صندوق العالم الأسود |

▪︎ واتس المملكة

.

يركز المقال على أنّ السؤال الأهم بعد شهور الحرب لم يعد “من أطلق الصاروخ؟” بل “ماذا فعلت الحرب بأمن المنطقة وخريطتها وتحالفاتها؟”، مع إبراز أن الخطر الحقيقي في المشروع الإيراني وأذرعه ليس في الصواريخ وحدها، بل في استراتيجية الاستنزاف عبر جبهات متعددة تمتد من اليمن والبحر الأحمر إلى الأردن والخليج. وي…

بعد قرابة تسعة أشهر من الحرب، لم تعد القراءة الجادة تقف عند سؤال: من أطلق الصاروخ؟ بل عند سؤالٍ أكبر: ماذا صنعت الحرب في خرائط الأمن، وفي قناعات العالم، وفي مستقبل المنطقة؟

من دروس التاريخ أن الجبهة الخارجية لا تُؤمَّن إذا كان الظهر مكشوفًا. فلا تنفع شجاعة الميدان حين تبقى خلفه ثغراتٌ في القرار، أو الحدود، أو المعلومة، أو التحالف. ومن يوجّه بوصلته إلى مواطن الضعف قد يعرفها قبل صاحبها؛ فإذا وقعت الضربة اكتشف المتأخر أن علاج الخلل بعد وقوعه أغلى من منعه.

هذا ما يجعل المشروع الإيراني وأذرعه المسلحة خطرًا يتجاوز حدود الصاروخ والمسيّرة. فالقضية ليست في سلاحٍ يُطلق من موضعٍ واحد، بل في توزيع الأدوار بين جبهاتٍ وأدواتٍ مختلفة، حتى تبقى المنطقة في حال استنزافٍ دائم: تهديدٌ للمدن والمنشآت، وقلقٌ على الممرات، وكلفةٌ متصاعدة لحماية الأجواء والبحار.

والحوثي مثالٌ صارخ على هذا النمط؛ إذ لم تعد القضية اليمنية تُدار في حدود اليمن وحده، بل تحولت إلى منصةٍ لرسائل إقليمية تمسّ أمن الملاحة والبحر الأحمر ومصالح المنطقة والعالم. أما الاعتداءات الأخيرة، فليست ضرباتٍ ميدانيةً فحسب؛ إنها رسائل عسكرية تقيس سرعة الرد، وتختبر الدفاعات، وتختبر مدى استعداد العالم لحماية ممراته ومصالحه.

وما يطال الأردن يختصر هذه الحقيقة. فدولةٌ عربية لم تطلب أن تكون طرفًا في صراع الآخرين، تصبح أجواؤها وأمنها جزءًا من رسائل الحرب. وهذه الرسالة لا تخص الأردن وحده؛ فأمنه من أمن محيطه، كما أن أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية ليس شأنًا محليًا لأي دولةٍ بمفردها.

لقد حُسمت خلال هذه الأشهر إجراءاتٌ كثيرة، وتعززت دفاعات، وتبدلت حسابات، وانكشفت قدرات؛ لكن أثر الحرب يظل قائمًا ما دامت مشتعلة. والأثر الأخطر ليس ما يصيب هدفًا عسكريًا، بل ما يتسلل إلى الاقتصاد وثقة الناس وحركة التجارة والاستثمار. فالحرب التي تعجز عن الحسم السريع قد تراهن على إنهاك الزمن.

وهنا تتغير قناعات العالم. فسفينة الشرق الأوسط لا تحمل هموم المنطقة وحدها؛ في صندوقها الأسود شفرات الاقتصاد العالمي: الطاقة، والملاحة، وسلاسل الإمداد، وأسعار الغذاء والنقل والتأمين. وأي خرقٍ فيها لا يهدد مقصورةً واحدة، بل يهدد ركاب السفينة جميعًا. ولذلك، سيجد من رسم خرائط غير الواقع نفسه مضطرًا إلى حماية الاستقرار؛ لا تفضّلًا على المنطقة، بل حمايةً لمصالحه، على طريقة: مجبرٌ أخاك لا بطل.

لكن المطلوب عربيًا ألا ننتظر هذا الإدراك الخارجي. فالحل ليس في اختراع تحالفٍ جديد كلما اشتعلت أزمة، بل في جعل التحالفات القديمة والحديثة تعمل في منظومةٍ واحدة: قرارٌ سياسي لا يتضارب، وإنذارٌ مبكر لا يتأخر، ودفاعٌ جوي وبحري متكامل، ومعلومةٌ تُشارك فورًا، وإمدادٌ لوجستي وصناعةٌ دفاعية تحفظ القدرة على الاستمرار. فالفراغ بين تحالفين ليس مساحةً محايدة، بل نافذةٌ يستغلها الخصم.

أما إطالة الحرب، فتكشف وجهها الآخر: اقتصادُ الدخان. سلاحٌ يُباع، وتأمينٌ يرتفع، وطاقةٌ تضطرب، وإعمارٌ ينتظر الخراب. ليست كل حربٍ صُنعت من أجل الربح، لكن استمرارها يصنع مستفيدين لا يرون في السلام مصلحةً عاجلة.

ومن يعتقد أن إيران هي فرس الرهان القادرة على قيادة مستقبل المنطقة، فعليه أن يحمل حقائبه الدبلوماسية والعسكرية ويتقاعد؛ فالقوة التي تبني حضورها على الأذرع والتهديد والاستنزاف قد تؤذي، لكنها لا تصنع أمنًا، ولا تقود إقليمًا، ولا تحمي سفينةً تتسع للعالم.

صندوق العالم الأسود لا ينبغي أن يسجل لحظة السقوط؛ بل أن يحفظ مفاتيح منعها: معرفة الثغرات قبل الخصم، وحماية الظهر، ومنع أمن العرب والعالم من أن يتحول إلى سوقٍ لتجار الحرب.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى