حضوري.. حين تتحول الثقة بالمعلم إلى قرار

▪︎ واتس المملكة
.
مقال الرأي يؤيد توجّه وزارة التعليم لمراجعة منصة «حضوري» وإنهاء دوام المعلم بانتهاء اليوم الدراسي وفق خطة كل مدرسة، معتبرًا أن هذا القرار يعيد تعريف العلاقة بين الوزارة والمعلم على أساس «الثقة مقابل المسؤولية» لا «الوقت مقابل الحضور». ويشدد الكاتب على أن جودة المعلم يجب أن تُقاس بالأثر التعليمي والت…
ليس كل حضورٍ إنجازًا، وليس كل دقيقةٍ يقضيها الموظف داخل مقر عمله تعني بالضرورة أنه قدّم قيمة إضافية.
وفي التعليم تحديدًا، تبدو المعادلة أكثر وضوحًا؛ فالمعلم لا تُقاس رسالته بعدد الدقائق التي يظهر فيها اسمه في نظام الحضور والانصراف، وإنما بما يتركه في عقل الطالب وشخصيته، وما يقدمه داخل الفصل وخارجه من تعليم وتوجيه وتربية.
ومن هنا تأتي أهمية ما أعلنه وزير التعليم بشأن مراجعة منصة «حضوري»، والتوجه إلى أن ينتهي حضور المعلم في المدرسة بانتهاء اليوم الدراسي وفق خطة كل مدرسة.
هذا القرار، في تقديري، أكبر من مجرد تعديل إجراء إلكتروني؛ لأنه يعيد تعريف العلاقة بين الوزارة والمعلم من زاوية مختلفة: الثقة مقابل المسؤولية.
المعلم الذي يدخل المدرسة يوميًا ليؤدي رسالته، ويقف أمام طلابه، ويخطط لدروسه، ويتابع مستوياتهم، ويشارك في أعمال المدرسة، لا يحتاج إلى أن تكون الثقة به مرتبطة بدقائق إضافية بعد انتهاء اليوم الدراسي.
لقد كان النقاش حول «حضوري» في كثير من الأحيان يتجاوز فكرة الانضباط إلى سؤال أكثر أهمية: هل نقيس جودة المعلم بالوقت أم بالأثر؟
والإجابة التي يفترض أن تقود المرحلة المقبلة هي: بالأثر.
نحن أمام منظومة تعليمية تتغير بسرعة، ومناهج تتطور، وتقنيات تدخل الفصل، ومهارات جديدة يحتاجها الطالب. وفي ظل هذه التحولات، فإن أفضل ما يمكن أن نمنحه للمعلم هو بيئة عمل واضحة، ومساحة من الثقة، ومسؤولية محددة، ومحاسبة عادلة عندما يكون هناك تقصير.
لكن الثقة لا تعني التراخي.
وهذه نقطة جوهرية يجب ألا تُفهم خطأ.
فالقرار لا يمنح المعلم إعفاءً من مسؤولياته، ولا يعطي المدرسة حق التنازل عن الانضباط، وإنما يضع إطارًا أكثر وضوحًا: ينتهي دوام المعلم بانتهاء اليوم الدراسي وفق خطة المدرسة، وتبقى المسؤوليات المهنية قائمة في حدود التنظيم والمهام الموكلة إليه.
والأهم من القرار نفسه هو طريقة تطبيقه.
فالمدرسة ليست مؤسسة تعمل بنظام واحد جامد؛ لكل مدرسة ظروفها، ولكل مرحلة احتياجاتها، ولكل مدير ومديرة واقع مختلف. ولذلك فإن منح المدارس مساحة أكبر في التنظيم يمكن أن يكون عنصر قوة، إذا اقترن بالمساءلة والحوكمة، وليس مجرد نقل للصلاحيات.
وفي المقابل، على المعلم أن يدرك أن الثقة مسؤولية قبل أن تكون ميزة.
فمن يحصل على مساحة أكبر من الحرية المهنية، مطالب بمستوى أعلى من الالتزام، ومنح الطالب حقه كاملًا، والتعاون مع إدارة المدرسة، وعدم تحويل القرار إلى ذريعة للتقصير أو الغياب عن المهام.
وهنا يمكن أن نصل إلى المعادلة التي نحتاجها فعلًا:
لا نريد معلمًا يراقب الساعة.. نريد معلمًا يصنع الأثر.
ولا نريد مدرسة تقيس نجاحها بعدد سجلات الحضور فقط، بل بانتظام العملية التعليمية، وانضباط الطلاب، وجودة المخرجات، ورضا الأسرة، وقدرة المدرسة على صناعة بيئة تعليمية جاذبة.
إن إصلاح التعليم لا يبدأ دائمًا من المناهج أو المباني أو المنصات؛ أحيانًا يبدأ من رسالة بسيطة يشعر معها المعلم أن الوزارة تثق به، وأنها في الوقت نفسه ستحاسبه على أدائه.
وهذا ما يجعل قرار «حضوري» فرصة لإعادة بناء العلاقة المهنية داخل المدرسة.
الثقة لا تلغي الرقابة، والانضباط لا يعني التضييق، وقياس الأداء لا ينبغي أن يتوقف عند جهاز الحضور.
المرحلة الجديدة تحتاج معلمًا مسؤولًا، ومديرًا مُمكّنًا، ووزارة تستمع، ومدرسة تملك صلاحية اتخاذ القرار، وفي النهاية طالبًا يحصل على تعليم أفضل.
وإذا نجحنا في تحويل «حضوري» من نظام لمراقبة الوقت إلى ثقافة لقياس الأثر، فسنكون أمام خطوة صغيرة في شكلها، لكنها كبيرة في معناها.
فالمدرسة التي تثق بمعلمها.. تستطيع أن تطلب منه الكثير.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq