الأميرة سارة.. والعمل بصمت لحفظ ذاكرة وطن

▪︎ واتس المملكة
.
تركّز المقالة على الدور القيادي الهادئ الذي تقوم به صاحبة السمو الملكي الأميرة سارة بنت بندر بن عبدالعزيز في رئاسة مجلس إدارة الجمعية السعودية للمحافظة على التراث «نحن تراثنا»، من خلال بناء الشراكات وتمكين فريق العمل للحفاظ على ذاكرة الوطن المادية وغير المادية. وتوضح أن الجمعية لا تتعامل مع التراث ب…
الأميرة سارة.. والعمل بصمت لحفظ ذاكرة وطن ..
ليس كل عمل مهم يحظى بالضجيج، وبعض الأعمال تزداد قيمتها كلما ابتعدت عن الأضواء واقتربت من الميدان.
وهذا ما يمكن أن يقال عن الدور الذي تقوم به صاحبة السمو الملكي الأميرة سارة بنت بندر بن عبدالعزيز، رئيسة مجلس إدارة الجمعية السعودية للمحافظة على التراث «نحن تراثنا».
فالتراث السعودي ليس ملفاً سهلاً يمكن اختزاله في مهرجان أو معرض أو مناسبة سنوية. نحن نتحدث عن ذاكرة وطن واسع، تتعدد فيه المناطق والثقافات المحلية والحرف والفنون والعمارة والأزياء والممارسات والموروث الشفهي.
والتحدي الحقيقي ليس أن نحتفي بهذا التراث، بل أن نحافظ عليه.
من هنا تبرز تجربة الأميرة سارة في قيادة الجمعية. فالرئاسة لديها لم تكن مجرد موقع إداري أو حضور في المناسبات، وإنما مسؤولية تقوم على خلق الشراكات، وفتح مسارات التعاون، وتذليل الصعاب أمام العاملين في الجمعية، ومنحهم القدرة على التحرك والإنجاز.
وهذا هو الدور الحقيقي لرئيس مجلس الإدارة.
الإدارة الناجحة لا تقوم بعمل الفريق، بل تجعل الفريق قادراً على القيام بعمله. تفتح له الأبواب، وتوفر له الشريك، وتساعده على تجاوز العقبات، ثم تترك الإنجاز يتحدث.
والجمعيات غير الربحية تحديداً تحتاج إلى هذا النوع من القيادة؛ لأنها لا تستطيع أن تعمل وحدها مهما كانت طموحاتها كبيرة.
ولذلك كان بناء الشراكات أحد أهم المسارات التي دفعت بها الأميرة سارة، سواء مع الجهات الحكومية أو القطاع الخاص أو المؤسسات الثقافية والقطاع غير الربحي. فالتراث مسؤولية وطنية مشتركة، ولا تستطيع مؤسسة واحدة أن تحصر وتحفظ وتوثق هذا الإرث الهائل بمفردها.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أن الجمعية لا تنظر إلى التراث باعتباره شيئاً انتهى زمنه.
فالتراث ليس قطعة نضعها خلف زجاج المتحف، بل إنسان يحمل معرفة، وحرفي يمارس مهنة، وامرأة توارثت صناعة، وراوٍ يحفظ قصة، وقرية تحتفظ بعاداتها، ومبنى قديم يحكي تاريخ المكان.
ومن هنا تأتي أهمية ما تقوم به الجمعية من مبادرات للحصر والتوثيق، والمحافظة على التراث الثقافي المادي وغير المادي، وبناء القدرات، ودعم الممارسين، والعمل مع الشركاء لإبقاء هذا الموروث حياً وقابلاً للانتقال إلى الأجيال القادمة.
ووصول الجمعية إلى حضور دولي في منظومة اليونسكو لم يكن حدثاً عابراً، بل نتيجة سنوات من العمل المؤسسي والتعاون مع الجهات الوطنية المعنية بالثقافة والتراث.
وهنا أيضاً تظهر فلسفة القيادة.
فالأميرة سارة لا تقدم نجاح الجمعية على أنه إنجاز شخصي، بل نتيجة عمل جماعي وشراكة بين مؤسسات الدولة والجهات المختصة وفريق الجمعية والداعمين والممارسين.
وهذه ثقافة إدارية تستحق التوقف عندها.
في بعض المؤسسات يكون الرئيس هو المؤسسة، فإذا غاب تعطلت. أما المؤسسات الناضجة فهي التي يصنع فيها الرئيس منظومة قادرة على العمل والاستمرار والإنجاز.
ويبدو أن هذا هو الرهان الحقيقي في «نحن تراثنا»: بناء مؤسسة، لا صناعة حضور شخصي.
اليوم، وفي ظل رؤية السعودية 2030 وما تشهده المملكة من نهضة ثقافية وسياحية غير مسبوقة، أصبحت مسؤولية الجمعية أكبر من أي وقت مضى.
فالمدن تتغير بسرعة، وأنماط الحياة تتغير، والأجيال تتبدل. وفي المقابل، هناك تراث في قرانا ومحافظاتنا ما زال ينتظر من يصل إليه.
هناك كبار سن يحملون في ذاكرتهم تاريخاً لم يكتب بعد، وحرفيون ربما يكونون آخر من يعرف أسرار حرفهم، وروايات وأشعار وأهازيج ومفردات وممارسات محلية قد تختفي برحيل أصحابها.
وهذا هو السباق الحقيقي مع الزمن.
لذلك فإن أكبر إنجاز يمكن أن تسعى إليه الجمعية في السنوات المقبلة ليس إقامة المزيد من المناسبات، وإنما الوصول إلى المزيد من الناس؛ أن تدخل القرى والهجر، وأن تسجل أصوات كبار السن، وأن توثق الحرف، وأن تحفظ الصور والوثائق والروايات، وأن تحول ذلك كله إلى ذاكرة وطنية رقمية تبقى للأجيال.
والأميرة سارة بنت بندر، بما تقوم به من بناء للشراكات وتمكين لفريق الجمعية وتذليل للصعاب أمام العاملين فيها، تقود اليوم مؤسسة تحمل واحدة من أجمل وأثقل المسؤوليات في الوقت نفسه:
أن تحفظ للمملكة جزءاً من ذاكرتها.
فالطرق والمباني والمشروعات يمكن أن نبني مثلها من جديد، لكن قصة لم تُسجل، وحرفة اندثرت، وذاكرة رحل صاحبها، يصعب استعادتها.
ولهذا فإن العمل الذي تقوم به «نحن تراثنا» ليس عملاً للماضي كما قد يعتقد البعض.
إنه عمل للمستقبل.
وتلك ربما أهم رسالة في تجربة الأميرة سارة والجمعية: أن نحفظ ما ورثناه، ليس لكي نبقى في الماضي، بل لكي يعرف القادمون من أين بدأت حكاية هذا الوطن.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq





