«نجوت بأعجوبة».. خبير إدمان يروي لحظة بلحظة كيف فصلت دقائق معدودة بينه وبين الموت داخل مطار الرياض

▪︎ واتس المملكة
.
روى الخبير في الإدمان الدكتور سامي خالد الحمود تفاصيل نجاته من اعتداء ميليشيا الحوثي الإرهابية على مطار الملك خالد الدولي بالرياض، خلال رحلته إلى جدة في 10 أكتوبر 2026، كاشفًا مشاهد الذعر والإصابات والدمار، مقابل صور لافتة من النخوة والتكاتف والعمل الاحترافي للعاملين في المطار.
لم يكن الدكتور سامي خالد الحمود، الخبير والمستشار في الإدمان، يعلم وهو يحزم حقيبته استعدادًا لرحلة عمل اعتيادية، أن دقائق معدودة ستفصل بين هدوء الحياة وضجيج الموت، وأنه سيشهد مشاهد من الذعر والدماء والركام داخل مطار الملك خالد الدولي بالرياض، قبل أن يغادر المكان حامدًا الله على نجاته.
وفي رواية مطوّلة نشرها عبر حسابه في منصة «إكس»، بعنوان «حينما نجوت من اعتداء مطار الرياض»، استعاد الحمود تفاصيل ما عاشه يوم السبت 10 أكتوبر 2026م، منذ مغادرته منزله متجهًا إلى المطار للسفر إلى جدة، مرورًا بلحظات دويّ الانفجار داخل الطائرة، ومحاولات المسافرين الخروج وسط الازدحام والغبار والحطام، وصولًا إلى مشاهد المصابين والضحايا، ومواقف إنسانية قال إنها جسّدت النخوة والتكاتف في أصعب اللحظات.
رحلة اعتيادية إلى جدة ومعتمرون بملابس الإحرام
بدأ الحمود روايته بالقول إنه كان يستعد للسفر إلى جدة في مهمة عمل لتقديم برنامج في استشارات الإدمان بمركز رشد للتأهيل، وكانت رحلته على متن طيران الرياض، الرحلة رقم (RX017)، المقرر إقلاعها عند الساعة الثالثة وعشرين دقيقة عصرًا.
وحزم حقيبته وغادر منزله قرابة الساعة الثانية ظهرًا، ونظرًا إلى قرب مسكنه من المطار، وصل إليه نحو الساعة الثانية والنصف. ويقول إن كل شيء بدا طبيعيًا، بل هادئًا إلى أبعد الحدود؛ مسافرون يتنقلون بين الصالات، وموظفون يؤدون أعمالهم، وأسر تنتظر رحلاتها، ووجوه لا تحمل إلا تطلعات الوصول إلى وجهاتها بسلام.
وكان بين المسافرين المتجهين إلى جدة عدد من المعتمرين، مواطنين ومقيمين، يرتدون ملابس الإحرام البيضاء، في مشهد وصفه بأنه باعث على السكينة، وهم يتأهبون للسفر إلى بيت الله الحرام، دون أن يعلموا ما تخبئه اللحظات القادمة.
وبعد إنهاء إجراءات التفتيش الأمني، دخل الحمود الصالة الداخلية وتوجه إلى بوابة الصعود للطائرة، حيث وقف في الطابور خلف رجل ترافقه زوجته، كان يتحدث مع موظفة شركة الطيران موضحًا أن لديه حجزًا على درجة الأعمال، بينما زوجته على درجة الضيافة، ويرغب في ترقيتها لتكون معه في الدرجة ذاتها.
ويقول الحمود إنه كان ينتظر دوره بهدوء، دون أن يخطر بباله أن الموت سيمر من المكان بعد لحظات. وأضاف مستعيدًا تلك اللحظة: «يا لعجيب أقدار الله! كم من خطوة نخطوها ولا نعلم ما وراءها، وكم من لحظة نظنها عادية، وقد أخفى الله لنا بعدها أمرًا عظيمًا!».
وبعد أن أشارت إليه موظفة الطيران بالتوجه إلى موظف آخر لإنهاء إجراءات صعوده، أبرز بطاقة الصعود ومضى في طريقه عبر الممر الزجاجي الممتد إلى الطائرة، الذي يسميه بعض الظرفاء «ممر السعادة»، دون أن يدري أنه سيتحول بعد دقائق إلى طريق للنجاة من الموت. واستقبلته مضيفتان عند باب الطائرة بابتسامة وترحيب، ثم توجه إلى مقعده وجلس مطمئنًا، ووضع هاتفه على طرف المقعد قبل أن ينهض لإحضار شاحن الجوال من حقيبته الموجودة في الخزانة العلوية، ثم عاد إلى مكانه.
دويّ هائل ورجّة عنيفة والطاقم يطلب الإخلاء
كان أحد المضيفين يقف عند الراكب الذي أمام الحمود، يشرح له قائمة الوجبات، وما إن انتهى منه حتى توجه إليه، ووقف بجواره معرّفًا بنفسه مبتسمًا، وكان من إحدى الجنسيات الآسيوية. لكن ما كاد ينتهي من التعريف بنفسه حتى وقع ما لم يكن في الحسبان.
يقول الحمود: «دويّ هائل، ورجّة عنيفة هزّت المكان! في لحظة واحدة تبدّل كل شيء. تلاشى الهدوء، وتوقفت الأحاديث، وتبادل الركاب والمضيفون نظرات الذهول والفزع». ويضيف أن الموجودين لم يكونوا يدركون في تلك اللحظة ما الذي حدث، ولا من أين جاء ذلك الصوت المرعب.
وفجأة، ارتفع صوت امرأة كانت بالقرب منه، تصرخ بحرقة: «حسبنا الله عليهم، حسبنا الله ونعم الوكيل، سلّط الله عليهم»، وأخذت تدعو بحرقة وألم على المعتدين. وفي تلك الثواني العصيبة، ارتفعت أصوات طاقم الطائرة مطالبة الجميع بمغادرتها فورًا.
ونهض الحمود مفزوعًا من مكانه، قبل أن يتذكر أن هاتفه بقي على المقعد، فعاد وأخذه سريعًا واتجه إلى باب الطائرة. وبدأ الركاب بالخروج، يملؤهم الذعر والقلق، وكلٌّ يبحث عن طريق للنجاة والابتعاد عن مصدر الخطر.
الركام والغبار يغلقان طريق الخروج
فوجئ المسافرون بمشهد أشد رعبًا؛ إذ ازدحم الممر الواصل بين الطائرة وصالة المطار، وتوقفت الحركة تمامًا، بعدما تعذّر على الموجودين في المقدمة التقدم بسبب الركام والحطام والغبار الكثيف الذي حجب الرؤية، حتى أصبح من الصعب معرفة الطريق الذي ينبغي سلوكه.
ويصف الحمود المشهد بقوله إن الخطر كان أمامهم، والازدحام خلفهم، ولم يكونوا يعلمون ماذا سيحدث بعد ذلك. وبينما ارتفعت أصوات بعض الركاب في الخلف مطالبة بالتقدم والإسراع، أخذ عدد من الموجودين ينادون: «اصبروا يا جماعة الخير، الطريق مزدحم في الأمام، لا تتدافعوا، احذروا من الدهس، التزموا الهدوء».
ويقول إن الجميع كان يدرك أن الهلع قد يصنع كارثة أخرى، وأن التدافع في ذلك الممر الضيق قد يؤدي إلى سقوط الناس بعضهم فوق بعض. وفي تلك اللحظات، استشعر الحمود عجز الإنسان وضعفه أمام الخطر، فلم يجد ملجأً إلا إلى الله سبحانه وتعالى، وأخذ لسانه يلهج بالذكر قائلًا: «لا إله إلا الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، حسبنا الله ونعم الوكيل، الحمد لله على كل حال»، كما كان يردد على من حوله: «اذكروا الله، استعينوا بالله، الزموا الهدوء».
واستعاد أثر تلك اللحظات في نفسه، قائلًا إن الإنسان حين تضيق به الأسباب وتنقطع الحيلة ويقف عاجزًا أمام ما لا يملك دفعه، لا يبقى لقلبه إلا أن يتعلق بخالقه، ويستشعر أن الأعمار بيده وحده سبحانه وتعالى. ومن خلف الجوانب الزجاجية للممر، كان المسافرون يشاهدون الدخان والغبار الكثيف وآثار الدمار، دون أن تتضح لهم الصورة كاملة.
«لا أحد يصوّر».. المسافرون يبحثون عن النجاة
وفي خضم الموقف، كان أحد الرجال الواقفين بجوار الحمود ينادي بصوت واضح: «أرجوكم، لا أحد يصور، ممنوع التصوير». ثم جاء بعض أفراد طاقم الطائرة والمشرفين على الرحلة يؤكدون التوجيه نفسه، ويطالبون الجميع بعدم التصوير.
ويقول الحمود إنه يشهد الله أنه طوال تلك اللحظات التي عاشها في الممر لم يرَ شخصًا واحدًا ممن كانوا أمامه يرفع هاتفه للتصوير، معتبرًا ذلك مشهدًا من مشاهد الوعي والمسؤولية في وقت المحنة، إذ كان الناس منشغلين بما هو أعظم: النجاة، وسلامة الآخرين، والبحث عن طريق آمن للخروج.
وبعد انتظار ثقيل، بدأت حركة المسافرين تتقدم ببطء، وخرجوا من الممر شيئًا فشيئًا. وهنا جاءت الصدمة الكبرى؛ فالمكان الذي مر به قبل دقائق وهو يسير مطمئنًا خلف الرجل وزوجته أصبح مليئًا بالركام والغبار الذي يكاد يحجب الرؤية. واستعاد المشهد قائلًا: «سبحان الله! المكان هو المكان، والمسافة هي المسافة، ولكن دقائق قليلة صنعت الفارق بين السلامة والإصابة، وبين الحياة والموت».
رجل يزحف وهو ينزف ومصابون في طريق الإسعاف
وبينما كان الحمود يتقدم، رأى رجلًا أمامه يزحف وهو ينزف، والدماء ظاهرة على الأرض، واصفًا المشهد بأنه موجع لا يمكن أن تمحوه الأيام. كما رأى امرأة أصابها الاعتداء وكانت تدعو الله بحرقة على الميليشيات الحوثية الإرهابية ومن أعانها، وشاهد امرأة أخرى يدفعها أهلها على كرسي، مسرعين بها لتلقي الإسعاف.
وقال إن المشاهد التي أحاطت به جمعت الألم والفزع والدماء، وإنه لم يكن يتوقع يومًا أن يرى مثلها في مطار مدني، وفي بلد عُرف بالأمن والطمأنينة. لكن وسط تلك المشاهد القاسية، قال الحمود إنه رأى وجهًا آخر للموقف سيبقى مصدر فخر واعتزاز لديه، تمثّل في النخوة والإنسانية التي لمسها من العاملين والمسافرين.
إشادة بالعاملين في المطار ومواقف جسّدت النخوة
وأشاد الحمود بما وصفه بالعمل المشرف للعاملين في مطار الملك خالد الدولي من مختلف الجهات الأمنية والخدمية والتشغيلية، مشيرًا إلى أنه شاهد التفاني في أداء الواجب، والمسارعة إلى نجدة الناس، وإرشاد المسافرين، ومساعدة المصابين، وتوجيه الجميع نحو مخارج الطوارئ.
وقال إن ما سمعه من دعوات على المعتدين، وما لمسه من وحدة المشاعر في إدانة اعتداء الميليشيات الحوثية الإرهابية التي استهدفت مدنيين آمنين، أظهر رفض الناس لاستهداف الأبرياء واعتزازهم بأمن وطنهم واستقراره. وأضاف: «وهذه عادتنا نحن السعوديين؛ أهل فزعة ونخوة ومروءة، وأهل شهامة وإنسانية، لا نتخلى عن بعضنا في الشدائد، ولا نترك المحتاج إلى العون وحيدًا في ساعة المحنة».
وخرج الحمود من صالة المطار بسلام، لكنه وجد نفسه أمام مشاهد أخرى لا تقل ألمًا عما رآه في الداخل؛ إذ كانت سيارات الإسعاف قد هرعت إلى المكان تتسابق لإنقاذ المصابين ونقلهم، فيما كان رجال الإسعاف يتحركون بسرعة بين المحتاجين إلى المساعدة.
وفجأة، اخترق المكان صوت صراخ شديد يحمل من الوجع ما تعجز الكلمات عن وصفه، فالتفت الحمود نحو مصدره، فإذا برجل يبكي بحرقة على شخص فارق الحياة. وعلى مقربة منه، كانت امرأة تبكي، وبجوارها امرأة كبيرة في السن ترفع دعواتها إلى الله على المعتدين، فيما كانت دموعها وكلماتها تحكي وجعًا أكبر من أن يوصف. وفي جانب آخر، شاهد امرأة تصرخ وتلتفت يمنة ويسرة، تبحث عمن كان برفقتها وتناديه وسط الفوضى والقلق.
واستعاد الحمود تلك اللحظات متسائلًا: «يا الله، ما أقسى تلك اللحظات!»، مؤكدًا أنه أدرك حينها أن الاعتداء لا تنتهي آثاره عند صوت الانفجار، بل تبدأ بعده حكايات من الألم والفقد والخوف تبقى في قلوب أصحابها طويلًا.
رجل جمارك يقدّم الماء وعبارة تختصر معنى التضامن
وبعد أن مضى الحمود مثقلًا بما رأى، قابله أحد الأشخاص في شدة الحر بابتسامة صادقة وقال له: «الحمد لله على السلامة»، ثم سمع العبارة نفسها من أكثر من شخص، وهي كلمات وصفها بأنها بسيطة، لكنها في تلك اللحظة كانت أعظم من مجرد تحية. ثم مر به أحد رجال الجمارك وبيده زجاجة ماء، وما إن رآه وظهرت عليه ملامح التعب حتى بادر بتقديم الماء إليه وألح عليه أن يأخذه.
وقال الحمود إن الرجل لم يكن يعرفه، ولم يكن هو يعرفه، ولم يكن بينهما إلا رابط الإنسانية وأخوة الوطن ونخوة الإنسان السعودي التي تظهر بأجمل صورها في أوقات الشدائد. وأضاف أنه رأى في ذلك اليوم وجهين متناقضين؛ يدًا امتدت بالاعتداء لترويع الآمنين، وأيادي امتدت بالنجدة والرحمة لتطمئن الخائفين وتسعف المصابين وتسقي العطشى.
واعتبر أن عظمة الأوطان تظهر في أخلاق أهلها وفي نخوتهم وتكاتفهم حين تشتد المحن، مؤكدًا أن المملكة العربية السعودية ليست وطنًا نعيش فيه فحسب، بل وطنًا نجد فيه، بعد الله، الأمن والكرامة والرحمة والإنسانية.
«خرجت من المطار.. لكن قلبي لم يخرج من المشهد»
ورغم مغادرته المطار، قال الحمود إن قلبه ظل أسير المشاهد التي عاشها؛ صورة الرجل الذي كان يزحف بدمائه، والرجل الذي يبكي عزيزًا عليه، والمرأة المصابة التي ترفع دعاءها إلى السماء، والأم المسنة التي تتنهد من الألم، والمرأة التي تبحث عمن كان برفقتها، فضلًا عن صورة المعتمرين بملابسهم البيضاء الحاضرة في ذاكرته.
وتساءل: «أي ذنب اقترف هؤلاء؟»، مضيفًا أن هؤلاء مدنيون آمنون عُزّل، لا يحملون سلاحًا، ولا يخوضون حربًا، ولا يشكلون خطرًا على أحد. واعتبر أن استهداف مطار مدني مكتظ بالمسافرين ليس عملًا عسكريًا عابرًا، ولا بطولة يمكن أن يتباهى بها فاعلها، بل اعتداء على أرواح الأبرياء وانتهاك للقيم الإنسانية والمواثيق الدولية، مشيرًا إلى أن استهداف ضيوف الرحمن يجعل الاعتداء أشد وقعًا.
وقال الحمود إن استهداف المدنيين يعكس إفلاسًا أخلاقيًا وغيابًا لاحترام حرمة الدماء، ومحاولة لتعويض الإخفاقات عبر ترويع المسافرين واستهداف المنشآت الحيوية. وتساءل: «وأي مشروع هذا الذي يجعل من دماء الأبرياء وسيلة لتحقيق غاياته؟ وأي قضية يمكن أن تكتسب شرعية من استهداف المسافرين والمعتمرين؟»، مؤكدًا أن الاعتداء على المدنيين لا يصنع انتصارًا، وإنما يكشف سقوط القيم التي يدّعي المعتدي الدفاع عنها.
واختتم الحمود روايته بالتأكيد على أن المملكة، بحمد الله، قوية بإيمان أبنائها ووحدة صفهم، وبالدولة التي يثق بقدرتها على حماية أمنها وصون سيادتها ومحاسبة المعتدين، مضيفًا: «وإن غدًا لناظره قريب». ودعا الله أن يحفظ المملكة وقيادتها وأهلها والمقيمين على أرضها، وأن يحفظ ضيوف بيت الله الحرام، ويرحم من فقدوا حياتهم، ويشفي المصابين، ويرد كيد المعتدين في نحورهم، وأن يجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq




