كيف تحوّلت الأزياء السعودية إلى صناعة عالمية؟

▪︎ واتس المملكة

.

لم تعد صناعة الأزياء في المملكة نشاطًا هامشيًا يُختزل في محلات التفصيل التقليدية، بل تحوّلت خلال سنوات قليلة إلى قطاع اقتصادي مكتمل الأركان، له هيئة حكومية تُشرف عليه، وأسبوع أزياء يحمل اسم العاصمة، ومصممون سعوديون تتوزع أسماؤهم بين السجادة الحمراء في هوليوود ومنصات العرض في باريس. وما كان قبل عقد تقريبًا مجرد موهبة فردية متناثرة، بات اليوم منظومة متكاملة تتقاطع فيها الصناعة والتعليم والتجارة والسياحة.

وتعكس الأرقام حجم هذا التحول بوضوح؛ فبين نمو متسارع في قيمة السوق المحلية، وحضور متصاعد في فعاليات الموضة العالمية، تمضي صناعة الأزياء السعودية نحو ترسيخ موقعها ضمن خريطة الموضة الدولية، بدعم مباشر من رؤية المملكة 2030 التي تضع الصناعات الإبداعية في صميم أولوياتها الاقتصادية.

هيئة الأزياء.. من التأسيس إلى بناء منظومة متكاملة

انطلقت أولى نسخ أسبوع الأزياء السعودي عام 2018 بإشراف الأميرة نورة بنت فيصل آل سعود، التي أسهمت لاحقًا في تأسيس هيئة الأزياء السعودية، الجهة الحكومية المعنية بإدارة استراتيجية القطاع ومبادراته.

ومن أبرز برامج الهيئة مبادرة “100 علامة سعودية” التي تستهدف دعم العلامات التجارية الناشئة وتطويرها، إلى جانب تسهيل حصول المصممين على السجلات التجارية، وهي خطوة أساسية لتأسيس أعمالهم وإدارتها بشكل نظامي. ومن اللافت أن النساء يشكلن نحو 52% من القوى العاملة في هذا القطاع، وهي نسبة تفوق كثيرًا من القطاعات الاقتصادية الأخرى في المملكة.

وتوسعت مبادرات الهيئة في الفترة الأخيرة لتشمل بنية تحتية متكاملة للصناعة؛ إذ افتُتح أول استوديو لتطوير المنتجات والنماذج الأولية، وهو متاح لجميع العلامات العاملة في المملكة، كما استقطبت الهيئة معهد “مارانغوني” العريق في تعليم الأزياء، في أول استثمار أجنبي مباشر من نوعه في هذا المجال داخل المملكة.

ويُنتظر أن تبدأ أول صالة عرض تجارية مخصصة للعلامات المحلية تشغيلها خلال العام الجاري، إلى جانب إطلاق منصة “Fashion Futures”، المعنية بإعداد التحليلات والتقارير السنوية عن القطاع، وعقد شراكات مع مصانع دولية لإنتاج جزء من المنتجات الجماهيرية والفاخرة داخل المملكة.

من 30 إلى 40 مليار دولار.. نمو بوتيرة متسارعة

بلغت قيمة سوق الأزياء السعودية نحو 30 مليار دولار في عام 2023، وفق بيانات هيئة الأزياء، لترتفع إلى ما يقارب 32 مليار دولار حاليًا، فيما تستهدف الهيئة الوصول بها إلى 40 مليار دولار بحلول عام 2029، عبر منظومة متكاملة تجمع التصنيع والتعليم والتجزئة والتصدير.

ويساهم القطاع حاليًا بنحو 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ1.4% فقط قبل سنوات قليلة، ويعمل فيه اليوم أكثر من 346 ألف شخص، بعدما أضاف وحده نحو 90 ألف وظيفة جديدة خلال عام 2023.

وعلى الصعيد الإقليمي، تستحوذ المملكة على 41% من إنفاق دول مجلس التعاون الخليجي على الأزياء ومنتجات الرفاهية، في سوق خليجي تقدر قيمته بنحو 80 مليار دولار، بحسب تقرير اقتصادي متخصص.

وتشير التوقعات إلى أن القطاع السياحي سيكون أحد أبرز محركات هذا النمو مستقبلًا، إذ يُتوقع أن يتضاعف حجمه نحو ثلاث مرات بين عامي 2023 و2030، مدفوعًا بإنفاق السياح على التسوق خلال زياراتهم للمملكة. ويعزو مختصون هذا النمو المتسارع إلى ارتفاع القوة الشرائية، وتنامي نسبة الشباب بين السكان، إلى جانب التوسع الكبير في تجارة التجزئة غير الغذائية.

أسبوع الرياض للأزياء.. من حدث محلي إلى موعد عالمي

منذ نسخته الأولى عام 2023، تطوّر أسبوع الرياض للأزياء بوتيرة لافتة؛ ففي نسخته الثانية لعام 2024، احتضنت العاصمة عروضًا امتدت على مدى أربعة أيام في ثلاثة مواقع بارزة هي قصر طويق، والمدينة الرقمية، وحي جاكس بالدرعية، شارك فيها مصممون سعوديون من بينهم عدنان آشي، وتيماء عابد، وهنيدة الصيرفي، ومنى الشبل، وأروى العماري، ودار الحنوف، وعلامة “1886”، إلى جانب كوثر الحريص، مؤسسة علامة “Kaf by Kaf”، التي قدّمت بالتعاون مع شركة أديداس عرضًا لمجموعة رياضية مستوحاة ألوانها من تاريخ الكرة السعودية، وهو ما وصفته الشركة بأنه أول عرض أزياء إقليمي تنظمه في المنطقة.

وبلغ هذا الحضور العالمي ذروته في النسخة الثالثة من الحدث، التي أقيمت بين 16 و21 أكتوبر 2025؛ إذ افتتحت المصممة البريطانية الأسطورية فيفيان ويستوود الأسبوع بعرض خاص أُعد بالتعاون مع جمعية “فن التراث” التابعة للأميرة نورة الفيصل، احتفى بالحرفية السعودية التقليدية، فيما اختتمته المصممة البريطانية ستيلا مكارتني بأول عرض أزياء لها في المملكة، ضم مختارات من مجموعاتها الحديثة وأرشيفها الإبداعي، في مؤشر واضح على اتساع دائرة الاهتمام العالمي بهذا الحدث السعودي الناشئ.

مصممون سعوديون على خارطة الموضة العالمية

يمثل المصمم محمد آشي، صاحب دار “Ashi Studio”، أحد أبرز الأمثلة على هذا الحضور العالمي؛ فبعد تدريب في الولايات المتحدة وعمل في دار “جيفنشي” ومع المصمم اللبناني إيلي صعب، استقر آشي في فرنسا، وأصبح اسمًا حاضرًا على السجادة الحمراء في أكبر المحافل العالمية، من حفل جوائز الأوسكار إلى مهرجان كان، وارتدت تصاميمه نجمات عالميات من بينهن بيونسيه، التي اختارت فستانًا فوشيا من تصميمه في حفل تذكاري لنيلسون مانديلا، إلى جانب ديبيكا بادوكون، وكاردي بي، وزيندايا.

وتُنفَّذ قطع آشي بتعاون دولي يوزّع مراحل الإنتاج بين عدة عواصم، من النقش في لندن إلى النسيج في إيطاليا والتطريز في الهند، وصولًا إلى التجميع النهائي في باريس، وهو اليوم مستشار لهيئة الأزياء السعودية، ويوصف بأنه أول مصمم أزياء سعودي يبلغ هذا المستوى من الحضور العالمي.

وتقدم المصممة هنيدة الصيرفي، مؤسسة علامة “HONAYDA”، نموذجًا آخر لهذا الصعود؛ فبعد دراسة متخصصة في الأزياء بباريس، أطلقت مجموعتها الأولى “الحديقة السرية” المستوحاة من التراث الحجازي، قبل أن تقدّم لاحقًا مجموعات استلهمت شخصيات تاريخية وأسطورية، من عبلة حبيبة عنترة بن شداد في مجموعة “الحب والحرب”، إلى ملكة سبأ بلقيس في مجموعة “طائر الهدهد”، التي عُرضت ضمن فعاليات أسبوع باريس للموضة، لتحمل بذلك جزءًا من الهوية السعودية إلى عاصمة الموضة في العالم.

أسواق العالم تفتح أبوابها

ولم يتوقف هذا التمدد عند منصات العرض؛ فقد عقدت هيئة الأزياء شراكات مع متاجر عالمية كبرى لعرض وبيع منتجات العلامات السعودية، من بينها “Galeries Lafayette” و”Printemps” في باريس، و”Selfridges” في لندن، إلى جانب فعاليات بيع مؤقتة في مدن عالمية بينها طوكيو.

وافتتحت بعض العلامات السعودية متاجر دائمة لها في مدن أوروبية، بينما تتجه علامات أخرى إلى الوصول للمستهلك العالمي عبر منصات التجارة الإلكترونية الكبرى. وقد بدأت دور أزياء عالمية مرموقة، من بينها “Dolce & Gabbana” و”أديداس”، تلتفت بدورها إلى المساعي السعودية لترسيخ موقعها كوجهة عالمية للموضة، في مؤشر على أن هذا الاهتمام لم يعد في اتجاه واحد.

وجهة أزياء في طور التشكل

تكشف هذه الصورة مجتمعة أن صناعة الأزياء السعودية تمر بمرحلة تأسيسية حاسمة، تتقاطع فيها الاستثمارات في البنية التحتية والتعليم مع الحضور المتنامي على منصات العرض العالمية ومع صعود أسماء سعودية فردية إلى واجهة المشهد الدولي.

وبين سوق محلية تتجه نحو مضاعفة قيمتها، وأسبوع أزياء يستقطب أبرز الأسماء العالمية، ومصممين يرتدي تصاميمهم نجوم الصف الأول في السينما، تبدو المملكة في طريقها لتثبيت موقع لها على خريطة الموضة العالمية، ليس كسوق استهلاكية فحسب، بل كمصدر للإبداع والتصميم أيضًا.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source akhbaar24

زر الذهاب إلى الأعلى