كهف أم جرسان.. أطول أنبوب حمم بركانية في الجزيرة العربية

▪︎ واتس المملكة

.

يقع كهف أم جرسان، المعروف محلياً باسم “غار أم جرسان”، ضمن حقل حرة خيبر البركاني، على بعد نحو 200 كيلومتر شمال المدينة المنورة، على الطريق الرابط بينها وبين خيبر.

شعار الموقع

أخبار عاجلة - أخبار حصرية - أوامر ملكية

منوعات | فيديو | صور | تقنية
رياضة | وظائف | صحة

إشترك بخدمة الواتساب مجاناً
لتصلك الرسائل

انقر هنا للإنضمام

ويندرج هذا الكهف ضمن حصيلة تضم 1,826 كهفًا ودحلًا رصدتها المسوحات الجيولوجية والأثرية في مختلف مناطق المملكة، غير أنه ينفرد عنها جميعًا بكونه أطول أنبوب حمم بركانية معروف في الجزيرة العربية.

إذ يمتد نفقه لمسافة تتراوح بين 1,350 و1,500 متر بحسب اختلاف المصادر، ويبلغ أقصى ارتفاع له 12 متراً، بينما يصل عرضه في بعض أجزائه إلى 45 متراً. ويتضمن الكهف كذلك امتدادات جانبية وفتحات متعددة، يبلغ عمق بعضها نحو 25 متراً.

وتجعل هذه الخصائص الاستثنائية من كهف أم جرسان أحد أبرز المعالم الجيولوجية والأثرية التي تسهم في إبراز التاريخ الطبيعي والبشري لشبه الجزيرة العربية.

أنبوب حمم في قلب حرة خامدة

لم ينشأ كهف أم جرسان بفعل الذوبان الكيميائي للصخور الجيرية كما هو الحال في غالبية كهوف المناطق الشمالية والشرقية من المملكة، بل تكوّن بطريقة مختلفة ترتبط بتاريخ حرة خيبر البركاني.

فوهة خيبر حقل بركاني خامد يغطي مساحة تُقدَّر بنحو 14,600 كيلومتر مربع، ويُعد ثاني أكبر الحرات البركانية في السعودية بعد حرة رهاط، وتشكّلت طفوحه البازلتية عبر سلسلة ثورات بركانية امتدت على مدى نحو خمسة ملايين عام، كان آخرها بين عامي 600 و700 للميلاد.

وأثناء تدفق الحمم المنصهرة في مجارٍ طويلة منحدرة مع ميل الأرض نحو الغرب، بردت الطبقة السطحية للطفوح البركانية وبدأت بالتصلب مكوّنةً قشرة صلبة، في حين ظلت الحمم في الطبقات السفلى محتفظةً بحرارتها ومواصلةً تدفقها إلى أن توقف ثوران البركان ونضبت الحمم من داخل هذه المجاري، تاركةً خلفها أنبوبًا مجوفًا طويلًا هو ما يُعرف اليوم بكهف أم جرسان.

وهذا النمط من التكوّن يندرج ضمن ما يسميه الجيولوجيون بـ”الكهوف الأنبوبية البازلتية”، وهي ظاهرة تتكرر في عدد من حرات المملكة الأخرى، لكنها تبلغ في حرة خيبر أوضح تجلياتها.

عرين الضباع.. اكتشاف عام 2021

في يونيو 2021م، أعلنت هيئة التراث عن توصّل فريق بحثي مشترك يضم علماء آثار وأحافير من الهيئة، بالتعاون مع الهيئة السعودية للمساحة الجيولوجية، وجامعة الملك سعود، ومعهد ماكس بلانك الألماني، إلى اكتشاف أثري لافت داخل كهف أم جرسان.

وكشفت تقنية تأريخ الكربون المشع أن بعض المخلفات الأثرية والأحفورية المعثور عليها يفوق عمرها 7 آلاف عام، فيما تبيّن أن الكهف يحتضن عشرات الآلاف من عظام الحيوانات المحفوظة بحالة جيدة رغم مرور آلاف السنين، تعود لأنواع متعددة منها الضبع المخطط، والخيل، والحمير البرية المتوحشة والأليفة، والجمال بشقيها، والوعل، والماعز، والبقر، إلى جانب جماجم بشرية يُرجَّح أنها نُبشت من قبور قريبة تعود لعصور ما قبل التاريخ.

ونُشرت نتائج هذه المرحلة من الدراسة في مجلة أركيولوجيكال آند أنثروبولوجيكال ساينسز الدولية المحكّمة، وأوضح الباحث ماثيو ستيوارت، عالم الآثار في معهد ماكس بلانك للإيكولوجيا الكيميائية بألمانيا وأحد معدي الدراسة، أن أصواتًا كان الباحثون قد رصدوها من داخل الكهف قبل سنوات ترجّح أنه لا يزال يُستخدم حتى اليوم عرينًا لحيوانات آكلة اللحوم، تحديدًا الضباع المخططة التي يبدو أنها استخدمت الموقع لتخزين فرائسها على مدى ما يقارب 7,000 عام متصلة.

وأشار الفريق البحثي حينها إلى أن العمل ما زال في مراحله الأولى، مع خطط لفحص الحمض النووي داخل العظام ودراسة تاريخ الرعي واستئناس الحيوان في الجزيرة العربية.

استيطان بشري يمتد عشرة آلاف عام

بعد نحو 3 سنوات من الاكتشاف الأول، أعلنت هيئة التراث في 17 أبريل 2024م عن نتائج مرحلة بحثية جديدة أكثر تفصيلاً، أُنجزت هذه المرة ضمن أعمال “مشروع الجزيرة العربية الخضراء” القائم على أبحاث ميدانية متعددة التخصصات تحت مظلة الهيئة، وبالتعاون ذاته مع جامعة الملك سعود ومعهد ماكس بلانك الألماني والهيئة السعودية للمساحة الجيولوجية. ونُشرت هذه الدراسة في مجلة بلوس ون العلمية المحكّمة، لتصبح بذلك أول بحث أثري منهجي يُنجز داخل كهوف المملكة العربية السعودية.

وشملت أعمال المسح والتنقيب أجزاء متعددة من الكهف، وكشفت أن أقدم الدلائل الأثرية في الموقع تعود إلى العصر الحجري الحديث، بعمر يتراوح بين 7,000 و10,000 عام، واستمر استخدام الكهف حتى فترتي العصر النحاسي والعصر البرونزي.

وأثبتت الدراسة أن جماعات رعوية استخدمت الكهف عبر هذه الحقبة الطويلة، إذ خلّفت وراءها مجموعة من البقايا العظمية الحيوانية التي أُرِّخت بواسطة الكربون المشع، وتبيّن أن أقدمها يعود إلى 4,100 عام قبل الميلاد، فيما تعود أقدم الجماجم البشرية المكتشفة إلى 6,000 عام قبل الميلاد.

شواهد الفن الصخري وأدوات الإنسان القديم

إلى جانب البقايا العظمية، كشفت أعمال التنقيب عن مجموعة من المعثورات النادرة التي تعكس تنوّع الأنشطة الإنسانية داخل الكهف وحوله، من بينها قطع من الخشب والقماش، وعدد من الأدوات الحجرية. كما وُثِّقت عدة واجهات من الفن الصخري تصوّر مشاهد لرعي الماعز والغنم والبقر بمساعدة الكلاب، إلى جانب مشاهد أخرى للصيد تُظهر أنواعًا مختلفة من الحيوانات البرية.

وتحمل هذه النقوش قيمة توثيقية مزدوجة، فهي من جهة تؤكد استمرار استخدام الموقع لقرون طويلة من قبل جماعات بشرية متعاقبة، ومن جهة أخرى تفتح نافذة على أنماط الحياة اليومية والممارسات الرعوية التي سادت شمال غرب الجزيرة العربية في تلك الحقب.

كهف أم جرسان في سياق مسح الكهوف السعودية

تندرج أهمية أم جرسان أيضاً ضمن صورة أوسع لمسوحات الكهوف في المملكة، التي رصدت وجود نحو 1,826 كهفاً ودحلاً موزعة على مختلف المناطق، تتصدرها المنطقة الشرقية بنحو 680 كهفاً ودحلاً، تليها منطقة الحدود الشمالية بنحو 542 كهفاً، ثم منطقة الرياض بنحو 308 كهوف، فيما تتوزع البقية على بقية مناطق المملكة.

وتتنوع هذه الكهوف بين النوع الجيري المنتشر في المناطق الشمالية والشرقية والوسطى، والنوع الأنبوبي البركاني المرتبط بالحرات في غرب المملكة، والذي يُعد كهف أم جرسان أبرز تجلياته وأطول أنبوب حمم موثق فيه حتى الآن، يليه في الطول كهف أبو الوعول القريب منه في الحرة ذاتها، والذي يمتد نحو خمسة كيلومترات.

الزيارة والسياحة

على الرغم من القيمة العلمية والأثرية الكبيرة لكهف أم جرسان، فإن دخول هذا النوع من الكهوف وأمثاله من دحول المملكة لا يُترك للزيارات الفردية العشوائية، إذ تشترط الجهات المختصة أن تتم الزيارة عبر منظم رحلات معتمد وبرفقة مرشد سياحي مؤهل، وذلك وفق معايير محددة تهدف إلى ضمان سلامة الزائر من جهة، والحفاظ على البيئة الهشة داخل الكهف من جهة أخرى، بما في ذلك حماية البقايا الأثرية والأحفورية التي لا تزال أعمال البحث فيها متواصلة حتى اليوم.

حدود المعرفة الحالية

لا تزال أعمال البحث في كهف أم جرسان في مراحل نسبياً مبكرة قياساً بحجم الموقع وثراء محتوياته، إذ تقتصر الدراسات المنشورة حتى الآن على جزء من الكهف، فيما تشير الهيئة والباحثون المشاركون إلى أن التنقيب والتحليل ما زالا مستمرين، بما في ذلك فحوصات الحمض النووي القديم من العظام المكتشفة، ودراسات أعمق حول تاريخ استئناس الحيوان والرعي في الجزيرة العربية.

كما أن بعض التقديرات الخاصة بطول الكهف تتفاوت قليلاً بين مصدر وآخر، بين 1,350 و1,500 متر تقريباً، وهو أمر متوقع في مواقع جيولوجية معقدة ذات فروع وامتدادات متعددة لم تُمسح بالكامل بعد. ومع توسّع “مشروع الجزيرة العربية الخضراء” وغيره من برامج البحث الميداني، يُرجَّح أن تكشف الأعوام المقبلة عن مزيد من التفاصيل حول هذا الموقع الفريد.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source akhbaar24

زر الذهاب إلى الأعلى