مثاليون في الخارج.. مقصرون في البيت

▪︎ واتس المملكة

.

يتناول المقال ظاهرة تفاني بعض الأبناء في خدمة زملائهم وأصدقائهم خارج المنزل، مقابل تقصيرهم في برّ آبائهم والقيام بواجباتهم الأسرية، ويصفها بالانفصام الاجتماعي والأسري المرتبط بالبحث عن التقدير الخارجي وسهولة التساهل مع حقوق الأقربين. ويؤكد أن المشكلة ليست غياب الحب بل غياب الأولوية، محذراً من استنزا…

تأمل معي هذا المشهد المتكرر في تفاصيل حياتنا المعاصرة؛ شاب يقضي يومه متفانياً في عمله، يبادر بابتسامة دافئة لمساعدة زملائه، ويسارع لنجدة صديق تعطلت سيارته ليلاً، ليكون في محيطه الخارجي نموذجاً للشخص الخدوم الذي يثني الجميع على نبل أخلاقه وإخلاصه، لكن المفارقة الصادمة تظهر حين يطأ عتبة منزله، حيث يخلع قناع المبادرة ليتحول إلى شخص متكاسل يتأفف من طلبات والده ويهمل واجباته الأساسية تجاه أسرته ورعاية شؤون بيته. هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها بالانفصام الاجتماعي والأسري، باتت تؤرق الكثير من الآباء وتطرح تساؤلاً جوهرياً حول الأسباب التي تجعل الأبناء يمنحون أفضل ما لديهم للغرباء ويبخلون بأقل القليل على أقرب الناس إليهم.

يكمن التفسير النفسي الأول لهذه المعضلة في طبيعة المكافأة الاجتماعية، ففي بيئة العمل أو مع الأصدقاء يحظى الابن بالمديح الفوري وعبارات الشكر الدافئة والتقدير الذي يغذي شعوره بالإنجاز والأهمية، وهذا الثناء الخارجي يعمل كحافز قوي يدفعه لتقديم المزيد وتجشم الصعاب لإرضاء محيطه، في حين يُنظر إلى المساعدة داخل المنزل ومراعاة احتياجات الأب على أنها تحصيل حاصل أو واجب مفروض لا يستوجب التصفيق، مما يجعل الابن يستسهل الاعتذار بالانشغال أو الإرهاق معتبراً أن الأهل سيعذرونه دائماً لأن حبهم له مضمون ولا يتغير، وهو فخ نفسي يسقط فيه الكثير من الشباب اليوم.

إن إهمال شؤون الأب واحتياجات المنزل لا يعني بالضرورة غياب الحب، بل يعكس غالباً غياب الأولوية، حيث يتعامل بعض الأبناء مع الوالد وكأنه جدار ثابت في المنزل لا يتأثر بعوامل الزمن، متناسين أن تقدم العمر يصحبه وهن جسدي وحاجة نفسية عميقة للشعور بالاستناد على الأبناء، وعندما يرى الأب ابنه يتفانى في خدمة رفقائه ويقصر في قضاء حوائجه البسيطة، يتولد لديه شعور بالمرارة والغربة داخل بيته، فالأب لا يحتاج فقط إلى من يشتري مستلزمات المنزل، بل يحتاج إلى ذلك الاهتمام النابع من المبادرة والذي يثبت له أن تربيته لم تذهب سدى وأن لديه سنداً يعتمد عليه دون أن يضطر للطلب أو الإلحاح.

ومن الأخطاء الفادحة في ميزان العلاقات الإنسانية أن يستهلك الإنسان كامل طاقته الصبرية والجسدية والابتسامية في الخارج، ليعود إلى منزله بجسد منهك وروح عابسة وطاقة منعدمة، فهذا السلوك يعكس خللاً كبيراً في ترتيب الأولويات الأخلاقية لأن الأقربين أولى بالمعروف، والجهد المبذول في التودد للناس يجب أن يبدأ أولاً من الحلقة الضيقة والأساسية في حياة الإنسان، فمعيار الأخلاق الحقيقي والمجرد لأي إنسان يظهر دائماً خلف الأبواب المغلقة حيث لا توجد كاميرات تصوير ولا مدير يراقب ولا زملاء يصفقون، وهناك تحديداً يتضح المعدن الأصيل للابن.

إن النجاح في الحياة المهنية والاجتماعية مكسب كبير، لكنه يظل نجاحاً منقوصاً وأعرج إذا بُني على حساب هدم الجسر الأسري وإهمال الوالدين، ولكي يستعيد الأبناء توازنهم عليهم إدراك أن البيت ليس مجرد فندق للنوم وشحن الهواتف بل هو مؤسسة مشتركة تتطلب توزيعاً عادلاً للمسؤوليات، وأن البر الحقيقي يتطلب توظيف المهارات التنظيمية والذكاء الاجتماعي لتفقد رغبات الأب واحتياجات المنزل قبل أن يُضطر لقولها، ففي النهاية لن يتذكرك زملائه في العمل بعد سنوات من مغادرتك للمنصب، ولن ينفعك ثناء عابر من صديق انشغل بحياته الخاصة، لكن نظرة الرضا في عين والدك والدعاء الصادق الذي يخرج من قلبه وهو يراك سنداً له في كبره هو الاستثمار الحقيقي الباقي والبركة التي ستفتح لك أبواب التوفيق في كل مكان.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى