الكتابة.. تنبؤ أم كشف؟ | سبق

▪︎ واتس المملكة

.

يطرح المقال تساؤلاً حول شعور الكتّاب حين يعودون إلى نصوص قديمة فيجدون أنها تبدو كأنها “تنبأت” بما يعيشونه لاحقاً، موضحاً أن الأمر ليس رؤية للمستقبل بقدر ما هو كشف متأخر عمّا كان يتشكل في الداخل دون وعي مكتمل. يربط الكاتب هذه الظاهرة بسيكولوجية المبدعين وارتفاع سمة “الانفتاح على الخبرة”، وقدرتهم على…

قبل أيام عدت إلى نص كتبته قبل سنوات. لم أكن أبحث عن فكرة جديدة، ولا أراجع أسلوبي في الكتابة، بل كنت أقرأه بدافع الحنين فقط. وبين السطور، توقفت عند فقرة بدت لي مألوفة على نحوٍ غريب، كانت تصف شيئاً لم يكن قد حدث حين كتبتها، لكنه حدث لاحقاً. أغلقت الصفحة للحظة، وسألت نفسي: هل كانت الكتابة تتنبأ بما سيحدث؟ أم أنها كانت تكشف ما كان يدور في داخلي قبل أن أدركه؟

وربما لم يكن هذا السؤال متعلقاً بذلك النص وحده. فكثير ممن اعتادوا الكتابة مروا بتجربة مشابهة، يعودون إلى نصوص قديمة، فيجدون فيها ما يشبه ما يعيشونه اليوم. ولعل هذه التجربة ليست غريبة على الكتّاب والشعراء، حتى أصبحنا نسمع بين الحين والآخر عن قصيدة قيل إنها سبقت صاحبها، أو رواية رأى البعض أنها تنبأت بأحداث جاءت بعد سنوات. لكن، هل كانت الكلمات ترى المستقبل فعلاً؟ أم أننا نحن من نقرأها بطريقة مختلفة بعد أن يمر الزمن؟

وربما لا يتعلق الأمر بالكلمات نفسها، بقدر ما يتعلق بمن كتبها. فالكتابة لا تبدأ حين يجلس الكاتب أمام الورقة، بل قبل ذلك بكثير. قد تبدأ من موقف مرّ به دون أن يتوقف عنده، أو شعور لم يجد له اسماً، أو سؤال ظل يرافقه أياماً دون أن ينتبه إليه. ثم يأتي يوم، فتخرج كل تلك التفاصيل على هيئة كلمات. وهنا تبرز زاوية أخرى قد تساعد على فهم هذه التجربة، وهي سيكولوجية الكاتب أو الشاعر. ولعل ما يميزه أنه لا يمر بالتجربة ثم يتركها، بل يظل يعود إليها من زوايا مختلفة. يراقبها، ويحاول فهمها، ويحاول أن يفهم معناها، حتى تتحول مع الوقت إلى كلمات.

ويشير علم النفس إلى أن الأشخاص الذين يميلون إلى الكتابة الإبداعية غالباً ما يتمتعون بدرجات أعلى في سمة (الانفتاح على الخبرة  (Openness to Experience، وهي سمة ترتبط بالفضول، والتأمل، والانتباه للتفاصيل، والانفتاح على التجارب الجديدة. ومع ما يمتلكه كثير منهم من ذكاء لغوي، يصبح من الأسهل عليهم تحويل مشاعر يصعب وصفها إلى كلمات، حتى قبل أن يفهموها فهماً كاملاً.

وربما لهذا يعود بعض الكتّاب إلى نصوصهم القديمة بدهشة. ليس لأنهم وجدوا فيها تنبؤًا بالمستقبل، بل لأنهم وجدوا فيها ما لم يكونوا قادرين على فهمه وقت الكتابة. فقد يكتشف الشاعر أنه كتب عن فقدٍ قبل أن يعرف أنه كان يودّع شيئاً، أو يكتشف الروائي أن إحدى شخصياته كانت تشبهه أكثر مما كان يظن، أو يقرأ الكاتب وصفاً لمشاعر لم يفهمها إلا بعد مرور الوقت. وليس لأنهم يتنبؤون بالمستقبل، بل لأنهم التقطوا مبكراً إشارات كانت تتشكل في داخلهم، قبل أن يكتمل وعيهم بها.

وربما لا نحتاج أن نكون كتّاباً حتى نمر بهذه التجربة. فكثير منا احتفظ برسالة قديمة، أو صفحة من دفتر، أو حتى ملاحظة كتبها على عجل، ثم عاد إليها بعد سنوات وشعر أنها تصف حياته اليوم أكثر مما كانت تصفها يوم كتبها. وما يبدو وكأنه تنبؤ، قد يكون في الحقيقة فهماً متأخراً لما كانت النفس تحاول قوله منذ البداية.

وحين عدت إلى ذلك النص مرة أخرى، لم أندهش لأن بعض ما فيه تحقق، بل لأنني أدركت شيئاً آخر. لم تكن الكلمات تعرف المستقبل، لكنها كانت تعرفني أكثر مما كنت أعرف نفسي آنذاك. وربما لهذا لا نعود إلى نصوصنا القديمة بحثاً عن تنبؤات، بل بحثاً عن أنفسنا. نقرأها فنكتشف أن بعض المشاعر كانت واضحة على الورق، قبل أن تصبح واضحة في وعينا، وأن بعض الكلمات كانت تعرف عنا ما لم نكن نعرفه عن أنفسنا بعد.

ولهذا، ربما لا تكمن قيمة الكتابة في أنها تخبرنا بما سيحدث، بل في أنها تمنحنا فرصة لفهم ما كان يتشكل في داخلنا بصمت. وحين نعود إلى نصوصنا القديمة، قد لا نكتشف المستقبل كما ظننا، بل نكتشف أنفسنا بعد أن منحنا الزمن فرصة لأن نفهمها.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى