كيف أصبحت العباءة السعودية أيقونة عالمية في عالم الأزياء؟

▪︎ واتس المملكة

.

قطعة سوداء واحدة، بقماش واحد تقريبًا وقصّة شبه موحّدة، كانت تكفي لتجهيز العروس ليلة زفافها، والطالبة في طريقها إلى الجامعة، والموظفة في مقر عملها، دون أن يسأل أحد عن قصّتها أو قماشها أو من صمّمها.

أما اليوم، فتقف عشرات التصاميم المستوحاة من هذا الرداء نفسه على منصات العرض في الرياض وباريس ونيويورك، بألوان وأقمشة وقصّات تحمل توقيع مصممة بعينها واسم علامة تجارية مسجّلة، وتتابعها الصحافة المتخصصة في الموضة حول العالم.

هذا هو المسار الذي قطعته العباءة السعودية خلال سنوات قليلة، من عرفٍ اجتماعي ترتديه كل النساء دون تفكير يُذكر في شكله، إلى منتج تصميم تتنافس على صياغته دور أزياء، وتدعمه مؤسسات حكومية بالتمويل والتدريب.

بشتٌ وخرقة ومحرمة.. جذور العباءة قبل أن تصبح موضة

ترتدي المرأة السعودية العباءة منذ القدم، وهو ما ميّزها تاريخيًا عن كثير من محيطها العربي؛ وتنقسم العباءة التقليدية، بحسب مصممات أزياء متخصصات في التراث المحلي، إلى أنواع عدة أبرزها “البشت” و”الخرقة”، إلى جانب أغطية رأس ووجه مكمّلة لها كالشمبر والمصون والمحرمة والمدورة.

وكانت نساء المناطق الشرقية والشمالية والوسطى يرتدين البشت عند الخروج من المنزل، بل كانت العروس ترتديه فوق ثوبها ليلة زفافها؛ وهو رداء واسع طويل مفتوح من الأمام، تطورت صناعته على مراحل بدأت بالصوف الخشن، وانتقلت إلى الصوف الناعم، وصولًا إلى الأقمشة المصنوعة آليًا، وتُزيَّن حوافه بخيوط حريرية سوداء أو بما يُعرف بـ”التعصيم”، ومن أشهر أنواعه الدوك وفيصول ودقاق شمال وونيشة.

أما “الخرقة”، فهي عباءة نساء البادية في شمال غرب المملكة، تُصنع من القماش الأسود وتُطرَّز وتُزيَّن بالخرز الملوّن. وتشير مصممات محليات إلى أن الملابس في منطقة الحجاز تحديدًا تأثرت على مدى قرون بحركة القادمين للحج من أقاصي العالم الإسلامي، لتتشكّل من هذا المزيج مفردات لباس توارثتها الأجيال قبل أن تتحول لاحقًا إلى موضوع بحث وتصميم في عصرنا الحالي.

وداعًا للأسود الوحيد.. ألوان وقصّات لا حصر لها

مع تحوّل العباءة إلى قطعة تُختار لا تُفرض، تسارعت وتيرة التجديد في ألوانها وأقمشتها وقصّاتها؛ فبعد أن كانت زيًا تقليديًا بلون أسود واحد، أصبحت اليوم قطعة أزياء بألوان أنيقة وأقمشة منسدلة وقصّات حديثة، بفضل موجة من المصممات السعوديات، تزامنًا مع تحوّل مماثل في تصميم الحجاب، الذي صار يُصنع من الحرير والشيفون والقطن بطبعات حيوية وألوان متعددة.

حين دخلت الدولة على خط دعم مصممات العباءة

تأسست هيئة الأزياء عام 1441هـ الموافق 2020م، بوصفها واحدة من 11 هيئة ثقافية وافق مجلس الوزراء على إنشائها دفعة واحدة، وتتبع وزارة الثقافة.

وتشمل مهامها اقتراح استراتيجية قطاع الأزياء ومتابعة تنفيذها بعد اعتمادها، والترخيص للأنشطة في مجال عملها، واقتراح الأنظمة والتنظيمات، وتنظيم المؤتمرات والمعارض والفعاليات والمسابقات، وتمثيل المملكة في المحافل الإقليمية والدولية، وتشجيع الأبحاث والدراسات وإنشاء قاعدة بيانات لقطاع يضم الأزياء التقليدية والتراثية والمعاصرة على اختلافها.

وترجمت الهيئة هذا الدور إلى برامج ملموسة، منها مسابقة “بمداد من نسيج” التي استهدفت طلاب تصميم الأزياء ضمن مبادرات عام الخط العربي عام 2021، وبرنامج قياديات الأزياء “سمو” الذي يدعم الشابات الطموحات من الجيل الصاعد، وبرنامج “100 براند سعودي” الذي يختار 100 مصمم ومصممة سعودية لبرنامج تدريب وإرشاد يمتد عامًا كاملًا، تمهيدًا لعرض أعمالهم في فعاليات محلية وفي معارض عالمية كمعرض “وايت ميلانو” بإيطاليا، إضافة إلى برنامج حاضنة الأزياء الذي يدعم رياديات الأعمال في القطاع.

وخصصت الدولة أيضًا صندوقًا مخصصًا للأزياء بقيمة نحو 80 مليون دولار، يستثمر في المصممين والمصممات لتطوير أعمالهم.

غرزة العباءة نفسها.. على منصات باريس ولندن ونيويورك

نفس تقاليد التطريز والتخييم بالخرز التي كانت تُزيّن البشت والعباءة التقليدية تتردد اليوم في مجموعات سعودية تُعرض على منصات عالمية.

فالمصمم محمد عاشي، الذي صقل مهاراته في بيتي Givenchy وElie Saab، أصبح في يوليو 2023 أول مصمم من منطقة الخليج يُدعى عضوًا ضيفًا في التقويم الرسمي لأسبوع الموضة في باريس، بعد أن ألبس نجمات عالميات تصاميمه على السجادات الحمراء من الأوسكار إلى كان، حاملًا معه تقليدًا إقليميًا في الخياطة الراقية قائمًا على الحرفية اليدوية.

وتصل علامات سعودية أخرى إلى الرفوف العالمية مباشرة؛ فعلامة “عبادية”، التي تقودها إبداعيًا شهد الشحيل من الأحساء، أصبحت في يناير 2025 أول علامة فاخرة سعودية تُطلق في آنٍ واحد بـ8 مدن حول العالم، من الرياض ودبي والكويت إلى فلورنسا ونيويورك وسان فرانسيسكو ونيو أورلينز وأوستن، بعد أن كانت أول علامة سعودية تُطلق على منصة التجزئة العالمية “نت أ بورتر” عام 2024، وأن تُعرض في متجر “غاليري لافاييت” بباريس. وتتوفر تصاميمها اليوم لدى أكثر من 10 تجار تجزئة عالميين كبار من بينهم “لويزا فيا روما” و”هارفي نيكولز” و”بلومينغديلز”.

كما قدّمت علامة “هندامة”، التي يقودها إبداعيًا محمد خوجة منذ عام 2016، مجموعات تمزج بين الشرق والغرب، من بينها إعادة تفسير معاصرة لنقش “القط العسيري” التراثي الذي تعدّه اليونسكو عنصرًا أساسيًا في هوية منطقة عسير، عُرضت في أسبوع الرياض للأزياء وفي أسابيع موضة دولية.

32 مليار دولار.. سوق تحتل العباءة قلبه

يُتوقع أن يصل سوق الأزياء في السعودية بجميع فئاته، والتي تظل العباءة من أهم ركائزها اليومية للمرأة السعودية، إلى نحو 32 مليار دولار في الوقت الراهن، مع استهداف الوصول إلى 40 مليار دولار بحلول عام 2029؛ وعلى مستوى الخليج، يُتوقع أن يصل سوق السلع الفاخرة إلى 11 مليار دولار بحلول عام 2030، في ظل نمو واسع لسوق الأزياء الراقية في المنطقة.

في المقابل، تكشف بيانات التجارة أن قدرة التصنيع والتصدير لا تزال دون طموح القطاع التصميمي؛ فقد ارتفعت واردات الملابس إلى المملكة بنسبة 42% بين عامي 2012 و2021، بينما لم تزد الصادرات في المقابل سوى بنسبة 11% خلال الفترة نفسها.

وفي عام 2021 وحده، استوردت سويسرا وفرنسا معًا من المملكة منتجات أزياء بقيمة نحو 447 مليون دولار، لكن ما نسبته 98% من هذه القيمة كان مجوهرات لا ملابس، وهو ما يعكس أن صناعة التصدير الخاصة بالملبوسات، ومنها العباءة، لا تزال في طور البناء وإن كانت الأسماء السعودية بدأت تحجز مكانها على منصات التصميم العالمية. وهذه الفجوة بين الاعتراف التصميمي والقدرة التصنيعية والتصديرية هي ما تسعى برامج هيئة الأزياء وصندوقها الاستثماري إلى تجاوزها تدريجيًا.

عباءة الجدّة نفسها.. بتوقيع جديد

من رداء أسود كان يُتوارث دون اسم أو توقيع، إلى قطعة تصميم تحمل اسم مصممة وتُعرض على منصات دولية وتتابعها الصحافة المتخصصة، رسمت العباءة السعودية مسارًا يشبه إلى حد بعيد مسار صناعة الأزياء السعودية بأكملها؛ قطاع لا يزال في طور بناء قدراته الصناعية والتصديرية الكاملة، لكنه أثبت بالفعل أن الموروث والطموح التصميمي العالمي ليسا نقيضين، بل يمكن أن يلتقيا في قطعة قماش واحدة توارثتها الجدات وأعادت الحفيدات تقديمها للعالم.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source akhbaar24

زر الذهاب إلى الأعلى