الاستشارات الأسرية على الهواء.. حين تتحول الخصوصية إلى محتوى

▪︎ واتس المملكة
.
يحذّر المقال من تحوّل البثوث المباشرة في منصات التواصل، خصوصًا «تيك توك»، إلى ما يشبه “عيادات مفتوحة” تُعرض فيها المشكلات الزوجية والأسرية الحساسة أمام الجمهور، بما يهدّد الخصوصية ويشوّه مفهوم الاستشارة المهنية. ويؤكد أن الاستشارات الفردية تحتاج إلى بيئة متخصصة وسرية، وأن الشهرة أو القدرة على الحديث…
أصبحت البثوث المباشرة في وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة «تيك توك» وغيرها، مساحة مفتوحة للجميع؛ يدخلها المتخصص وغير المتخصص، وتُطرح فيها موضوعات اجتماعية ونفسية وأسرية، بعضها شديد الحساسية. ولا مشكلة في أن يستخدم الأخصائي الاجتماعي أو النفسي هذه المنصات للتوعية والتثقيف ونشر المعرفة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول البث العام إلى عيادة مفتوحة، ويبدأ الناس في سرد مشكلاتهم الزوجية والأسرية وأسرار بيوتهم أمام مئات أو آلاف المتابعين.
ومن واقع تخصصي في الخدمة الاجتماعية، أرى أن الاستشارة الفردية ليست مادة مناسبة للبث العام، خصوصًا عندما تتعلق بالخلافات الزوجية أو العلاقات الأسرية أو العنف أو المشكلات النفسية والاجتماعية الحساسة. فهذه قضايا تحتاج إلى خصوصية، وإلى معرفة تفاصيل الحالة ودراستها قبل تقديم التوجيه المناسب.
وقد حدثني أحد الزملاء الأخصائيين الاجتماعيين عن تجربة له في متابعة عدد من هذه البثوث، ولاحظ ممارسات تستحق التوقف عندها. منها أن بعض النقاشات قد ترتفع فيها حدة الخلاف حتى تصل إلى السب والشتم والتجريح، ويتحول الخلاف نفسه إلى وسيلة لجذب المشاهدات والتفاعل والدعم، حتى يصبح السؤال: هل الهدف من البث حل المشكلة فعلًا، أم أن المشكلة أصبحت وسيلة لصناعة الإثارة والمحتوى؟
والأخطر أن تقديم الاستشارات الأسرية لم يعد مقصورًا على المختصين. فقد نجد من يعمل في التسويق والإعلانات أو صناعة المحتوى، ثم يفتح المجال في البث لاستقبال المشكلات الزوجية، ويسمع المشكلة من طرف واحد، وبعد دقائق يقدم الحل والتوجيه، وربما يُعاد نشر اللقاء في منصات أخرى بعد موافقة صاحبه. وقد يصل الأمر إلى أن ينتظر البعض مدة طويلة للحصول على مثل هذه الاستشارة، بينما توجد جهات ومراكز وعيادات متخصصة أقدر على دراسة الحالة في بيئة مهنية تحفظ الخصوصية.
وهنا مكمن الخطورة؛ فالمشكلة الزوجية لا يمكن اختزالها في رواية طرف واحد، ولا في دقائق من الحديث على الهواء. دراسة الحالة تعني فهم الظروف المحيطة بالمشكلة، وتاريخها، وأطرافها، والعوامل الاجتماعية والنفسية المؤثرة فيها، قبل تقديم التوجيه المناسب.
والمشكلة تصبح أكبر عندما تتحول النصيحة إلى توجيه مباشر نحو قرارات مصيرية كالطلاق أو الخلع أو الفسخ بسبب خلافات قد تكون قابلة للعلاج والإصلاح. فالطلاق ليس كلمة عابرة تُقال لمتصل على الهواء، خاصة عندما يكون هناك أبناء وأسرة ومستقبل كامل سيتأثر بالقرار.
وفي الاتجاه المقابل نجد خطابًا آخر لا يقل خطورة، يقوم على مهاجمة المرأة وتحميلها مسؤولية المشكلات الأسرية، أو تقديم التعدد باعتباره وسيلة لتأديب الزوجة أو الضغط عليها. وهنا لا يعود البث مساحة للإصلاح، بل يتحول أحيانًا إلى ساحة اصطفاف: هذا ضد الرجل، وذاك ضد المرأة، بينما العمل الأسري المهني لا ينبغي أن يكون مع الرجل ضد المرأة ولا مع المرأة ضد الرجل، وإنما مع استقرار الأسرة والعدل بين أطرافها والوصول إلى الحل الأنسب.
وقد يصدر بعض هذا الخطاب، للأسف، حتى من أشخاص يحملون مؤهلات تخصصية، وهو ما يجعل المسؤولية المهنية عليهم أكبر؛ لأن المتابع قد يمنح كلامهم ثقة إضافية بسبب صفتهم العلمية. والمختص الحقيقي لا يقاس فقط بما يقوله في مقطع قصير أو نصيحة جميلة، وإنما بمنهجه المهني واحترامه للخصوصية وعدم التسرع في إصدار الأحكام أو دفع الناس نحو قرارات مصيرية.
المشكلة الأخرى هي الخصوصية. فقد لا يذكر المتصل اسمه، لكن صوته أو تفاصيل قصته أو أسماء الأماكن والأحداث والظروف المحيطة بها قد تكشف هويته لمن يعرفه. وربما يسمع البث قريب أو صديق أو أحد أطراف المشكلة، فتتحول الاستشارة التي كان صاحبها يبحث من خلالها عن حل إلى مشكلة جديدة.
وهناك خطر آخر ربما لا ينتبه إليه صاحب المشكلة؛ فالبث لا يسمعه مقدم الاستشارة وحده، بل يسمعه جمهور مجهول. وقد يستغل أحد ضعاف النفوس حالة المتصل أو المتصلة، فيتواصل معه عبر الخاص مدعيًا القدرة على مساعدته، وقد تبدأ من هنا أبواب للاستغلال العاطفي أو المالي أو الابتزاز.
كما أن بعض البثوث قد تصبح مدخلًا لاستدراج الفتيات أو النساء أو غيرهن إلى علاقات غير مشروعة تحت غطاء الاهتمام أو المساعدة والاستشارة، وهو خطر ينبغي التنبه إليه، خاصة عندما يكون الشخص في حالة ضعف نفسي أو خلاف أسري ويبحث عن أي شخص يسمعه أو يتعاطف معه.
ولا تتوقف المسألة عند الاستشارات الأسرية؛ فهناك بثوث تتحدث عن الطاقة والأبراج وغيرها من الممارسات غير العلمية، وقد ينجرف إليها بعض الأشخاص الباحثين عن حلول لمشكلاتهم النفسية أو الأسرية، فيدخلون في دائرة جديدة تزيد المشكلة بدل أن تعالجها.
والخطورة لا تقف عند صاحب الاستشارة نفسه، بل تمتد إلى المستمعين. فقد يسمع شخص مشكلة تشبه مشكلته، ثم يأخذ الحل الذي قُدّم للمتصل ويطبقه على حياته، معتقدًا أن تشابه المشكلة يعني تشابه العلاج. وهذا غير صحيح؛ فخلف كل مشكلة ظروف وشخصيات وتاريخ أسري واجتماعي مختلف، وما يصلح لأسرة قد لا يصلح لأسرة أخرى.
أما غير المتخصص الذي يقدم نفسه مستشارًا اجتماعيًا أو أسريًا أو نفسيًا دون تأهيل، فالمشكلة أكبر؛ لأن كثرة المتابعين، أو القدرة على الحديث، أو الأسلوب المقنع، لا تجعل الإنسان متخصصًا. الشهرة ليست مؤهلًا علميًا، وعدد المشاهدات ليس ترخيصًا لممارسة الاستشارة.
ومع ذلك، من الإنصاف القول إن الصورة ليست كلها سلبية. فهناك بثوث راقية ومحترمة يقدمها مختصون وغيرهم، هدفها نشر الوعي والكلمة الطيبة والمعلومة المفيدة، دون التدخل في خصوصيات الناس أو تحويل أسرارهم إلى محتوى. وهذا هو النموذج الذي نحتاج إلى دعمه وتشجيعه.
وهنا يجب أن نفرق بين أمرين: التوعية والاستشارة. من الجميل أن يقدم الأخصائي الاجتماعي أو النفسي عبر البث محتوى عامًا عن الحوار بين الزوجين، وتربية الأبناء، وإدارة الخلاف، والعنف الأسري، ومهارات التواصل وغيرها. أما أن تتحول المنصة العامة إلى مكان لسرد الأسرار والتفاصيل الشخصية وتقديم الحلول الفردية أمام الجمهور، فهذا أمر يحتاج إلى مراجعة مهنية وأخلاقية جادة.
ومن هنا، أرى أن الأمر يستحق تنظيمًا واضحًا من الجهات المختصة، بحيث لا تُقدَّم الاستشارات الاجتماعية والأسرية والنفسية الفردية التي تتضمن أسرارًا أو تفاصيل شخصية عبر البثوث العامة، سواء من متخصصين أو غير متخصصين. وليس المقصود منع المختص من الظهور في وسائل التواصل، بل نحن بحاجة إلى حضوره المهني في التوعية والتثقيف والإجابة عن الأسئلة العامة، مع توجيه الحالات الفردية إلى قنوات استشارية خاصة وآمنة تحفظ السرية والخصوصية.
كما أن الحاجة أصبحت ملحّة إلى توعية المجتمع بأن ليس كل من جلس أمام الكاميرا وأجاد الحديث أصبح مستشارًا، وليس كل من يملك آلاف المتابعين مؤهلًا للدخول في أدق تفاصيل الحياة الزوجية والنفسية للناس. قبل أن تسأل شخصًا عن بيتك أو زواجك أو أبنائك، اسأل أولًا: ما تخصصه؟ وما تأهيله؟ وهل المكان الذي أطرح فيه مشكلتي يحفظ خصوصيتي؟
وأقول لزملائي الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين وغيرهم من المختصين: وجودنا في وسائل التواصل مهم، وتأثيرنا مطلوب، لكن مسؤوليتنا المهنية أهم من عدد المشاهدات والمتابعين. لنجعل البث للتوعية، أما أسرار الناس ومشكلاتهم الفردية فلها مكان آخر يحفظ كرامتهم وخصوصيتهم.
فالاستشارة ليست مجرد جواب يُقال على الهواء، والمشكلة الأسرية ليست محتوى، وصاحبها ليس حالة للفرجة. والأخطر أن تتحول خلافات البيوت إلى مادة للترفيه أو الإثارة أو زيادة المشاهدات.
نحن بحاجة إلى وسائل تواصل تصلح البيوت، لا إلى بثوث تزيد خلافاتها؛ وإلى محتوى يرفع الوعي، لا محتوى يعيش على أسرار الناس ومشكلاتهم.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq





