العاجل الذي أكل يومنا |

▪︎ واتس المملكة

.

المقال يناقش تحول كلمة «عاجل» من استثناء يرتبط بالأزمات والفرص الحقيقية، إلى قاعدة يومية في بيئات العمل تفقد معها المؤسسات قدرتها على ترتيب الأولويات. يوضح أن ثقافة الاستعجال تخلق وهمًا بالإنجاز بينما تستهلك طاقة الموظفين وتقلّص مساحة التركيز والعمل العميق، ما يؤدي إلى فرق تعمل باستمرار في وضع الاست…

في صباح أحد أيام العمل، قد يبدأ الموظف يومه وفي ذهنه ثلاث مهام رئيسية يعرف أنها الأهم يفتح بريده فيجد رسالة عنوانها «عاجل»، ثم تصله رسالة أخرى: «نحتاجه فورًا»، وبعد دقائق يأتيه طلب ثالث: «أولوية قصوى»، وقبل أن ينتصف اليوم يكون قد ترك مهامه الثلاث، وانشغل بخمس أولويات جديدة، جميعها عاجلة، وجميعها “بحسب أصحابها” لا تحتمل الانتظار.

المشكلة هنا ليست في وجود الأعمال العاجلة؛ فكل مؤسسة لديها أزمات ومواعيد نهائية وظروف استثنائية تستدعي سرعة التحرك، المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتصبح كلمة «عاجل» هي اللغة اليومية للعمل عندها لا نكون أمام مؤسسة سريعة، بل أمام مؤسسة بدأت تفقد قدرتها على ترتيب أولوياتها.

والأخطر أن ثقافة الاستعجال قد تمنحنا شعورًا زائفًا بالإنجاز الرسائل تتحرك بسرعة، والاجتماعات تُعقد تباعًا، والموظفون ينتقلون من مهمة إلى أخرى، والجميع يبدو مشغولًا؛ لكن كثرة الحركة لا تعني بالضرورة أننا نتحرك في الاتجاه الصحيح، وقد فرّق أستاذ القيادة في هارفارد جون كوتر بين «الإلحاح الحقيقي» وبين حالة النشاط المحموم التي تبدو كأنها سرعة، بينما تستهلك الطاقة دون أن توجهها نحو القضايا المهمة.

وهذا ما نراه أحيانًا في بيئات العمل: لا أحد يملك الوقت لأن الجميع مستعجل، ولا أحد ينجز المهم لأن الجميع منشغل بالعاجل.

بل إن دراسة حديثة نشرتها Harvard Business Review في يوليو 2026 وصفت حالة تعيشها القيادات اليوم بـ«الإلحاح المحيط»، حين تجعل التغيرات المستمرة وتزاحم المطالب كل شيء يبدو متساويًا في الأهمية وحين تتساوى الأولويات، فإن مفهوم الأولوية نفسه يفقد معناه.

وهنا تكمن مسؤولية القيادة فمن السهل أن يكتب المدير «عاجل» على كل طلب، لكنه بذلك ينقل مشكلة ترتيب الأولويات من مكتبه إلى فريقه الإدارة الحقيقية ليست القدرة على تسريع كل شيء، وإنما القدرة على اتخاذ قرار أصعب: ما الذي يستحق أن ي؟ وما الذي يستطيع الانتظار؟

فالوقت مورد محدود، وكل «نعم» لمهمة عاجلة هي في الحقيقة «لا» لمهمة أخرى ربما كانت أكثر أهمية وحين يعيش الموظف يومه متنقلًا بين الإشعارات والطلبات المفاجئة، تتراجع المساحة المتاحة للتفكير العميق والإبداع والعمل الذي يحتاج إلى تركيز وهذا تحديدًا ما تحذر منه أدبيات الإدارة حول «الإلحاح الزائف»: إذا أصبح كل شيء عاجلًا، تضيق مساحة العمل العميق والإبداعي وتصبح الثقافة أكثر تفاعلية مع الأحداث بدل أن تكون استباقية.

ولا يعني ذلك أن ندعو إلى البطء، فبعض الفرص لا تنتظر، وبعض الأزمات تحتاج قرارًا في دقائق بل إن المؤسسات الناجحة تحتاج إلى حس حقيقي بالإلحاح عندما يكون الأمر مهمًا لكن قيمة السرعة تأتي من قدرتنا على استخدامها في اللحظة الصحيحة، تمامًا كما تفقد صافرة الإنذار معناها إذا ظلت تعمل طوال اليوم.

ربما نحتاج داخل مؤسساتنا إلى إعادة الهيبة لكلمة «عاجل»، ألا تُستخدم إلا عندما يكون التأخير له أثر حقيقي، وأن نفرق بوضوح بين «مهم» و«عاجل»، وبين ما نرغب في إنجازه سريعًا وما يجب فعلًا إنجازه الآن.

لأن المؤسسة التي تعامل كل شيء باعتباره أولوية قصوى، لا تصنع موظفين أسرع بقدر ما تصنع فرقًا تعمل طوال الوقت في وضع الاستجابة وبعد فترة، تصبح السرعة عادة، والاستعجال ثقافة، والإرهاق نتيجة، بينما تتراجع الأعمال التي كانت تستحق وقتنا أصلًا.

ولعل السؤال الذي يستحق أن ي طلبنا القادم من أحد الموظفين ليس: متى تستطيع إنجازه؟

بل: هل هو فعلًا عاجل؟ أم أننا فقط اعتدنا أن يكون كل شيء عاجلًا؟

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى