من عدّاد للخطوات إلى نظام إنذار مبكر داخل الجسد

▪︎ واتس المملكة

.

قبل أن يشعر الجسد بالحمى، وقبل أن يلاحظ صاحبه أي وعكة، قد يكون معصمه قد سجّل بالفعل تغيراً طفيفاً في نبضات القلب أو درجة الحرارة أو جودة النوم.

شعار الموقع

أخبار عاجلة - أخبار حصرية - أوامر ملكية

منوعات | فيديو | صور | تقنية
رياضة | وظائف | صحة

إشترك بخدمة الواتساب مجاناً
لتصلك الرسائل

انقر هنا للإنضمام

هذه الفكرة، التي كانت حتى وقت قريب ضربًا من الخيال العلمي، تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى مجال بحثي نشط تقوده مؤسسات طبية وأكاديمية مرموقة، من جامعة ستانفورد إلى مستشفى ماونت سيناي في نيويورك، وصولًا إلى إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) التي بدأت تمنح تراخيص رسمية لبعض هذه الميزات.

فهل تحوّلت الساعة الذكية فعلًا من أداة لقياس اللياقة إلى جهاز طبي قادر على التنبؤ بالمرض قبل ظهوره؟ بحسب الأدلة العلمية المتراكمة، ليست نعم مطلقة ولا لا قاطعة، بل صورة أكثر تعقيدًا تستحق التفصيل.

كيف غيّرت “دراسة أبل للقلب” قواعد اللعبة

يُعدّ الرجفان الأذيني، وهو اضطراب في نظم القلب غالباً ما يمرّ دون أعراض واضحة، أحد أبرز الأمثلة على النجاح الفعلي لهذه التقنية. ففي دراسة “أبل للقلب” (Apple Heart Study) التي أجرتها كلية الطب بجامعة ستانفورد بالشراكة مع شركة أبل، وشملت أكثر من 419 ألف مشارك، تبيّن أن نحو 0.5% فقط من المشاركين تلقوا إشعاراً بعدم انتظام النبض، وهي نسبة منخفضة تبدد المخاوف من إغراق المستخدمين الأصحاء بتنبيهات كاذبة.

والأهم أن نحو 84% من الحالات التي تلقت إشعارًا وتابعت لاحقًا بلاصقة تخطيط قلب كانت بالفعل تعاني من الرجفان الأذيني وقت الإشعار، وهي نتائج نُشرت في مجلة New England Journal of Medicine عام 2019 واعتُبرت من أضخم الدراسات الافتراضية التي أُجريت في تاريخ الطب. غير أن الدراسة نفسها كشفت أيضًا وجهًا آخر للصورة، فمن بين المشاركين الذين تابعوا الفحص بلاصقة تخطيط القلب لاحقًا، لم يظهر الرجفان لدى الثلث منهم فقط، وهي إشارة إلى أن طبيعة المرض المتقطعة تجعل من الصعب أحيانًا تأكيده حتى بعد الإنذار الأولي.

كوفيد-19 يُكتشف قبل ظهوره بأيام

مع تفشي جائحة كوفيد-19، تحوّلت الساعات الذكية إلى أداة بحثية لرصد العدوى قبل ظهور أعراضها. ففي دراسة أجراها فريق د. مايكل سنايدر في جامعة ستانفورد على أكثر من 5200 مشارك، ونُشرت في مجلة Nature Biomedical Engineering، تبيّن أن 26 من أصل 32 مصابًا بكوفيد-19 (نحو 81%) أظهروا تغيّرات في معدل ضربات القلب الراقد أو عدد الخطوات اليومية أو ساعات النوم. وأن 22 من أصل 25 حالة تتوفر عنها بيانات كافية اكتُشفت قبل ظهور الأعراض أو معها، بل إن أربع حالات اكتُشفت قبل 9 أيام على الأقل من شعور المصاب بأي عرض. وبتطبيق خوارزمية تحليل فوري، تمكّن الفريق من رصد نحو 63% من الحالات قبل ظهور الأعراض في الزمن الحقيقي.

وبشكل منفصل، وجد باحثو مستشفى ماونت سيناي أن ساعة أبل تمكنت من رصد تغيرات دقيقة في نبض القلب قبل 7 أيام من شعور المصابين بالمرض أو ظهور نتيجة الفحص. أما دراسة “تيمبريديكت” (TemPredict) التي قادتها جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو باستخدام خاتم “أورا”، فقد وجدت أن بيانات درجة الحرارة المستمرة تمكنت من رصد انحراف يسبق الحمى لدى 76% من نحو خمسين حالة مصابة بكوفيد-19 خضعت للتحليل.

وهذه النتائج مجتمعة دفعت باحثين إلى القول إن هذا النوع من المراقبة السلبية، التي لا تتطلب أي جهد من المستخدم، قد يشكل أداة تكميلية مفيدة لاحتواء الأوبئة التنفسية عموماً، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من انتقال العدوى يحدث عبر حاملين لا تظهر عليهم أعراض.

توقف التنفس أثناء النوم

في خطوة اعتُبرت علامة فارقة، منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في سبتمبر 2024 ترخيصًا لميزة “اضطرابات التنفس” في ساعة أبل، المخصصة لرصد مؤشرات انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم لدى البالغين غير المشخَّصين مسبقًا.

وتعتمد الميزة على مستشعر التسارع لرصد الحركات الدقيقة المرتبطة باضطراب نمط التنفس أثناء الليل، وقد استندت الموافقة إلى تجربة سريرية شملت 1448 مشاركًا بمستويات متفاوتة من شدة توقف التنفس.

وأظهرت النتائج أن حساسية الميزة في اكتشاف الحالات المتوسطة إلى الشديدة بلغت نحو 66.3%، أي أنها تكتشف نحو ثلثي الحالات الفعلية، مقابل نوعية (خصوصية) مرتفعة بلغت 98.5% لدى الأشخاص غير المصابين، ما يعني احتمالًا منخفضًا نسبيًا للإنذارات الكاذبة. ومع ذلك، تصرّ الإدارة الأمريكية على أن هذه الميزة أداة فرز أولي لتشجيع المستخدم على مراجعة الطبيب، وليست بديلًا عن دراسة النوم التشخيصية الكاملة في المختبر.

هل يمكن التنبؤ بتدهور المرضى الحرجين؟

لم يعد استخدام الأجهزة القابلة للارتداء مقتصراً على المستهلكين الأصحاء، بل امتد إلى بيئات المستشفيات لرصد تدهور حالات حرجة مثل الإنتان (تعفن الدم) وحمى الضنك الشديدة. فقد خلصت مراجعة علمية شملت 7 دراسات أُجريت بين عامي 2019 و2024 في فيتنام ورواندا وبنغلاديش وكوريا الجنوبية، إلى أن خوارزميات مبنية على بيانات نبض القلب المستشعرة ضوئياً أو عبر تخطيط قلب بسيط تمكنت من التنبؤ بصدمة حمى الضنك قبل ساعتين من حدوثها، وبتدهور حالات الإنتان قبل خمس إلى 48 ساعة من التشخيص التقليدي، بدقة تشخيصية جيدة نسبياً.

وفي بريطانيا، أظهرت دراسة أُجريت عام 2020 على أطفال أن نموذجًا قائمًا على التعلم الآلي باستخدام أجهزة مراقبة لاسلكية تفوّق بشكل كبير على أنظمة الإنذار المبكر التقليدية في اكتشاف حالات التدهور السريري الخطير، إذ رصد ما بين 77% و97% من الحالات الخطيرة مقابل 35% فقط لدى الطريقة التقليدية. هذه النتائج تفتح الباب أمام استخدام أجهزة رخيصة الكلفة نسبيًا في البيئات محدودة الموارد التي تفتقر إلى أجهزة المراقبة السريرية المتطورة.

حين تتحدث طريقة المشي عن صحة الدماغ

من الاتجاهات البحثية الأحدث، استخدام المستشعرات القابلة للارتداء لتحليل نمط المشي بوصفه “مؤشراً حيوياً رقمياً” يمكن أن يكشف عن تدهور معرفي مبكر يسبق تشخيص الخرف أو مرض ألزهايمر. فقد رصدت مراجعة ببليومترية شملت 126 دراسة علمية نُشرت بين عامي 2010 و2025 اهتماماً بحثياً متزايداً بهذا المجال عبر تخصصات طب الأعصاب والشيخوخة والهندسة الطبية الحيوية.

كما تشير مراجعات أخرى حديثة إلى أن المراقبة المستمرة لأنماط الحركة والنشاط اليومي، بخلاف الفحوص السريرية القصيرة التي تُجرى في العيادة، قد تكشف عن تغيرات دقيقة في السلوك والحركة يصعب رصدها بالطرق التقليدية. ومع ذلك، يقر الباحثون أنفسهم بأن هذا المجال ما زال في طور التأسيس، وأن الأدلة السريرية القوية التي تربط هذه المؤشرات مباشرة بتشخيص مبكر موثوق لا تزال محدودة.

سباق تقني نحو قياس الجلوكوز دون وخز الإبرة

يُعتبر رصد مقدمات السكري من النوع الثاني عبر المعصم أحد أكثر المجالات جذبًا للاستثمار حاليًا، لكنه أيضًا من أكثرها تعثرًا تقنيًا. فقد أعلنت شركة سامسونج مطلع عام 2025 أنها تطور خوارزمية مستشعرة قادرة على التنبؤ بالعلامات المبكرة للسكري، إلى جانب تقنية لقياس الجلوكوز بشكل غير جراحي ومستمر.

كما تفيد تقارير صحفية بأن أبل تعمل منذ أكثر من خمسة عشر عامًا على مشروع مماثل دون أن تعلن عنه رسميًا بعد. وعلى الصعيد الأكاديمي، أظهرت نماذج تجريبية باستخدام مستشعرات كهروكيميائية أو قياسات بالأشعة تحت الحمراء نتائج واعدة لكن غير مكتملة، إذ سجّل أحد النماذج المخبرية دقة سريرية بلغت نحو 84% وفق معيار “شبكة كلارك” للأخطاء، وهي دقة تظل دون المستوى المطلوب لاعتماد الجهاز كبديل كامل عن أجهزة قياس السكر التقليدية الغازية.

بين الوعد والحذر.. حدود الدقة وفخ الإنذارات الكاذبة

رغم هذه النتائج المشجعة، يحذر أطباء وباحثون من الانزلاق نحو مبالغة في تقدير قدرات هذه الأجهزة. فحتى في أنجح الأمثلة، مثل دراسة “أبل للقلب”، كانت الإنذارات الكاذبة تحدياً حقيقياً على مستوى المجتمع بأكمله، نظراً لضخامة عدد المستخدمين الذين يخضعون للفرز.

كما أن الفارق جوهري بين “الفرز الأولي” (Screening) و”التشخيص الطبي” (Diagnosis)، فإدارة الغذاء والدواء الأمريكية نفسها تنص صراحة على أن ميزة رصد انقطاع النفس النومي، مثلاً، لا تشخّص الحالة ولا تغني عن دراسة النوم الرسمية.

ويرى بعض الخبراء أن التحدي الحقيقي المقبل ليس في جمع مزيد من البيانات، بل في تحويل التنبيه الرقمي إلى تدخل طبي فعلي يصل إلى المريض في الوقت المناسب، بدلًا أن يبقى مجرد رقم على شاشة لا يعرف صاحبه كيف يتصرف حياله.

من يملك بيانات جسدك؟ الخصوصية في قلب الجدل

كل هذه القدرة التنبؤية تُبنى على كمّ هائل من البيانات الحيوية الحساسة التي تُجمع باستمرار: نبض القلب، ودرجة الحرارة، وأنماط النوم، وأحيانًا الموقع الجغرافي. وقد بدأت جهات رقابية وحقوقية تحذّر من أن هذه البيانات، حتى حين تُوصف بأنها “مجهولة الهوية”، يمكن في كثير من الأحيان إعادة ربطها بأصحابها بدقة عالية.

كما وثّقت تحقيقات صحفية حالات شاركت فيها منصات صحية بيانات مستخدمين حساسة مع شركات إعلانية دون موافقة واضحة، ما أثار دعاوى قضائية ومراجعات تنظيمية في الولايات المتحدة. ويدعو خبراء الخصوصية إلى توسيع نطاق القوانين الصحية القائمة، مثل قانون HIPAA الأمريكي، لتشمل بيانات الأجهزة القابلة للارتداء بشكل صريح، نظراً لأن أغلب هذه الأجهزة تقع حالياً خارج المظلة التنظيمية للبيانات الطبية التقليدية.

إلى أين يتجه المستقبل؟

يميل الاتجاه العام في هذا المجال نحو دمج الذكاء الاصطناعي بشكل أعمق مع تدفقات البيانات المستمرة من المعصم، بهدف الانتقال من مجرد “الإنذار” إلى “التوصية الاستباقية” التي تربط المستخدم بمقدم الرعاية الصحية عند الحاجة. كما تتجه بعض الشركات إلى معالجة البيانات مباشرة داخل الجهاز نفسه، بدلًا من إرسالها إلى الخوادم السحابية، في محاولة لتخفيف مخاوف الخصوصية.

ومع استمرار الأبحاث في مجالات الرجفان الأذيني، والأمراض المعدية، وانقطاع النفس النومي، والسكري، والتدهور المعرفي، يبدو أن الساعة الذكية تتجه تدريجيًا لتصبح جزءًا معترفًا به رسميًا من منظومة “الطب الوقائي”، لكن بصفتها أداة فرز وإنذار مبكر تكمّل التشخيص الطبي التقليدي، لا بديلًا كاملًا عنه.

وبين النجاح الموثّق لرصد الرجفان الأذيني والعدوى التنفسية قبل ظهور أعراضها، والتعثر النسبي في مجالات مثل قياس السكري غير الجراحي، تقف الساعات الذكية اليوم في منتصف الطريق بين الوعد العلمي الحقيقي والحدود التقنية والتنظيمية التي ما زالت قائمة. فهي بالفعل قادرة على التقاط إشارات دقيقة تسبق شعور الجسد بالمرض في عدد متزايد من الحالات، لكن قيمتها الحقيقية تبقى مرهونة بمدى قدرة النظام الصحي على تحويل تلك الإشارة الرقمية إلى قرار طبي صحيح في الوقت المناسب.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source akhbaar24

زر الذهاب إلى الأعلى