العمارة غير المرئية: السر الذي يجعل القدية مشروعاً لا يشبه غيره

▪︎ واتس المملكة
.
تسلّط المقالة الضوء على مشروع مدينة القدية بوصفه أكثر من مجرد وجهة ترفيهية وعمرانية، إذ يُقدَّم كمنظومة اقتصادية ومعرفية متكاملة تعيد تعريف التنمية وتدعم انتقال المملكة إلى اقتصاد ما بعد النفط عبر توطين المعرفة وبناء الكفاءات الوطنية. يؤكد المقال أن القدية تستهدف خلق مئات الآلاف من الوظائف وجذب شركا…
في حضرة المشاريع العملاقة التي ترسم اليوم ملامح وجه المملكة الجديد، تميل العين؛ بطبيعتها البشرية؛ إلى الانبهار بما هو ملموس، ببريق المنشآت الشاهقة، واتساع المساحات المفتوحة، وتفاصيل التصاميم التي تتحدى المألوف. لكن خلف هذه المظاهر التي تتصدر عناوين الأخبار وتملأ عدسات الكاميرات، تُكتب قصة أخرى في الخفاء، تُقاس بمدى التحول الذي تُحدثه في جوهر الاقتصاد الوطني، وليس بالأمتار المربعة أو الأطنان الإسمنتية. ما قد لا يظهر للعيان في المشاريع الكبرى، ولا سيما في مشاريع بحجم وأثر مدينة القدية، هو أنها تتجاوز كونها وجهات ترفيهية أو معالم عمرانية بارزة، لتشكل منظومات اقتصادية متكاملة تعيد تعريف مفاهيم التنمية، وتسهم في ترسيخ مكانة المملكة ضمن أبرز مراكز الاقتصاد الإبداعي على المستوى العالمي.
البنية المعرفية في قلب المشاريع الكبرى
عند النظر إلى مشروع بحجم مدينة القدية، تبرز أرقام استثنائية تتمثل في 25 منطقة متنوعة، ونحو 59 ألف مبنى، واستاد متعدد الاستخدامات، وأكثر من 43 منشأة رياضية. إلا أن القيمة الحقيقية للمشروع تتجلى فيما يُبنى بالتوازي مع هذه المنجزات العمرانية من أسس أكثر استدامة وتأثيراً. فخلف المشهد الإنشائي تتشكل بنية معرفية متكاملة، تُرسخ نقل الخبرات وتوطين المعرفة، وتواكب تطور المشروع عبر نهج عالمي يركز على تنمية الكفاءات وإعداد القدرات القادرة على قيادة مستقبل القطاع.
تمتد مدينة القدية على مساحة 360 كم مربع، وتشكّل مشروعاً يتجاوز مفهوم الإنشاء ليجسّد مدرسة وطنية كبرى، تعيد تعريف الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية معاً. وقد أدركت شركة القدية للاستثمار منذ لحظة التأسيس أن الاستثمار في العقول هو الضمان الحقيقي لاستدامة الإنجاز، لذلك استحدثت منظومة تدريب وتأهيل بمعايير عالمية. وتهدف هذه المنظومة إلى نقل أفضل الممارسات الدولية في قطاعات الترفيه والضيافة والتقنية إلى الكفاءات السعودية عبر شراكات استراتيجية مع مؤسسات عالمية رائدة. ولا يقتصر الطموح على التدريب الميداني، بل يمتد إلى برامج ابتعاث نوعية تتيح للمواهب الوطنية التواجد في مراكز القرار والابتكار عالمياً، لمواكبة أحدث التوجهات التقنية والإدارية، ثم العودة لتوظيف هذه الخبرات في قيادة صرح وطني رائد. وتمثل هذه “الهجرة المعكوسة” للمعرفة ركيزة لتحويل مدينة القدية من مشروع وطني إلى نموذج عالمي يقود قطاعاته بدلاً من الاكتفاء بمواكبتها.
وتعليقاً على هذا الموضوع، صرّح الدكتور ماجد الدسيماني، مدير إدارة العلاقات العامة والتواصل الإعلامي في شركة القدية للاستثمار، قائلاً: “خلف كل منجز إنشائي تشهده مدينة القدية اليوم، ثمة بنية معرفية راسخة تُبنى في الخفاء. إن رهاننا الحقيقي هو على الكفاءات الوطنية التي تقود هذا الصرح؛ فنحن نستثمر في العقول عبر توطين الخبرات العالمية ونقلها لشبابنا، ليكونوا هم القادة الحقيقيين لهذه المرحلة، وليحولوا مدينة القدية من مشروع وطني طموح إلى مدرسة عالمية رائدة في الإدارة والابتكار”.
خلق القيمة: الاقتصاد الذي يُعاد تعريفه
قد ترتكز بعض القراءات التقليدية للمشاريع على ربط النجاح بإيرادات التذاكر أو حجم أعداد الزوار. وهو طرح يختزل جوهر الرؤية بصورة لا تعكس عمقها الحقيقي. الفرق الجوهري بين المشاريع التي “تضيف” للناتج المحلي، وتلك التي “تعيد تعريف” هذا الناتج، هو الفرق بين الاستهلاك وبين الابتكار. مدينة القدية اليوم تُعدّ بنية تحتية لاقتصاد ما بعد النفط؛ فهي تستهدف خلق 300 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة، عبر سلاسل قيمة تمتد من قطاع السياحة إلى الاقتصاد الإبداعي وتقنيات الاستدامة.
كمثال حي، يبرز قطاع الرياضات الإلكترونية ضمن مدينة القدية على مساحة تمتد إلى 183,100 متر مربع، ليشكّل مركز ثقل عالمي يستهدف استقطاب ما يزيد على 30 شركة دولية، بما يعزز مكانة الرياض كعاصمة عالمية لهذا القطاع الواعد. ويتجاوز الأثر حدود “القيمة المضافة” نحو “خلق القيمة”، عبر تحويل المنطقة إلى حاضنة تقنية تُصدّر المعرفة وتستقطب المواهب من مختلف أنحاء العالم، مستندة إلى واقع يشير إلى أن أكثر من 70% من سكان المملكة يمارسون الأنشطة الرقمية والرياضية، ما يجعل من مدينة القدية بيئة طبيعية لنمو هذا القطاع.
التنمية كنمط حياة: من الترفيه إلى التأثير
تتجسد مدينة القدية كعاصمة متكاملة للرياضة والترفيه والثقافة، عبر منظومة تشمل أكثر من 400 تجربة ومعلماً، و27 وجهة ترفيهية رئيسية، و275 لعبة وتجربة، و12 مدينة ألعاب عالمية، إلى جانب أكثر من 380 مهرجاناً سنوياً. وفي البعد الرياضي، تضم 43 منشأة رياضية، و155 نشاطاً، وأكثر من 180 مركزاً للياقة والمسابح، بما يدعم هدف رفع معدلات ممارسة الرياضة إلى 80% من السكان. أما ثقافياً، فتحتضن أكثر من 40 عرضاً ثقافياً، ونحو 2000 عمل وتركيب فني، وما يزيد على 20 مسرحاً ومنصة أداء. وبين هذا الزخم الظاهر، تتشكل في العمق بنية معرفية تُسهم في صناعة قطاع اقتصادي جديد قائم على التجربة والمعرفة والإبداع، وتعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان. وفي هذا السياق، تُقرأ هذه المنظومة كنموذج يربط بين ما يظهر في المشهد العمراني وما يتشكل خلفه من معرفة وبنية اقتصادية وتنظيمية. ومع مرور الزمن، ستُروى هذه المرحلة كنقطة تحول أعادت تعريف مفهوم التنمية، ورسخت نموذجاً حضرياً وثقافياً واقتصادياً ممتداً للأجيال القادمة.
كيف سنروي الحكاية بعد عقدين؟
في العقود القادمة – بحول الله -، حينما يمر الزائر بمدينة القدية، لن يتذكر الأرقام التي أُنفقت في هذا العام أو ذاك بقدر ما سيلمس أثرها في النسيج الاجتماعي والاقتصادي. سيُنظر إلى هذه المرحلة في التاريخ كحقبة تشييد ترافقت مع تحول ديموغرافي واقتصادي شامل. سيحكي الآباء للأبناء كيف أن فكرة تمحورت حول “قوة اللعب” تحولت من مجرد مفهوم ترفيهي إلى محرك اقتصادي يساهم بـ 135 مليار ريال سنوياً في الناتج المحلي، وكيف أنها خلقت جيلاً من القادة السعوديين الذين أداروا مشاريع تتجاوز قيمتها تريليون ريال.
سيروي الجيل القادم قصة تلك المرحلة التي قررت فيها المملكة ألا تكتفي بدور المتفرج في المشهد العالمي، فبنت مساراً خاصاً أصبحت من خلاله أبناء وبنات المملكة يقدن قطاعات الترفيه والضيافة والرياضة. إن القصة التي تُكتب الآن ليست عن الحجر، وإنما عن “الإرادة”. إنها قصة وطن يقرر أن يمتلك مفاتيح مستقبله، ويحول جبال طويق الشامخة إلى شريان يضخ الحيوية في مفاصل الاقتصاد الوطني.
في النهاية، ما لا يُرى في المشاريع الكبرى هو “الرهان على المستقبل”. خلف كل مسمار يُدق، وكل تقنية تُلهم، يوجد إيمان بأن هذا الجيل هو الجيل الذي سيكتب الفصل الأخير من قصة التمكين. مدينة القدية، في جوهرها، تمثل مختبراً تُصهر فيه الطموحات لتخرج إلى العالم بمنظومة فريدة: اقتصاد يتجاوز المألوف، ووطن يعيد رسم حدود الممكن وإمكاناته. فلا تُشيَّد هذه المشاريع كمدن للترفيه، وإنما تُصاغ بوصفها مساحات للحياة، ويُبنى اقتصادها على أسس النمو المستدام بدلاً من الاعتماد على الإنفاق. وهذا هو جوهر قد لا تلتقطه القراءة العابرة للمشهد، ولكن يدركه القادة الذين يخططون للعقود لا للسنوات، واضعين نصب أعينهم أن مدينة القدية هي إرثٌ ينمو ويتجذر، ليبقى صرحاً شاهداً يكتب قصص نجاح جديدة بحروف سعودية أصيلة.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq