الكفاح والإرادة الصادقة قادران على أن يهزما أيَّ ظروفٍ

▪︎ واتس المملكة
.
تحكي الكاتبة طفولتها المختلفة التي حملتها مبكرًا إلى مسؤوليات أكبر من عمرها، إذ أصرت على مواصلة التعليم في مدرسة مسائية رغم المسافات الطويلة وحرارة الظهيرة وخطورة الطريق. تستعيد حادثة مطاردتها من كلاب ضالة وهي في العاشرة من عمرها كرمز للخوف الذي واجهته في سبيل الوصول إلى المدرسة، وترى اليوم أن تلك ا…
كانت طفولتها مختلفة عن كثير من الأطفال، فقد حملتها الحياة مبكرًا إلى دروب المسؤولية والتحدي. كانت تسكنها رغبة عارمة تفوق سنواتها الغضة؛ رغبة في العلم، وشغف يمتد بها نحو آفاق القراءة والدراسة. ولأن الشغف صادق، فقد احتضنت والدتها الراحلة هذا الطموح المبكر، وألحقتها بالمدرسة المسائية، لتكون تلك الخطوة بداية رحلتها الفريدة.
كانت حينها في العاشرة من عمرها حين اعتادت الذهاب وحدها إلى مدرستها المسائية، في وقت الظهيرة تحديدًا، حين تستسلم المدن للصمت وتغفو البيوت خلف أبوابها الموصدة. كانت الشوارع خالية تمامًا من المارة، والطرقات ساكنة إلا من حرارة الشمس التي تلتهم الأرصفة، بينما كانت تلك الصغيرة تسير بخطوات متعبة وحقيبة العلم على كتفها، مؤمنة في أعماقها بأن المعرفة تستحق كل هذا العناء.
لم تكن تعي حينها معنى الخطر، ولم يخطر ببالها أن طفلة في مثل سنها قد تكون عرضة للخوف أو الأذى وهي تقطع تلك المسافات الطويلة وحدها. كان هدفها الوحيد أن تصل إلى المدرسة، أن تتعلم، وأن تتشبث بحلمها مهما كانت الظروف قاسية.
وفي أحد الأيام التي لا تزال عالقة في ذاكرتها الغضة حتى اليوم، مرت كعادتها بأحد الأزقة الهادئة وهي في طريقها إلى المدرسة. كانت الشمس في أوج حرارتها، والطرقات شبه مهجورة، وفجأة لمحَت عيناها مجموعة من الكلاب الضالة تفترش الطريق هربًا من لهيب الظهيرة. توقفت تلك الصغيرة لحظة وقد تسلل الخوف إلى قلبها الصغير، لكن الوقت كان قد تأخر؛ فما إن شعرت تلك الكلاب بوجودها حتى ارتفعت أصوات نباحها، ثم اندفعت تركض خلفها.
ركضت الصغيرة بكل ما أوتيت من قوة، تلهث خوفًا وذعرًا، بينما كانت قدماها الصغيرتان تقاومان التعب والرعب معًا. لم تتوقف، ولم تلتفت خلفها، فقط كانت تركض والحقيبة الثقيلة تتأرجح على ظهرها وكأنها تذكرها بالثمن الذي تدفعه من أجل خطوة واحدة نحو المستقبل.
كانت النجاة تكمن في الوصول إلى المدرسة، وحين بلغت تلك الصغيرة بابها أخيرًا، كانت في حالة يُرثى لها؛ أنفاسها متقطعة، وقلبها يرتجف، لكنها رغم ذلك شعرت بانتصار صغير، انتصار طفلة رفضت أن تستسلم للخوف.
لم يكن طريق تعليمها سهلًا يومًا، بل كان مليئًا بالتعب والمعاناة والتحديات التي صقلت شخصيتها ومنحتها قوة لم تكن تدركها آنذاك. عانت كثيرًا خلال سنوات عمرها، لكنها تمسكت بالأمل، وجاهدت لم تتوقف يوما عند ذلك الحد، بل واصلت السير في طريق المعرفة، تقرأ وتطالع وتتعلم باستمرار، حتى استطاعت أن تصنع لنفسها مكانة لا بأس بها حملت رسالة وهدفًا وطموحًا لا يعرف المستحيل.
واليوم، وبعد مرور سنوات طويلة على تلك الحادثة، ما زلت تستحضرها بكل تفاصيلها. لم تعد مجرد ذكرى خوف من مجموعة كلاب ضالة، بل أصبحت رمزًا للصبر والعزيمة والإصرار على تحقيق الهدف. إن تلك الطفلة التي ركضت خوفاً من الكلاب في ظهيرة حارقة، هي ذاتها التي تقف اليوم فخورة بكل خطوة خطتها.
لقد علمتني الحياة أن الأحلام العظيمة لا تولد في الطرقات الممهدة، وإنما تنبت أحيانًا وسط الخوف والتعب والوحدة. ومازلت أؤمن حتى اليوم أن الإرادة الصادقة قادرة على أن تهزم الظروف، وأن الإنسان مهما كانت بداياته متعبة يستطيع أن يصنع من معاناته قصة نجاح تليق به.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq