في يوم المعلم.. كيف تغيرت المهنة؟

▪︎ واتس المملكة

.

في يوم المعلم.. كيف تغيرت المهنة؟

في اليوم العالمي للمعلم، الذي يوافق 5 أكتوبر من كل عام، تستعيد المملكة جانباً من رحلة طويلة شهدت خلالها مهنة التعليم تحولات متتابعة، بدأت من حلقات العلم في المساجد والكتاتيب، مروراً بظهور المدارس النظامية ومعاهد إعداد المعلمين، وصولاً إلى الكليات والجامعات، ثم إلى منظومة تعليمية حديثة تستفيد من التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

ويُحتفل باليوم العالمي للمعلمين منذ عام 1994، إحياءً لذكرى اعتماد توصية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” ومنظمة العمل الدولية عام 1966 بشأن أوضاع المدرسين، ويشكل اليوم مناسبة للاحتفاء بدور المعلمين والتفكير في مستقبل المهنة والدعم الذي تحتاج إليه. ويصادف عام 2026 الذكرى الستين لاعتماد تلك التوصية.

من المسجد والكتّاب بدأت الحكاية

قبل ظهور التعليم النظامي، ارتبط التعليم في مناطق المملكة بالمساجد وحلقات العلم والكتاتيب، حيث تولى المعلمون تعليم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم ومبادئ الدين واللغة العربية.

وحسب موقع وزارة التعليم، شهدت العملية التعليمية في المملكة على مدى ثلاثة قرون تطوراً بدأ بالمساجد والساحات والكتاتيب، ثم انتقل إلى المدارس والجامعات الحديثة، قبل أن يدخل مراحل جديدة من تطوير المناهج والتقويم والتدريب وفق معايير حديثة. وكان التعليم التقليدي يقوم على الكتاتيب ثم حلقات المساجد والرحلات لطلب العلم، وفي الكتاب كان المعلم يتولى تعليم الصغار القراءة والكتابة وحفظ القرآن ومبادئ الدين واللغة العربية، إلى جانب غرس القيم والأخلاق.

ظهور التعليم النظامي

بدأ التحول المؤسسي مع إنشاء مديرية المعارف عام 1344هـ الموافق 1926م، والتي تعد حجر الأساس لنظام التعليم في المملكة.

وفي عام 1346هـ صدر قرار تشكيل أول مجلس للمعارف، بهدف وضع نظام تعليمي يشرف على التعليم في منطقة الحجاز، ثم اتسعت صلاحيات مديرية المعارف بعد قيام المملكة لتشمل شؤون التعليم في مختلف مناطق البلاد، وكانت تضم 323 مدرسة بعد أن بدأت بأربع مدارس فقط.

ومع اتساع التعليم النظامي، تغيرت طبيعة مهنة المعلم نفسها؛ فبعد أن كان التعليم يعتمد بصورة كبيرة على جهود فردية وحلقات المساجد والكتاتيب، أصبح المعلم جزءاً من مؤسسة تعليمية لها مناهج ومراحل دراسية وإدارة وإشراف رسمي.

من المدرسة إلى معاهد إعداد المعلمين

شهدت المرحلة التالية توسعاً في التعليم وتأسيس مؤسسات لإعداد الكوادر التعليمية. ومن المحطات البارزة إنشاء كلية المعلمين بمكة المكرمة عام 1372هـ، إلى جانب ظهور المعاهد والكليات التي ساعدت في إعداد المعلمين وتأهيلهم للتدريس.

وفي عام 1373هـ الموافق 1953م أنشئت وزارة المعارف، وأسند إليها التخطيط والإشراف على التعليم العام للبنين في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية.

كما شهد عام 1379هـ الموافق 1959م إنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات، وبدأت بـ15 مدرسة ابتدائية ومعهد متوسط لإعداد المعلمات، قبل أن تُضم لاحقاً إلى وزارة المعارف عام 1423هـ، ثم تغير اسم الوزارة إلى وزارة التربية والتعليم.

التعليم الجامعي

لم يتوقف التطور عند التعليم العام، إذ امتدت المنظومة إلى التعليم العالي. حيث أنشئت وزارة التعليم العالي عام 1395هـ الموافق 1975م لتتولى تنفيذ سياسة المملكة في التعليم الجامعي، قبل أن تتوسع الجامعات والكليات والتخصصات العلمية والتطبيقية في مختلف مناطق المملكة.

ومع هذا التوسع أصبح المعلم جزءاً من منظومة أكبر لإعداد الأجيال، بينما ظهرت مسارات أكثر تخصصاً لإعداد الكوادر التعليمية وتطوير أدائها مهنياً وأكاديمياً.

من “المعلم” إلى “المهنة المرخّصة”

في المرحلة الحديثة، لم يعد تطوير المعلم مقتصراً على الحصول على مؤهل دراسي، بل أصبح مرتبطاً بمسارات مهنية وتقويمية أكثر تنظيماً.

وتتيح هيئة تقويم التعليم والتدريب خدمة إصدار الرخصة المهنية للخريجين وشاغلي الوظائف التعليمية عند استيفاء شروط الإصدار، كما توفر الهيئة اختبارات الرخصة المهنية وخدمات الاستعلام عن نتائجها. وتضم خدمات الهيئة الرقمية كذلك منصات للرخص المهنية والتقويم المدرسي والتدريب والاعتماد الأكاديمي.

ومؤخرًا أطلق المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي برنامج الماجستير المهني في التدريس، ضمن مبادرات تنمية القدرات البشرية في رؤية السعودية 2030، وذلك بهدف إعداد الراغبين في مهنة التعليم ورفع جاهزيتهم المهنية وفق أحدث الممارسات الحديثة.

ويعكس ذلك تحولاً مهماً في مفهوم مهنة المعلم، من وظيفة تعليمية تقليدية إلى مهنة لها معايير ومتطلبات مهنية وتقويم مستمر.

“مدرستي” نقلة نوعية للتعليم في السعودية

فرضت جائحة كورونا على منظومات التعليم حول العالم انتقالًا عاجلًا من الفصول الحضورية إلى بيئات التعلم عن بُعد، ولم تكن المملكة استثناءً من هذا التحدي، بل كانت سبّاقة إلى إقراره وتوفير البنية الرقمية اللازمة لتنظيمه وتطويره، حيث تمكنت وزارة التعليم خلال فترة زمنية قصيرة من مواصلة تعليم نحو 6 ملايين طالب وطالبة، عبر منصة “مدرستي” وحلول تعليمية مساندة، مستفيدة من البنية التقنية والكوادر البشرية والمحتوى التعليمي المتاح، لتتحول الأزمة إلى نقطة انطلاق لتسريع مسيرة التحول الرقمي في التعليم.

وأصبحت منصة “مدرستي” محورًا رئيسيًا لهذه التجربة، بعدما وفرت بيئة تعليمية متكاملة تضم الفصول الافتراضية، والدروس والواجبات والاختبارات، وأدوات التقويم والتقارير، إلى جانب إتاحة التواصل بين المعلمين والطلاب وأولياء الأمور. ولم يقتصر التعليم عن بُعد على المنصة، إذ دعمت الوزارة التجربة بـ23 قناة تعليمية فضائية تابعة لقنوات “عين”، إلى جانب المحتوى عبر الإنترنت وبوابة التعليم الوطنية، ما أتاح بدائل متعددة للوصول إلى الدروس.

ولم تنتهِ التجربة بانتهاء الظروف الاستثنائية للجائحة، بل تحولت إلى أساس لمرحلة جديدة من التعليم المرن. وأكدت وزارة التعليم أن تجربة كورونا أسهمت في تقوية البنية التحتية الرقمية، وتعزيز الشراكة بين المدرسة والأسرة، وابتكار وسائل جديدة للتعليم والتعلم، فيما اتجهت المنظومة لاحقًا إلى “التعليم المدمج” الذي يجمع بين التعليم الحضوري والتعليم عن بُعد. كما وثقت اليونسكو التجربة السعودية باعتبارها نموذجًا يمكن الاستفادة منه عالميًا، وأكدت أهمية البناء على المكتسبات الرقمية التي تحققت خلال الجائحة.

ولا تزال منصة “مدرستي” قناة آمنة لمواصلة رحلة التعلم في حالات تعثر الحضور المدرسي، خاصةً في حالات هطول الأمطار أو السيول والأحوال الجوية الأخرى، لا سيما في المناطق الجنوبية.

المعلم أمام عصر الذكاء الاصطناعي

ومع التحول الرقمي، دخلت مهنة المعلم مرحلة جديدة تتجاوز استخدام الحاسب والمنصات التعليمية إلى التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتضع “سدايا” قطاع التعليم ضمن القطاعات ذات الأولوية في الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، بهدف دمج البيانات والذكاء الاصطناعي في التعليم لتحقيق توافق أكبر بين نظام التعليم واحتياجات سوق العمل وتطوير المسيرة التعليمية للطلاب.

وفي تطور أكثر ارتباطاً بمهنة التعليم، وقعت “سدايا” مذكرة تفاهم مع وزارة التعليم وهيئة تقويم التعليم والتدريب والمركز الوطني للمناهج لإنشاء مركز تميز للذكاء الاصطناعي في مجال التعليم وحوكمته، مع بحث استخدام نموذج الذكاء الاصطناعي التوليدي “علّام” لدعم الباحثين والأساتذة والطلاب.

وهنا تبدو الرحلة واضحة: المعلم الذي كان يحمل اللوح في الكتّاب، أصبح اليوم يتعامل مع البيانات والمنصات الرقمية وأدوات ونماذج الذكاء الاصطناعي في تدريس طلابه.

مهنة تتغير.. ودور لا يتغير

على امتداد هذه الرحلة، تغيرت أدوات المعلم ومكان التعليم ومناهجه ووسائل تقييمه، لكن جوهر المهنة ظل مرتبطاً ببناء الإنسان ونقل المعرفة وتكوين المهارات والقيم.

ومن المسجد والكتّاب إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى الكلية والجامعة، ثم إلى التعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي، تعكس رحلة المعلم السعودي مسيرة تطور التعليم في المملكة نفسها؛ رحلة انتقلت من جهود تعليمية فردية إلى منظومة مؤسسية متكاملة، ومن أدوات تقليدية إلى تقنيات قادرة على تغيير طريقة التعلم.

وفي اليوم العالمي للمعلم، لا تبدو المناسبة مجرد احتفاء بمهنة قديمة، بل فرصة للنظر إلى مهنة تتغير أدواتها باستمرار، بينما يبقى المعلم محوراً أساسياً في صناعة الإنسان ومستقبل التعليم.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source akhbaar24

زر الذهاب إلى الأعلى