عقول تبني الموانئ في الجبال

▪︎ واتس المملكة

.

يسرد المقال قصة شركة “MSC” السويسرية، التي يقع مقرها في جنيف بدولة لا تملك أي سواحل بحرية، ومع ذلك أصبحت أكبر إمبراطورية للنقل البحري في العالم عبر بناء شبكة لوجستية عابرة للقارات واستثمار أساطيل عملاقة. ويستخدم الكاتب هذه المفارقة بوصفها درساً يلخّص أن القيود الحقيقية ليست جغرافية أو مادية بقدر ما…

ماذا لو أخبرتك أن أكبر عملاق يسيطر على حركة الملاحة في بحار العالم ومحيطاته لا ينتمي إلى دولة ساحلية، بل يقع مقره الرئيسي بين جبال مغطاة بالثلوج، في دولة لا تمسّ حدودها قطرة ماء مالح واحدة؟ للوهلة الأولى، تبدو الفكرة مفارقة ساحرة، أو خطأ وقع فيه رسّام الخريطة سهوا. كيف لأمة محاصرة باليابسة من كل جانب أن تنجب الإمبراطورية التي تحرك من مكتب صغير بعيد عن أي شاطئ بحري، سلاسل التوريد العالمية عبر أعتى المحيطات وأكثرها هيجانا؟ هذه في الحقيقة ليست قصة عن الموانئ والأساطيل والحاويات، بل قصة عن عقل رفض أن يرتطم حلمه بحدود الخريطة، فرسم لنفسه بحرا لم يكن له وجود إلا في تصميمه.

في قلب أوروبا، وتحديدا في مدينة جنيف السويسرية المحاطة بالجبال والبحيرات العذبة، يقبع المقر الرئيسي لشركة “MSC” السويسرية. لم تمنح الجغرافيا سويسرا شبر ساحل واحد تطل منه على الأفق البحري، ولم يكن لدى الشركة يوما ميناء بحري محلي ترسو عنده سفنها أو تتزود منه بالوقود. وبينما كان العالم بأسره يتعامل مع “البحر” كشرط لا غنى عنه للريادة البحرية، وكأنه بطاقة عضوية لا يمنح النادي إلا لمن يحملها، حيث كانت هذه الشركة تنظر إلى الخريطة بعينين مختلفتين تماما. حيث رأى الجميع عائقا وقالوا “نحن دولة بلا ساحل”، رأت هي فرصة سانحة، وقررت ببساطة أن تكون المحيطات كلها ساحلها، ما دامت تملك الإرادة الكافية للوصول إليها والإبحار فيها مع الإبداع.

لم تنتظر الشركة أن يأتي المحيط إليها، ولم تتّخذ من غياب الشواطئ عذرا مريحا للغياب عن المشهد بأكمله. بل بنت، حجرًا فوق حجر، شبكة لوجستية عابرة للقارات، واستثمرت في أساطيل عملاقة تناطح عنان السماء، وأدارت عملياتها بعقلية مرنة لا تعترف بخطوط حمراء رسمتها الجغرافيا وحدها. واليوم، تصدّرت عرش النقل البحري عالميا، لا لأنها ولدت في المكان المثالي، بل لأنها رفضت، منذ اللحظة الأولى، أن تصاغ هويتها أو يحدد سقف أحلامها بمقاس موقعها على الخريطة.

وهنا تتجاوز القصة حدود عالم الأعمال والموانئ والحاويات، لتتحول إلى مرآة صريحة تعكس وجهنا نحن، بكل ترددنا وتبريراتنا. كم مرة أوقفنا رحلتنا قبل أن تبدأ خطوتها الأولى؟ كم مرة همسنا لأنفسنا، في خفاء لا يسمعه أحد، بأننا لا نملك المال الكافي، أو أننا لسنا في البيئة المناسبة، أو أننا نفتقر إلى تلك الفرص الذهبية التي يصنع بها غيرنا نجاحاتهم اللامعة؟ الحقيقة القاسية، التي نتهرب منها كثيرا، أن معظم الناس لا تعجزهم قلة الإمكانيات بقدر ما تقيدهم نظرتهم لِما ينقصهم. فالسفن، في نهاية المطاف، لا تغرق بسبب المياه التي تحيط بها من كل جانب، بل بسبب تلك القطرات القليلة التي تتسرب خلسة إلى داخلها. وكذلك ظروفنا الخارجية: لن تؤذينا أو تُقعدنا عن المسير، إلا حين نسمح لها أن تتسلل إلى داخلنا وتقنعنا بحدودنا.

همست في نفسي و قلت : لم يتغيّر موقع سويسرا الجغرافي يوما، ولم تلامس أمواج البحار حدودها منذ فجر التاريخ، لكن فكرة واحدة، جريئة وعنيدة، كانت كفيلة بأن تغيّر كل شيء. فالناجحون لا ينتظرون الظروف المثالية ليصنعوا أثرا يبقى، بل يأخذون ما بين أيديهم، مهما بدا شحيحا، ويحولونه إلى رافعةٍ تدفعهم نحو ما يريدون. هم لا يقفون طويلًا أمام الأبواب المغلقة يندبون حظهم، بل يرسمون على الجدار الصلب بابا بأيديهم، ثم يفتحونه ويعبرون. لذا تذكّر أن أكبر إمبراطورية شحنٍ بحري في العالم انطلقت من بين الجبال لا من رصيف ميناء. وتذكّر أن النقص الذي تشتكي منه اليوم قد يكون بالذات هو الوقود الذي يصنع من قصتك، غدًا، حكاية استثنائية لا تنسى. وحولك قصص أخرى ملهمة، فتش عنها، واستلهم منها ما يعينك على تحويل عوائقك إلى فرص، ونقصك إلى قوة، وأحلامك إلى واقع استثنائي.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى