قرنٌ من التحول.. من الكتاتيب إلى الذكاء الاصطناعي

▪︎ واتس المملكة

.

في زاوية من مسجد قديم كان طفل يجلس على الأرض، ولوح من خشب الأثل بين يديه، ينتظر أن يملي عليه “المطوع” درسًا يحفظه عن ظهر قلب قبل أن يؤمر بغسل لوحه استعدادًا لدرسٍ جديد.

وعلى بُعد عقود قليلة من ذلك المشهد، يجلس الطالب اليوم أمام شاشة، يكتب تعليماته لنموذج ذكاء اصطناعي ضمن مقرر دراسي رسمي أقرته وزارة التعليم.

وبين هاتين الصورتين، تختصر المملكة واحدة من أكثر رحلات التعليم إثارة في المنطقة، من التعلّم الشفهي في حلقة المسجد، إلى منظومة وطنية متكاملة تتبنى اليوم تقنيات العصر بوصفها أداة لبناء الإنسان.

من لوح الأثل إلى حلقة الكتّاب

قبل أن تُعرف المدرسة النظامية في الجزيرة العربية، كانت “الكتاتيب” هي المؤسسة التعليمية الوحيدة تقريبًا، يجتمع فيها الأطفال حول معلم يُلقَّب غالبًا بـ”المطوّع”، إما في ركن من المسجد، أو في بيته، أو في مكان مستقل يخصصه لهذا الغرض.

وكانت أداة التعلّم الأولى هي اللوح، قطعة من خشب محلي، غالبًا من شجر الأثل، يصنعها نجّار بمواصفات تقريبية تتراوح أبعادها بين 20 و50 سنتيمترًا طولًا وعرضًا، وسماكة لا تتجاوز 2 أو 3 سنتيمترات، ومقبض في أعلاه يُثقب ليُعلَّق بخيط ويسهل حمله.

وكان المعلّم يكتب على اللوح “الخطة” أو الدرس، فيكرره الطالب قراءةً وحفظًا حتى يتقنه، ثم يُغسل اللوح بالماء أو بمادة طينية استعدادًا لدرس جديد، في طقس تربوي تكرر عبر أجيال. أما الحبر فكان يُحفظ في “محبرة” منحوتة هي الأخرى من خشب الأثل، بحفرة صغيرة مبطنة لمنع تسرب الحبر.

ولم تكن هذه الأدوات حكرًا على منطقة بعينها؛ ففي المدينة المنورة وحدها، أشارت مصادر تاريخية إلى وجود 6 كتاتيب داخل المسجد النبوي في مطلع القرن العشرين، بمجموع تلاميذ بلغ 125 تلميذًا يشرف عليهم ستة معلمين، وكان لكل شيخ كتّاب معاش يُصرف له من الخزينة النبوية.

وفي نجد، عرفت بعض المدن الألواح في أسواق النجارين، حيث يبتاعها أولياء الأمور لأبنائهم، فيما امتزج التعليم الديني بتعليم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب في منظومة واحدة، ظلت قوام التعليم في الجزيرة حتى ما بعد منتصف القرن الرابع عشر الهجري.

حين وُلد نظام الدولة.. من مديرية المعارف إلى وزارة المعارف

مع تأسيس الدولة السعودية الحديثة، بدأ التحول التدريجي من التعليم غير النظامي إلى منظومة تشرف عليها الدولة.

ففي عام 1343هـ، أُنشئت “مديرية المعارف العمومية” لتضع حجر الأساس الأول لنظام تعليم رسمي للبنين، وتحولت الكتاتيب تدريجيًا إلى مدارس شبه نظامية ثم أهلية فحكومية.

وأُنشئت فروع لهذه المديرية عُرفت بـ”المعتمديات” في مختلف مناطق المملكة، من الشرقية إلى المدينة المنورة ونجد وجدة والقصيم وأبها وجازان، بإدارة محلية اكتسبت خبرتها بالتدريج، وبحلول عام 1372هـ، بلغ عدد المدارس 306 مدارس في أنحاء البلاد.

وكذلك اهتمت الدولة مبكرًا بابتعاث الطلاب؛ فقد كانت بعثة عام 1346هـ (1927م) التي ضمت 14 طالبًا إلى مصر أول ابتعاث منظم لسعوديين للدراسة خارج بلادهم، ثم أُنشئت “مدرسة تحضير البعثات” في مكة المكرمة عام 1355هـ لإعداد الطلاب قبل سفرهم للدراسة الجامعية في الخارج، في وقت لم تكن فيه جامعات محلية بعد.

وبعد نحو 29 عامًا من تأسيس المديرية، صدر المرسوم الملكي بإنشاء “وزارة المعارف” في 18 ربيع الثاني 1373هـ (24 ديسمبر 1953م)، لتحل محل المديرية بصلاحيات أوسع، وأُسندت حقيبتها إلى الأمير فهد بن عبد العزيز آل سعود بوصفه أول وزير لها، قبل أن يتولى لاحقًا مقاليد الحكم ملكًا للبلاد.

وظل اسم “وزارة المعارف” قائمًا نحو 51 عامًا، حتى تغير عام 1424هـ إلى “وزارة التربية والتعليم”، ثم دُمجت في عام 1436هـ (2015م) في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز مع وزارة التعليم العالي تحت مسمى واحد هو “وزارة التعليم”، لتصبح الجهة الموحدة المشرفة على التعليم العام والجامعي معًا حتى اليوم.

من اللوح إلى الشاشة.. الجائحة ولحظة التحول الرقمي

مع أن جائحة كورونا كانت وباءً داهم البشرية وعزل العالم عن بعضه، إلا أنه كان اللحظة التي اضطرت فيها المنظومة التعليمية بأكملها للقفز نحو الفصل الافتراضي دفعة واحدة، حيث أطلقت وزارة التعليم بعد تعليق الدراسة الحضورية حينها، منصة “مدرستي” للتعليم عن بُعد، لتصبح خلال أسابيع الوسيلة الرئيسية لتعليم ملايين الطلاب في جميع المراحل الدراسية.

وتكشف الأرقام حجم هذا التحول، ففي سبتمبر 2020م، أعلنت الوزارة استفادة أكثر من 4.2 مليون طالب وطالبة من المنصة، أي ما يمثل 84% من إجمالي طلاب المراحل الثلاث، إضافة إلى أكثر من 411 ألف معلم ومعلمة وأكثر من 20 ألفًا من قادة المدارس.

ومع استمرار العام الدراسي، تجاوز عدد زيارات المنصة 292 مليون زيارة حتى نهاية الأسبوع الحادي عشر فقط، وتم خلالها تنفيذ أكثر من 56 مليون درس افتراضي متزامن، وإنشاء ما يقارب 12 مليون واجب و681 ألف اختبار إلكتروني.

ولم تكن هذه مجرد أرقام تشغيلية عابرة؛ فقد أشارت الوزارة إلى أن جهات دولية متخصصة أجرت دراسات لتوثيق تجربة التعليم عن بعد في المملكة خلال الجائحة، بوصفها نموذجًا يستحق الدراسة. والأهم أن “مدرستي” لم تُغلق بانتهاء الجائحة، بل تحولت إلى منصة وطنية دائمة تحتضن أدوات التعليم الإلكتروني وتُستخدم حتى اليوم إلى جانب التعليم الحضوري.

بالأرقام.. أين يقف التعليم السعودي اليوم؟

لا يكتمل أي حديث عن التعليم في السعودية دون النظر إلى مؤشراته الكمية، التي تُظهر تقدُّمًا حاسمًا في عدة مجالات، وتحديًا مستمرًا في مواءمة النتائج مع الطموح الدولي.

فوفقًا للهيئة العامة للإحصاء، انخفض معدل الأمية في المملكة من نحو 11% في عام 2000م، إلى 3.7% في عام 2021م، ثم سجل ارتفاعًا مؤقتًا إلى 5% في عام 2023م نتيجة إعادة هيكلة طرق القياس الإحصائي نفسها لا تراجعًا فعليًا، قبل أن يستقر عند 2.07% في أحدث بيانات عام 2024م، لترتفع نسبة الملمين بالقراءة والكتابة إلى نحو 98% من السكان.

وبحسب بيانات وزارة التعليم لعام 2024م، بلغ إجمالي طلاب التعليم العام في المملكة نحو 6.72 مليون طالب وطالبة، يشرف عليهم أكثر من 513 ألف معلم ومعلمة، وبلغ عدد المدارس نحو 37 ألف مدرسة على مستوى المملكة.

ومنذ إطلاقه عام 2021م، حقق برنامج تنمية القدرات البشرية، أحد برامج رؤية 2030، عدة مؤشرات قابلة للقياس، منها ارتفاع نسبة الالتحاق برياض الأطفال إلى أكثر من 34% في عام 2023م متجاوزةً الهدف المحدد عند 32%، وتضاعف عدد الجامعات السعودية ضمن تصنيف شنغهاي العالمي من 7 جامعات عام 2022م إلى 12 جامعة عام 2023م، وإصدار أكثر من 115 ألف رخصة مهنية للمعلمين خلال العام نفسه.

إلى جانب ارتفاع ترتيب المملكة في مؤشر رأس المال البشري الصادر عن البنك الدولي إلى المرتبة 45 عالميًا، كما تجاوز عدد الطلاب المبتعثين إلى أفضل 200 جامعة عالمية نحو 28.4 ألف طالب وطالبة وفقًا لأحدث البيانات.

وعلى صعيد المحك الدولي، شاركت المملكة في اختبارات “تيمز” (TIMSS) الدولية لقياس تحصيل الرياضيات والعلوم، وأظهرت دورة 2023م تحسنًا واضحًا في أداء الصف الثامن (الثاني متوسط) مقارنة بدورة 2019م، في استمرار لمسار تحسن سبق أن جعل المملكة من بين أكثر دول مجموعة العشرين تقدمًا بين دورتي 2015 و2019.

حين يدخل الذكاء الاصطناعي الفصل الدراسي

تصل الرحلة إلى فصلها الأحدث والأكثر تعبيرًا عن عنوان هذا التقرير، دخول الذكاء الاصطناعي رسميًا إلى المناهج السعودية، ففي أبريل 2025م، وعلى هامش مؤتمر مبادرة القدرات البشرية، أطلقت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي “سدايا”، بالشراكة مع المركز الوطني للمناهج ووزارة التعليم، مقررًا دراسيًا بعنوان “المدخل إلى الذكاء الاصطناعي” لطلاب الصف الثالث الثانوي بالمسار العام، كمرحلة تأسيسية أولى.

وفي يوليو 2025م، أعلن المركز الوطني للمناهج، بالشراكة مع وزارة التعليم ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات وهيئة “سدايا”، توسيع هذه الخطوة لتشمل جميع مراحل التعليم العام اعتبارًا من العام الدراسي 2025-2026م، عبر وحدات دراسية تراعي خصائص كل مرحلة عمرية وتُقدَّم بأساليب تفاعلية وتطبيقية، على أن تُدرج نتائج التعلم ضمن منظومة التقييم الشامل لأداء الطلاب.

ويأتي هذا التوجه انسجامًا مع مستهدفات برنامج تنمية القدرات البشرية، بهدف تمكين الطلاب من الانتقال من مجرد “مستهلكين” للتقنية إلى “مطورين” لها وقادة لريادة رقمية مستقبلية، بحسب ما عبر عنه مختصون شاركوا في الإعلان عن المنهج.

ولم يقتصر التوجه على المدرسة وحدها؛ فقد أطلقت “سدايا” أيضًا مبادرة وطنية أوسع بعنوان “مليون سعودي للذكاء الاصطناعي” (سمى)، بالشراكة مع وزارتي التعليم والموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، تستهدف تدريب مليون مواطن ومواطنة على المهارات الأساسية والمتقدمة في هذا المجال، في مسعى لبناء اقتصاد معرفي يضيق الفجوة الرقمية ويعد الكوادر الوطنية لسوق عمل يتغير بوتيرة متسارعة.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source akhbaar24

زر الذهاب إلى الأعلى