التفاؤل.. أن ترى أبعد من العثرة!

▪︎ واتس المملكة
.
المقال يوضح أن التفاؤل ليس إنكارًا للألم أو تجميلًا للواقع، بل موقف داخلي واعٍ يقر بالخسارة ويختار بعدَها كيف يواصل الطريق، مستندًا إلى الإيمان بأن مع العسر يُسرًا وأن رحمة الله لا تنقطع. ويبيّن الفرق بين التفاؤل السطحي والتفاؤل الإيماني الذي لا يَعِد بسهولة الأحداث، بل يرسّخ الثقة بقدرة الله على جع…
ليس التفاؤل أن تنظر إلى الحياة بعينٍ لا ترى الألم، بل أن تنظر إلى الألم بعينٍ لا تنسى أن للحياة بقيّة.
فثمة فرق بين من يعيش الواقع، ومن يستسلم له؛ وبين من يرى العثرة نهاية الطريق، ومن يراها موضعًا يعيد فيه ترتيب خطاه. التفاؤل ليس إنكارًا للخسارة، ولا تجميلًا للواقع، ولا وعدًا بأن الغد سيكون كما نشتهي؛ إنه موقف داخلي يقول للإنسان: قد لا أملك ما حدث، لكنني أملك كيف أمضي بعده.
ولعل أجمل ما في التفاؤل أنه لا يغيّر العالم أولًا؛ بل يغيّر الإنسان الذي يواجه العالم. وحين يتغير الإنسان، تتغير قراراته، وطريقة تفسيره للأحداث، وقدرته على الاحتمال، وعلاقته بالآخرين.
والقرآن لا يترك الإنسان وحيدًا أمام عتمة اللحظة؛ بل يعيد ترتيب نظرته إلى المستقبل. يقول تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا).
ولم يقل: بعد العسر يسرًا، بل قال: مع العسر؛ وكأن في قلب الشدة أشياء لا نراها بعد، وفي طيّات المحنة منافذ قد لا تفتح إلا حين نواصل السير.
ويأتي الخطاب أكثر رحمة في قوله تعالى: (لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)، وفي قصة يعقوب عليه السلام: (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ).
وهنا يكمن الفرق بين التفاؤل السطحي والتفاؤل الإيماني: الأول يقول لك إن الأمور ستكون بخير، أما الثاني فيقول لك: حتى حين لا تعرف كيف ستكون بخير، لا تفقد ثقتك بأن الله قادر أن يجعلها خيرًا.
ومن الناحية النفسية، يمنح التفاؤل الإنسان مساحة داخلية للحركة؛ فلا يتحول الفشل إلى هوية، ولا الخسارة إلى حكم أبدي، ولا الخطأ إلى تعريف نهائي للذات. المتفائل لا يقول: انتهيت؛ بل يسأل: ما الذي يمكن أن أبدأه من هنا؟
أما اجتماعيًا، فالتفاؤل عدوى جميلة. الإنسان المتفائل لا يرفع معنوياته وحده؛ إنه يخفف أثقال من حوله. كلمة منه قد تعيد شخصًا إلى الطريق، وابتسامة قد تؤجل انكسارًا، ونظرة ثقة قد تجعل إنسانًا يرى في نفسه قدرةً كان قد نسيها.
فليست مسؤوليتنا تجاه الآخرين أن نخبرهم بكل ما هو مظلم؛ بل أن نكون، حين تضيق بهم الرؤية، نافذةً صغيرة يدخل منها الضوء.
لكن التفاؤل الحقيقي لا يعني أن نجلس وننتظر المعجزات. الأمل الذي لا يتحول إلى عمل، قد يصبح أمنية؛ والتفاؤل الذي لا يصحبه سعي، قد يتحول إلى وهم. لذلك يأتي الإيمان بالأمل مقترنًا بالحركة: أن تتوكل، ثم تخطو؛ أن تحسن الظن، ثم تعمل؛ أن تؤمن بالفرج، ثم تصبر.
وفي نهاية الأمر، ربما لا تكون أعظم قيمة للتفاؤل أنه يجعل الحياة أسهل، بل أنه يجعلنا أقدر على حملها دون أن نفقد أنفسنا فيها.
فقد تتأخر الإجابة، ويتعثر الطريق، وتغلق أبواب كنا نظنها الأخيرة؛ لكن الحياة لا تُقاس بالباب الذي أُغلق، وإنما بالإنسان الذي بقي واقفًا بعده.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه أن نحيا وفي داخلنا يقين هادئ:
ليس كل ما تأخر ضاع، وليس كل ما انكسر انتهى، وليس كل طريقٍ طال يعني أنه لن يصل.
فبعض الأقدار تحتاج منا ألا نفهمها الآن، بل أن نثق بها حتى تكشف لنا، ذات يوم، لماذا كان علينا أن نصبر.
التفاؤل ليس أن تتوقع غدًا أجمل؛ بل أن ترفض أن تمنح اليوم حقَّ إطفاء الغد.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq




