الأميرة سارة بنت عبدالله.. حين يتحول العطاء إلى ذاكرة لا تغيب

▪︎ واتس المملكة

.

في مكانٍ تعبره طالبات جامعة الملك سعود يومياً بحثاً عن المعرفة، يستقر اسم امرأة رحلت قبل أكثر من نصف قرن، البعض لا يعرف الحكاية التي يحملها ذلك الاسم، ولا أن الأرض التي قامت عليها أجزاء من هذا الصرح التعليمي ارتبطت يوماً بامرأة اختارت أن تهبها للعلم.

الأميرة سارة بنت عبدالله بن فيصل بن تركي آل سعود، التي بقي أثرها ممتداً بعد رحيلها من خلال أوقافها ومبادراتها في خدمة العلم وطلاب العلم والمحتاجين، إذ أوقفت جزء من أرضها للجامعة، وتبرعت بمكتبتها لطلاب العلم لتصبح متاحة للجميع.

أوقفت جزءًا من أرض جامعة الملك سعود ووهبت مكتبتها لطلاب العلم

وفي وقت يحتفي فيه العالم بالعمل الخيري، الذي يوافق الخامس من سبتمبر من كل عام، نستعيد سيرتها من جديد عبر إصدار توثيقي تدشنه هيئة تطوير بوابة الدرعية بالشراكة مع جامعة الملك سعود، يتناول مسيرتها ودورها الاجتماعي وإسهاماتها في مجالات العلم والوقف والعطاء، في محاولة لإعادة قراءة حياة امرأة لم يكن العطاء بالنسبة إليها مناسبة عابرة، بل نهجاً امتد إلى تفاصيل حياتها وما تركته وراءها.

وُلدت الأميرة سارة في الرياض في عام 1294هـ (1877م) -مع خلاف في تاريخ ميلادها الدقيق- ونشأت في بيت الإمام عبدالله بن فيصل بن تركي، ثالث أئمة الدولة السعودية الثانية، في بيئة كان فيها العلم والعناية بالعلماء والعمل الوقفي جزءاً من المشهد الاجتماعي والثقافي.

كان والدها معروفاً بكرمه ومحبته للعلم والعلماء، وبإسهاماته في الأوقاف العلمية، وهي قيم لم تكن بعيدة عن البيئة التي تشكلت فيها شخصية ابنته.

لكن طفولة الأميرة سارة حملت فقداً مبكراً، إذ توفيت والدتها رقية بنت شايع الفجري وهي في سن صغيرة، فتولت رعايتها طريفة بنت عبيد بن رشيد، إحدى زوجات والدها.

وبعد انتقال الإمام عبدالله وزوجته طريفة إلى حائل، انتقلت الأميرة سارة لتعيش في رعاية عمتها الجوهرة بنت الإمام فيصل بن تركي في الرياض.

كانت الأميرة الجوهرة أكثر من مجرد قريبة تولت رعاية طفلة، فقد كانت شخصية محبة للعلم، ملمّة بالعلوم الشرعية والتاريخ والسير، ولها عناية بالأوقاف العلمية وطلاب العلم، وفي محيط كهذا، وجدت الأميرة سارة قدوة نسائية قريبة منها، ونشأت على قيم ستظهر ملامحها لاحقاً في حياتها.

تضم مكتبة الأميرة سارة مؤلفات ومراجع في الحديث والفقه والسيرة والعقيدة بجانب اللغة والأدب

حفظت القرآن الكريم وعدداً من النصوص الفقهية والأحاديث النبوية، ولم يبق العلم بالنسبة إليها معرفة شخصية، بل تحول مع مرور السنوات إلى أحد الأبواب التي أرادت أن يمر منها الآخرون أيضاً.

كان للكتب مكان خاص في حياة الأميرة سارة، حرصت على اقتناء الكتب بنفسها خلال دراستها في حلقات العلم، وجمعت مؤلفات ومراجع في الحديث والفقه والسيرة والعقيدة، إلى جانب اللغة والأدب.

لكن القيمة الأبرز لم تكن في جمع الكتب، بل في القرار الذي اتخذته تجاهها، فقد أوقفت عدداً منها لطلاب العلم والباحثين، لتنتقل الكتب من كونها مقتنيات خاصة إلى مصدر معرفة متاح للآخرين.

وفي زمن لم تكن فيه مصادر المعرفة متاحة بسهولة كما هي اليوم، كان وقف الكتاب يعني أن المعرفة يمكن أن تنتقل من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل، ولذلك فإن الوقف العلمي الذي ارتبط باسمها لم يكن مجرد مجموعة من الكتب، بل صورة من صور إيمانها بأن العلم من أكثر الميادين التي يستحق الإنسان أن ينفق فيها مما يملك.

على الضفة الأخرى من عطائها، تقف مزرعة الدريبية جنوب الدرعية، كانت المزرعة من أكبر المزارع وأخصبها في وقتها، وتقع في شعيب السرحية، أحد روافد وادي حنيفة التاريخي، امتلكتها الأميرة سارة، لكنها لم تتعامل معها بوصفها ملكية تنتهي فائدتها عند حدودها الشخصية، بل أوقفتها للنفع العام، وتبرعت في حياتها بأجزاء منها لأشخاص محتاجين، ولمن طلب أرضاً يعيش عليها أو يستثمرها.

كان العطاء هنا يأخذ شكلاً ملموساً، أرض يمكن أن تصبح سكناً، أو مورداً للرزق، أو فرصة لبداية جديدة، وما يزال جزء من مزرعة الدريبية قائماً حتى اليوم، شاهداً على مرحلة من تاريخ المكان وعلى أثر امرأة اختارت أن تحول جزءاً مما تملك إلى منفعة للآخرين.

لكن قصة الأرض ستأخذ بعداً آخر بعد ذلك حين أصبحت أجزاء من أرض مزرعة الدريبية ضمن نطاق جامعة الملك سعود، عُرض على الأميرة سارة تعويض مادي كبير مقابل جزء من الأرض، كان بإمكانها أن تقبل التعويض، وأن تتحول الأرض إلى قيمة مالية تعود إليها، لكنها اختارت طريقاً آخر، رفضت العرض ووهبت الأرض للجامعة دون مقابل، وقالت عبارتها التي تختصر جانباً كبيراً في العطاء “أنا للعلم ولطلبة العلم”.

الدرعية وجامعة الملك سعود تصدران وثائقيًا لسيرة الأميرة سارة وإسهاماتها في الوقف والعلم والعطاء

مع مرور السنوات، التقت فكرتها القديمة بمؤسسة تعليمية تستفيد من الأرض في بناء المعرفة، وصدر توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود بإطلاق اسمها على المكتبة المركزية في المدينة الجامعية للطالبات، وأصبح الاسم الجديد للمكتبة “مكتبة الأميرة سارة بنت عبدالله بن فيصل آل سعود”.

في ذلك المشهد، يلتقي الماضي بالحاضر بطريقة تكاد تختصر سيرتها كلها امرأة أوقفت الأرض للعلم، ثم أصبح اسمها بعد عقود على مكتبة تخدم العلم.

تكشف سيرة الأميرة سارة جانباً من تاريخ المرأة السعودية لا يرتبط فقط بالحياة الأسرية أو الاجتماعية، وإنما بدورها في الوقف والعلم وخدمة المجتمع، فمشاركتها في هذا المجال لم تبدأ في زمن المؤسسات الحديثة، وإنما في مرحلة تاريخية كانت فيها المرأة جزءاً من منظومة اجتماعية تقوم فيها الأوقاف بدور مهم في خدمة الناس والعلم.

وتأتي تجربتها ضمن سياق أوسع من إسهامات النساء في تاريخ الدولة السعودية، ومن بين النماذج التي سبقتها الأميرة موضي بنت سلطان، وغيرها من النساء اللاتي ارتبطت أسماؤهن بأعمال الخير والعطاء.

بعد عقود، يعود اسمها إلى الواجهة من خلال إصدار يوثق سيرتها ودورها الاجتماعي وإسهاماتها في الوقف والعلم والعطاء، في شراكة بين هيئة تطوير بوابة الدرعية وجامعة الملك سعود، ضمن اهتمام بتوثيق الشخصيات التاريخية المرتبطة بتاريخ الدولة السعودية وإثراء المحتوى المعرفي والتاريخي.

وتكتسب هذه العودة دلالة خاصة لأنها تتزامن مع اليوم العالمي للعمل الخيري، ربما تختصر قصة الأميرة سارة معنى الوقف في أبسط صوره أن يعطي الإنسان شيئاً يملكه اليوم ليبقى نفعه غداً.

من مزرعة الدريبية التي جعلتها للنفع العام، إلى الأراضي التي وهبتها للعلم، والكتب التي أوقفتها لطلاب العلم والباحثين، وصولاً إلى مكتبة تحمل اسمها في جامعة الملك سعود تتشكل سيرة امرأة لم تجعل قيمة ما تملك في امتلاكه، وإنما في قدرتها على أن تمنحه للآخرين.

ولهذا فإن توثيق سيرتها لا يستعيد شخصية من الماضي فحسب، بل يعيد التذكير بفكرة أقدم من المؤسسات الحديثة أن أثر الإنسان يمكن أن يستمر حين يتحول ما يملك إلى منفعة عامة.

وفي يوم يحتفي فيه العالم بالعمل الخيري، تبدو سيرة الأميرة سارة مثالاً على أن بعض العطاءات لا تحتاج إلى صاحبها كي تستمر، يكفي أن يبقى الكتاب في يد طالب علم، أو أن تستمر الأرض في خدمة مؤسسة تعليمية، أو أن يدخل طالب وطالبة إلى مكتبة تحمل اسم امرأة لم يلتقيا بها عندها لا يعود الاسم مجرد ذكرى بل يصبح أثراً حياً.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source akhbaar24

زر الذهاب إلى الأعلى