حكايات من الطريق (1) |

▪︎ واتس المملكة

.

تروي الكاتبة قصة امرأة مسنّة تعيش وحيدة في منزل ورثته عن زوجها، يعزِّز وحدتها انشغال ابنها المقيم في الطابق العلوي عنها وإهماله لقضاء أبسط حاجاتها، ما اضطرّها للاعتماد على المارة في شراء الخبز والدواء حتى رحلت في صمت. وتخلص القصة إلى أن معاناة الوالدين الحقيقية ليست في الفقر أو المرض، بل في قسوة الإ…

في أحد الأحياء القديمة، وعلى مقربة من منزلنا، كانت تقيم امرأة مسنّة أنهكها العمر وأثقلتها السنون. عاشت ما تبقى من أيامها في منزل صغير مكوّن من طابقين، ورثته بعد وفاة زوجها، ولم يكن يؤنس وحدتها سوى ابنها الوحيد، الذي كانت ترى فيه بقية العمر وسند الأيام.

غير أن الحياة لم تجرِ كما كانت تأمل. فكان الابن كثير الانشغال عنها، لا يكاد يجد لها وقتًا، وكانت كلما سنحت لها فرصة للحديث تشكو مرارة الوحدة، لا لأنها فقدت زوجها، ولكن لأنها بدأت تشعر بأنها تفقد ابنها أيضًا، وهو لا يزال على قيد الحياة.

ومضت الأيام، وتزوج الابن، فسكن مع زوجته في الطابق العلوي من المنزل نفسه. كانت المسافة بينهما لا تتجاوز درجات سلم، لكنها في الحقيقة كانت أبعد من ذلك بكثير. فما أقسى أن يكون الإنسان قريبًا بجسده، بعيدًا بقلبه، حاضرًا بمكانه، غائبًا باهتمامه.

وذات يوم، بينما كنت أسير في الطريق الذي يربط الحارات بعضها ببعض عائدة إلى منزلي، لفت انتباهي مشهد تلك العجوز وهي تقف في وسط الطريق، شاردة الذهن، كأنها تنتظر أحدًا لن يأتي. اقتربت منها وسألتها إن كانت تحتاج إلى شيء، فما إن رأتني حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة خجولة، وأخرجت من يدها المرتجفة بضعة ريالات، ثم قالت بصوت أنهكه التعب:

“أريد بعض الخبز من تلك البقالة، ولكنني لم أعد أقوى على السير إليها.”

نظرت إلى البقالة، فلم تكن تبعد سوى أمتار قليلة، لكنها بالنسبة لقدميها المتعبتين كانت مسافة شاقة لا تُحتمل. أخذت منها المال، وذهبت لأحضر لها ما أرادت، ثم عدت إليها. ما إن ناولتها الخبز حتى أضاء وجهها بفرحة صادقة، وأخذت تدعو لي بدعوات خرجت من قلب أنهكته الحاجة، لكنه لم يفقد الإيمان ولا الامتنان.

ومنذ ذلك اليوم، كنت أراها كثيرًا تقف في الطريق، تستوقف المارة لتقضي حاجاتها البسيطة؛ فهذا يشتري لها خبزًا، وذاك يجلب لها دواءً، وآخر يساعدها في حمل شيء. أما ابنها، الذي لم يكن يفصل بينه وبينها سوى طابق واحد، فكان بعيدًا عنها بقدر ما تكون القلوب الغافلة بعيدة عن الرحمة.

ومرت الأيام، ثم اختفت تلك المرأة فجأة. لم أعد أراها في مكانها المعتاد، ولم يعد الطريق يحمل صورتها كما كان. سألت عنها مرارًا، حتى جاءني الخبر الذي كنت أخشاه، رحلت في هدوء، وأسلمت روحها إلى بارئها.

رحمها الله

ويبقى السؤال المؤلم: كم من أبٍ أو أمٍ يعيشان اليوم المصير نفسه؟ ليس الفقر هو أشد ما يؤلمهما، ولا المرض، ولا ضعف الجسد، وإنما قسوة الإهمال، ووحشة الشعور بأنهما أصبحا عبئًا على أقرب الناس إليهما.

إن برّ الوالدين لا يُقاس بكثرة المال، ولا بعظمة الهدايا، وإنما يُقاس بحضور القلب، ولين الكلمة، والسؤال الدائم، والجلوس إلى جوارهما، وقضاء حاجاتهما قبل أن يطلباها. فما أعظم الحسرة حين يرحل الوالدان، ويكتشف الأبناء أن الزمن الذي كانوا يؤجلون فيه البر قد مضى إلى غير رجعة.

لقد علّمتني تلك العجوز درسًا لن أنساه ما حييت، أن الإنسان قد يحتاج في شيخوخته إلى رغيف خبز، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى قلب يشعر به، ويدٍ تمتد إليه، وابنٍ يرى في خدمة أمه شرفًا لا عبئًا، ونعمة لا تكليفًا.

رحم الله كل أمٍ وأبٍ رحلا وهما يتمنيان مزيدًا من البر والاهتمام، وألهم الأبناء أن يدركوا أن أعظم الفرص قد تكون في دقائق يقضونها إلى جوار والديهم، قبل أن يأتي يوم لا يبقى فيه سوى الذكريات والدعاء.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى