جدة متحف مفتوح: مجسمات تروي تاريخ «عروس البحر الأحمر»

▪︎ واتس المملكة
.
تقدّم جدة تجربة رائدة في توظيف الفن بالفضاء العام عبر مئات المجسمات والأعمال البصرية المنتشرة في شوارعها وواجهتها البحرية، مثل مجسم السيف ومجسم سرعة جنونية، لتشكّل هوية بصرية مميزة تربط السكان والزوار بالمكان، وتعزز جودة الحياة ضمن مشروعات تطوير المشهد الحضري.
تتحول شوارع جدة وميادينها إلى متحف مفتوح تحت السماء، إذ تتوزع على امتداد واجهتها البحرية وكورنيشها أعمال فنية ومجسمات جمالية صنعت هوية بصرية فريدة للمدينة، تجمع بين إبداع فنانين عالميين وموروث محلي أصيل، حتى باتت لا تحتاج إلى قاعة عرض لتقديم الفن لزوارها.
وتتميز جدة بتجربة مبكرة في توظيف الفن داخل الفضاء العام؛ إذ لم تكن المجسمات مجرد عناصر تجميلية للميادين، بل تحولت إلى علامات بصرية تساعد على التعرف إلى المواقع، وتمنح الشوارع شخصية مميزة، وتربط الحركة اليومية للمدينة بالفن المعاصر.
ومن أبرز الأعمال التي ارتبطت بذاكرة جدة مجسم «السيف» في شارع الأمير محمد بن عبدالعزيز، الذي صممه الفنان البلجيكي هوبرت منيبو عام 1982م، ويبلغ ارتفاعه 15 مترًا، وصُنع من النحاس المدعم داخليًا بالفولاذ بوزن يقارب 3.5 أطنان، ليظل بعد أكثر من أربعة عقود شاهدًا على حضور الفن العالمي في الفضاء الحضري لجدة.
وعلى امتداد الكورنيش، تتخذ الأعمال الفنية سياقًا مختلفًا؛ فالبحر الذي يُشكّل أحد أبرز عناصر هوية المدينة أصبح خلفية طبيعية لمجموعة من الأعمال التي تتفاعل مع الضوء والفضاء والحركة. وقد وثّقت وكالة الأنباء السعودية «واس» مئات المجسمات الموزعة في جدة، من بينها أعمال ارتبطت بأسماء فنانين عالميين، وأخرى استلهمت موضوعاتها من الحياة والبحر والفضاء والرموز الوطنية.
وتكشف قصة بعض هذه الأعمال أن المجسم الجمالي يمكن أن يتجاوز وظيفته البصرية ليحمل رسالة أو فكرة؛ فمجسم «سرعة جنونية» الذي صممه الفنان الإسباني خوليو لافونتي في ثمانينيات القرن الماضي، استخدم لغة فنية رمزية للتحذير من مخاطر السرعة والقيادة المتهورة، وظل 38 عامًا من العلامات البصرية المعروفة في جدة، قبل أن يغادر موقعه في الكورنيش الشمالي لإفساح المجال أمام مشروع حلبة كورنيش جدة.
وفي مشهد جدة الحديث، لم يعد تحسين الصورة البصرية للمدينة مرتبطًا بالمجسمات وحدها، بل اتسع ليشمل الجداريات والفنون البصرية وتصميم الفراغات العامة، ضمن توجه يدمج الفن بالعمارة والتخطيط الحضري، ويمنح السكان والزوار فرصة الوصول إلى الأعمال الفنية في الأماكن التي يستخدمونها يوميًا.
وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة في مدينة ذات امتداد تاريخي وثقافي كجدة؛ فالفن الموجود في الشارع لا يعيش منفصلًا عن المكان، بل يتجاور مع العمارة التاريخية والأسواق والمباني الحديثة والكورنيش، ليشكّل مزيجًا بصريًا يعكس تحولات المدينة من ميناء تاريخي إلى مركز حضري وسياحي وثقافي نابض بالحياة.
ومع التطور المتسارع الذي تشهده جدة، تبدو المجسمات القديمة أشبه بصفحات مفتوحة من تاريخ المدينة؛ بعضها ما زال حاضرًا في موقعه، وبعضها تغيّر موقعه أو اختفى نتيجة التطوير الحضري، غير أن صورته بقيت راسخة في ذاكرة السكان، مما يؤكد أن قيمة العمل الفني لا تُقاس بحجمه أو عمره فقط، وإنما بقدرته على صناعة علاقة حقيقية بين الإنسان والمكان.
وتُضيف أعمال تطوير المشهد البصري طبقات جديدة إلى هذه التجربة، عبر توظيف الفنون في الطرق والمماشي والميادين والمواقع العامة، بما يعزز جودة الحياة ويجعل الفن أكثر قربًا من المجتمع، ويرتقي بالطابع الحضاري للمدينة ويُعمّق تكامل الفن والعمارة والمجال العام.
وتبقى جدة، بما تحتضنه من أعمال فنية في فضاءاتها العامة، مدينة يمكن قراءة جانب من قصتها عبر شوارعها وميادينها؛ حيث تتجاور أعمال من عقود مختلفة مع ملامح المدينة المتجددة، في مشهد يجعل الفن لغة أخرى تروي حكاية «عروس البحر الأحمر» دون كلمات.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq