، وتحاسب بعدل، وتحفّز بوعي، وتتغافل بحكمة.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى