جُبن الادارة .. |

▪︎ واتس المملكة
.
المقال يسلّط الضوء على الفارق بين الإدارة والقيادة، منتقدًا أسلوب بعض الإدارات التي تهرب من تحمّل مسؤولية القرارات عبر صناعة صراعات داخلية واستخدام الموظفين كأدوات لتصفية الحسابات بدل المواجهة المهنية المباشرة. يؤكد الكاتب أن القيادة الحقيقية تقوم على الشفافية والعدالة وتحمّل المساءلة، وأن تمرير الق…
ليست كل إدارة تمتلك سلطةً قادرة على ممارسة القيادة، وليست كل جهة تملك حق اتخاذ القرار تملك شجاعة تحمّل تبعاته؛ فثمة فرق كبير بين إدارة تواجه الخلل بوضوح، وإدارة تخشى المواجهة، فتختار أن تدير الصراعات من خلف الستار، وأن تستخدم الآخرين أدواتٍ لتمرير قرارات لا تجرؤ على إعلانها ، في بعض البيئات المهنية، لا تُحسم الخلافات بالمصارحة، ولا تُعالج المشكلات بالمواجهة المباشرة، بل تبدأ لعبة إدارية أكثر تعقيدًا؛ تُصنع التوترات، وتُضخَّم الاختلافات، وتُترك العلاقات المهنية لتتآكل تدريجيًا، حتى يصبح الصدام بين الموظفين أو القادة بديلًا عن القرار الذي ينبغي أن تتخذه الإدارة بنفسها ، وهنا لا تعود المشكلة في وجود خلاف مهني، فذلك أمر طبيعي في المؤسسات، وإنما في تحويل الخلاف إلى أداة، والموظف إلى وسيلة، والبيئة الوظيفية إلى ساحة لتصفية حسابات لا يُعلن عنها صراحة.
الأكثر خطورة أن تلجأ الإدارة إلى خلق مسافة من النزاع، فتدفع أحد الأطراف إلى مواجهة طرف آخر، ثم تراقب المشهد من بعيد؛ فإن نجحت المواجهة في إضعاف القائد المستهدف، حققت غايتها دون أن تتحمل مسؤولية القرار، وإن تصاعد الخلاف، أمكنها أن تتظاهر بأنها الطرف الذي يسعى إلى الإصلاح ، وهكذا تُصنع المشكلة بأيدٍ متعددة، بينما يظل صاحب القرار الحقيقي خارج دائرة المساءلة.
إن هذا السلوك، متى ثبت تعمّده، لا يعكس حنكة إدارية كما قد يتوهم أصحابه، بل يكشف خللًا في مفهوم القيادة ذاته؛ لأن القائد الذي يحتاج إلى تحريك الآخرين ضد بعضهم كي يغيّر واقعًا لا يستطيع مواجهته، إنما يستبدل سلطة القرار بسلطة المناورة، ويستبدل الشفافية بإدارة الانطباعات، ويستهلك طاقة المؤسسة في صراعات كان بإمكانه حسمها بقرار مهني واضح ، ومن منظور الإدارة الحديثة، فإن معالجة الخلافات تتطلب تحديد المسؤوليات، وتوثيق الوقائع، والاستماع إلى الأطراف، وقياس الأداء وفق معايير معلنة، ثم اتخاذ القرار المناسب بناءً على أدلة موضوعية، لا على الولاءات أو الانطباعات أو الحسابات الشخصية ، فإذا كان أحد القادة لا يحقق النتائج المطلوبة، فالمسار الإداري السليم هو تقييم أدائه، ومواجهته بأوجه القصور، ومنحه فرصة المعالجة وفق الأنظمة والسياسات المعتمدة، ثم اتخاذ الإجراء المناسب عند الحاجة ، أما صناعة بيئة عدائية حوله حتى يصبح وجوده عبئًا لا يُحتمل، فليست بديلًا مهنيًا عن القرار، بل التفاف عليه.
ولا يعني ذلك أن كل خلاف بين الإدارة والقيادات مؤامرة، أو أن كل تغيير تنظيمي ناتج عن ضعف في الشجاعة؛ فقد تفرض المصلحة المؤسسية قرارات صعبة، وقد تكون هناك أسباب مشروعة لإعادة توزيع الصلاحيات أو إنهاء التكليفات ، لكن الفارق الجوهري يكمن في الطريقة: هل تُدار القرارات بمعايير عادلة وإجراءات واضحة، أم تُستخدم الصراعات وسيلةً لإخفاء الدوافع الحقيقية؟ فالإدارة العادلة لا تُعفى من المساءلة لمجرد أنها تملك الصلاحية، بل تزداد مسؤوليتها كلما اتسعت سلطتها.
وفي المقابل، فإن أخطر ما يمكن أن تتعرض له المؤسسة هو أن يفقد موظفوها الثقة في عدالة القرارات؛ حين يصبح الاجتهاد مصدرًا للقلق، والاختلاف سببًا للاستهداف، والقرب من أصحاب النفوذ معيارًا غير معلن للاستمرار ، عندها ينشغل القادة بحماية مواقعهم بدل تطوير أعمالهم، ويتعلم الموظفون الصمت بدل المبادرة، وتتحول الاجتماعات من مساحات للحلول إلى ساحات لقراءة النوايا وتبادل الاتهامات. وما يبدو انتصارًا إداريًا مؤقتًا قد يكون في حقيقته خسارة مؤسسية طويلة الأمد.
فالقيادة ليست القدرة على إزاحة من نختلف معه، بل القدرة على إدارة الاختلاف دون أن نفقد العدالة ، وليست الشجاعة أن نمتلك القرار فحسب، بل أن نعلن أسبابه، ونتحمل مسؤوليته، ونقبل مساءلتنا عنه ، أما استخدام الآخرين لتنفيذ ما لا نجرؤ على مواجهته، فهو تنصّل من المسؤولية، مهما أُحسن تغليفه بالمصطلحات الإدارية.
إن المؤسسات لا تحتاج إلى إدارات لا تختلف مع أحد، بل إلى إدارات تعرف كيف تختلف، ومتى تحسم، وكيف تحمي كرامة الإنسان دون أن تتنازل عن مصلحة العمل ، فالقائد الناضج لا يخشى المواجهة المهنية؛ لأنه يدرك أن وضوح القرار، حتى حين يكون مؤلمًا، أقل كلفة من صراع مفتوح يستنزف الجميع.
وفي الختام، فإن جُبن الإدارة لا يظهر دائمًا في التراجع عن القرار، بل قد يظهر في اتخاذه دون إعلان، وتمريره عبر الآخرين، وتركهم يتحملون تبعاته ، فالقرار الشجاع يُقال بوضوح، ويُبنى على مبررات، وتُتحمل مسؤوليته ، أما القرار الذي يحتاج إلى خصومات مصطنعة كي يبدو مبررًا، فجدير بأن تُراجع الإدارة نفسها قبل أن تُراجع الأشخاص ، فالإدارة التي تخشى مواجهة الأشخاص قد تنجح في إقصائهم، لكنها قد تفشل في قيادة من بقي.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq




