الوعي.. أن ترى لا أن تعرف فقط

▪︎ واتس المملكة
.
يؤكد المقال أن كثرة المعرفة والتعليم لا تعني بالضرورة معرفة الإنسان لنفسه، فهناك فرق بين إدراك المعلومات عن المشاعر والسلوك، وبين ملاحظة ما يحدث لنا فعلياً في لحظته. يوضح الكاتب مفهوم الوعي بالذات وما وراء المعرفة بوصفهما قدرة الإنسان على رؤية أفكاره ومشاعره وتفاعلاته وتأثيرها في الآخرين، لا مجرد ال…
نلتقي في حياتنا بأشخاص يعرفون الكثير. تتسع أحاديثهم لموضوعات شتى، يقرأون، ويتعلمون، ويملكون من المعرفة ما يجعل الجلوس معهم ثرياً وممتعاً. وقد يحمل أحدهم شهادات عالية، أو خبرة طويلة، أو ثقافة تراكمت عبر سنوات من القراءة والتجربة. ومع ذلك، قد نكتشف مع الوقت أن معرفة الإنسان بالكثير من الأشياء لا تخبرنا بالضرورة عن مقدار معرفته بنفسه.
وقد يعرف العالم من حوله جيداً، لكنه لا ينتبه إلى نفسه حين يغضب. يفهم دوافع الآخرين، لكنه لا يرى بسهولة ما الذي يحركه هو. يستطيع أن يحلل موقفاً معقداً بدقة، وحين يصبح طرفاً فيه تضيق زاوية الرؤية، وكأن بعض ما في الإنسان يصبح أصعب على الرؤية كلما كان أقرب إليه.
وربما لهذا يلفتنا أحياناً النقيض، شخص لم يحظَ بالقدر نفسه من التعليم أو المعرفة، لكننا نشعر أمامه بشيء مختلف. يعرف نفسه. لا يملك بالضرورة كلمات كثيرة ليشرح ذلك، لكنه يعرف أن غضبه يحتاج إلى وقت قبل أن يتكلم، وأن بعض المواقف تستفزه أكثر من غيرها، وأنه قد يخطئ حتى حين تكون نيته جيدة. يستطيع أن يقول “أنا غلطت”، دون أن يشعر أن شيئاً من قيمته قد سقط. ويعرف أن في الحياة أشياء لا يستطيع تغييرها مهما قاومها، فيتعلم أن يتعامل معها كما هي.
ربما لا يعرف ماذا نسمي كل ذلك، لكنه يراه. ولعل هذا ما جعلني أتوقف، في إحدى قراءاتي، عند معنى للوعي أعادني إلى هذه المفارقة. لم يكن الوعي فيه مرادفاً لكثرة المعلومات، ولا لاتساع المعرفة، بل للطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه وما يحدث داخله وحوله.
أعجبتني صورة تشبه الوعي بالنور في غرفة مظلمة. فحين نضيء الغرفة، لا نضيف إليها شيئاً جديداً. الأثاث هو نفسه، والجدران هي نفسها، وكل ما كان فيها موجوداً قبل أن نضغط مفتاح الضوء. ما تغير فقط أننا أصبحنا نراه. وربما يحدث شيء قريب من ذلك داخل الإنسان. فنحن نحمل أفكارنا ومخاوفنا وعاداتنا القديمة، ونكرر بعض ردود أفعالنا سنوات طويلة. وقد نعرف الكثير عن أنفسنا، لكن هناك فرقاً بين أن نعرف أن شيئاً موجود، وأن نراه وهو يحدث.
وهذا الفرق ليس مجرد فكرة تأملية، بل يمكن الإشارة إليه في علم النفس من خلال مفهوم الوعي بالذات (Self-awareness)، وهو أن ينتبه الإنسان إلى أفكاره ومشاعره وتصرفاته، ويدرك تأثيرها في الآخرين. وهناك أيضاً مفهوم ما وراء المعرفة (Metacognition)، أي أن نلاحظ ليس فقط ما نفكر فيه، بل كيف نفكر.
وهنا يظهر الفرق في تفاصيل صغيرة من حياتنا اليومية. أن أعرف أن الغضب يؤثر في قراراتنا معلومة، لكن أن أنتبه إلى غضبي في اللحظة التي أريد فيها اتخاذ قرار، فهنا يظهر الفرق. وقد أقرأ كثيراً عن أثر تجاربنا السابقة في علاقاتنا، ثم تمر بي ردة فعل تبدو أكبر من الموقف نفسه، فأتوقف وأسأل.. لماذا آلمني هذا تحديداً؟ أحياناً يبدأ الوعي من سؤال كهذا. وحتى الاعتذار الذي نعرف جميعاً أهميته، قد يكشف شيئاً عنا حين نستطيع أن نقول ببساطة “فكرت في كلامك، ويمكن عندك حق”.
ويظهر هذا النوع من الوعي غالباً في مواقف صغيرة جداً. قد نراه في شخص يقول “إذا عصبت، أفضل ما أتكلم”. وفي آخر يعرف أن موضوعاً معيناً حساس بالنسبة له، فلا يثق تماماً في حكمه عليه وهو منزعج. وقد يظهر في لحظة يتوقف فيها الإنسان عن الدفاع عن نفسه، ويسمح لاحتمال بسيط أن يمر في ذهنه.. ماذا لو كنت أنا أيضاً جزءاً من المشكلة؟ هذه اللحظات لا تخبرنا كم قرأ الإنسان، لكنها تخبرنا بشيء عن المسافة بينه وبين نفسه.
لكن النظر إلى الداخل لا يعني بالضرورة أننا نرى أنفسنا بوضوح. قد ننشغل طويلاً بموقف واحد، نعيد كلماته ونسترجع تفاصيله ونسأل عمّا كان ينبغي أن نقوله، ثم نبقى ندور حوله دون أن نقترب من فهم أنفسنا فعلاً. فالاجترار قد يبدو تأملًا، لكنه في الحقيقة دوران في المكان لا يكشف شيئاً.
ولعل الفرق أن الوعي لا يطلب منا أن نفكر في أنفسنا أكثر، بقدر ما يدعونا إلى أن نراها أوضح. أن أرى ضعفي دون أن أحتقر نفسي بسببه، وأعترف بخطئي دون أن أبحث سريعاً عن مبرر له. وأن أنتبه إلى مشاعري، لكن دون أن أفترض أن كل ما تقوله لي حقيقة. وربما الأصعب من ذلك كله، أن أسمح لنفسي باكتشاف أن الصورة التي كوّنتها عن ذاتي ليست كاملة.
وحين ننظر إلى الوعي بهذه الطريقة، نعود تلقائياً إلى المفارقة التي بدأنا منها: ما الذي تصنعه المعرفة، وما الذي يحتاج إلى شيء أبعد منها؟ فالتعليم مهم، والمعرفة توسع أفق الإنسان، والقراءة تمنحنا كلمات وأفكاراً لم تكن لدينا. وقد تكون جميعها أبواباً واسعة نحو فهم أعمق لأنفسنا. لكنها تظل أبواباً، والعبور منها شيء آخر.
لهذا قد نلتقي أحياناً بإنسان بسيط في معرفته، لكنه قريب من نفسه على نحو لافت. يعرف أين يضعف، وما الذي يغضبه، ومتى يحتاج إلى التراجع، وما الذي يستطيع تغييره، وما الذي عليه أن يتعلم العيش معه. وقد نلتقي بمن يعرف الكثير، لكن بينه وبين نفسه أماكن لم يصل إليها بعد.
ربما يكون في الأمر تذكير بأن للإنسان رحلتين قد تسيران معاً، وقد ت إحداهما الأخرى. رحلة يتعرف فيها إلى العالم، ورحلة يتعرف فيها إلى نفسه. نمضي في الأولى نجمع ما نستطيع من معرفة وخبرة وكتب وأفكار، وتتسع الغرفة شيئاً فشيئاً. لكن اتساع الغرفة وحده لا يكفي. نحتاج بين حين وآخر إلى أن نضيء الغرفة، وننظر بهدوء إلى ما جمعناه، وإلى ما أخفيناه، وإلى الأشياء التي كانت أمامنا طوال الوقت ولم نكن نراها.
فربما لا يكون الوعي أن نعرف أكثر فقط، بل أن يصبح في داخلنا ما يكفي من الضوء لنرى أنفسنا ونحن نعيش هذا العالم.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq