ترفٌ لا نُدرك أننا نعيشه ..

▪︎ واتس المملكة

.

يركّز المقال على أن أعظم النِّعم ليست تلك التي نغيب عنها، بل تلك التي تستمر في حضورها حتى نألفها فنغفل عن شكرها، وعلى رأسها نعمة الأمان والرعاية الصحية التي توفّرها الدولة لمواطنيها. ويبيّن أن ما يبدو للمريض إجراءً يومياً بسيطاً، كصرف دواء أو موعد طبي، يقف خلفه جهدٌ وطنيٌّ منظّم يخفف ألم المرض دون أ…

ثمة نِعَمٌ لا يحجبها عن أعيننا غيابُها ، بل يحجبها دوامُ حضورها ، حتى إن الإنسان قد يعيش عمراً كاملاً في ظلالها دون أن يتوقف ليتأمل عظمة ما أُحيط به من عناية ، وما سُخّر له من أسباب الطمأنينة .

ولعل من أدق مفارقات الوعي الإنساني أن النعمة كلما استقر حضورها ، تراجع شعورنا باستثنائيتها ، حتى تغدو الأشياء العظيمة في أعيننا اعتيادية ، لا لأنها فقدت قيمتها ، بل لأننا ألفنا وجودها واطمأننّا إلى دوامها .

وهنا تكمن إحدى أعمق صور الغفلة عن الامتنان ،، أن نعتاد الأمان حتى ننسى كم كان الخوف سيكلّفنا لو غاب .

ولأن بعض الحقائق لا تُدرك بالعقل وحده ، فإن للحياة طرائقها الخاصة في تعليمنا كيف نُبصر ما وراء الأشياء ، فحين يطرق المرض باب أسرة ، تتبدل معاني كثيرة في وجدانها ، فلا يعود الدواء مجرد مستحضر طبي ، ولا تصبح الأجهزة العلاجية مجرد أدوات ، ولا تعود المواعيد الطبية أرقاماً في جدول ، بل تتحول جميعها إلى جسور خفية تعبر عليها القلوب من القلق إلى الطمأنينة ، ومن الخوف إلى الرجاء ، وهنا بالذات تتجلى حقيقة قد لا ينتبه إليها إلا من لامس القلق قلبه ، وهي أن وراء كل جرعة دواء تصل إلى مريض حكاية وطن اختار ألّا يترك أبناءه وحدهم في مواجهة الوجع .

 إننا حين نتأمل ما هيأته بلادنا من منظومة للرعاية الصحية ، وما تبذله من موارد لتوفير العلاج والأدوية والأجهزة الطبية ورعاية أصحاب الأمراض المزمنة ، فإننا لا نتأمل مجرد خدمات تؤديها مؤسسات الدولة فحسب ، بل نقف أمام معنى أعمق من ذلك ، معنى أن تكون حياة الإنسان وصحته وكرامته موضع عناية وطنه .

 ولعل أرقى صور الرعاية ليست تلك التي تستوقفنا كل يوم بعظمتها ، بل تلك التي تبلغ من الاستقرار والانتظام حدّاً يجعل الإنسان يمارس حياته مطمئنًا دون أن يستحضر في كل لحظة حجم الجهد الذي يقف خلف تلك الطمأنينة ، فما يبدو للمريض أمراً يسيراً ، كالحصول على دوائه في موعده ، قد تقف خلفه منظومة كاملة من التخطيط والتمويل والتنظيم والعمل الإنساني المتواصل ، وما نراه تفصيلاً عابراً في يومنا ، قد يكون في حياة إنسان آخر أمنية بعيدة المنال .

وهكذا تبلغ النعمة ذروة حضورها حين تغيب مشقة الحصول عليها عن وعينا ، لا حين تغيب قيمتها عن حياتنا ، فكم من أمٍّ أغمضت عينيها مطمئنة لأن علاج طفلها متاح ، وكم من أبٍ خفّ عنه ثقل الخوف حين وجد أبواب الرعاية مفتوحة ، وكم من مريضٍ استطاع أن يواصل حياته وأحلامه لأن وطنه لم يجعل مرضه معركة يخوضها وحده ..

إن لهذه التفاصيل وجهاً آخر لا يظهر في التقارير والإحصاءات ، وجهاً تسكنه دعوات الأمهات ، وطمأنينة الآباء ، وأحلام الأطفال الذين منحهم توفر العلاج فرصة أن يعيشوا طفولتهم ، وأن ينظروا إلى المستقبل بما هو أوسع من حدود المرض .

وما أعظم الفرق بين أن يواجه الإنسان مرضه ، وأن يواجه معه هاجس الحصول على علاجه ، فالأول ابتلاء ومن أقدار الحياة المكتوبة ، أما الثاني فعبء قد يضاعف قسوة الابتلاء ، وحين تتكفل الدولة بأسباب الرعاية وتيسّر سبل العلاج فإنها لا ترفع عن الإنسان مرضه بالضرورة ، لكنها ترفع عن كاهله جانباً عظيماً من أعبائه .

وهنا يصبح الامتنان موقفاً من الوعي لا مجرد شعور عابر ، وليس استشعار النعمة إنكاراً للتحديات ولا غضّاً للطرف عن فرص التطوير ، بل هو إنصافٌ يقتضي أن نرى ما تحقق بعين التقدير ، كما نتطلع إلى ما ينبغي أن يتحقق بعين الطموح .

إن الأوطان لا تُقاس عظمتها بما تشيده من عمران فحسب ، بل بما تحفظه من كرامة الإنسان ، وبما تمنحه له من شعور بأنه ليس وحيداً حين تضيق به الحياة .

وفي المملكة العربية السعودية ، حيث تتجلى عناية الدولة بصحة الإنسان في صور متعددة من الرعاية والعلاج ، تستحق هذه النعمة أن نعيد اكتشافها لا أن نتركها أسيرة الألفة والاعتياد ، ولعلنا نحتاج بين حين وآخر إلى أن نتوقف أمام الأشياء التي نمر بها كل يوم دون دهشة ، أمام دواءٍ يُصرف ، وجهازٍ يُوفّر ، وطبيب يُتابع ، ومنظومة تمتد خدماتها لتخفف ألماً وتحفظ حياة ، أن نتوقف لا لنسأل عمّا ينقصنا وحده ، بل لنتأمل أيضاً حجم ما نملكه .

فالشكر الحقيقي لا يبدأ حين تتكاثر النعم وإنما حين تتسع بصيرتنا لإدراكها ، وإذا كانت العافية نعمةً لا يملك الإنسان ضمان بقائها ، فإن وجود وطن يرعاه حين تغيب عنه العافية نعمةٌ أخرى تستحق ألّا تغيب عن قلبه ، فالحمد لله على نعمة هذا الوطن ، وعلى ما أودع فيه من أسباب الأمن والرعاية، وعلى قيادة جعلت العناية بالإنسان من أولوياتها .

هذا وإن أعظم ما ينبغي أن ندركه ، أن النعم لا تفقد عظمتها حين نألفها وإنما قد نفقد نحن شيئاً من قدرتنا على التأمل فيها ، فليس كل ما اعتدناه قليل الشأن ، ولا كل ما اطمأننّا إلى وجوده هيّن الفقد ، وربما كانت أعظم النعم تلك التي لا نعرف حجمها ، لأننا لم نُضطر يوماً إلى اختبار الحياة في غيابها .

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى