«اجعلوا حماس البداية خطة عمل لا موجة عابرة».. عبدالعزيز العنزي يكتب عن الجرس الذي يفتتح رحلة بناء الإنسان

▪︎ واتس المملكة

.

يؤكد المقال أن بداية العام الدراسي لحظة نفسية قوية تحمل ما يسميه علم السلوك “أثر البداية الجديدة”، ويمكن تحويل حماسها إلى دافعية مستدامة إذا أحسن توظيفها. ويرسم الكاتب خريطة متكاملة للأدوار بين المعلم والإدارة والكادر الإداري والأسرة لبناء بيئة تعليمية آمنة ومحفزة، تُنمِّي عادات التعلم الجاد لدى الط…

مع أول أجراس العام الدراسي الجديد، يقدم الكاتب التربوي عبدالعزيز بن عبيد العنزي مقالة تمسك بأثمن ما في هذه الأيام: طاقة البداية. ينطلق من «أثر البداية الجديدة» الذي رصده علم السلوك، ليطرح السؤال الذي يغفل عنه الجميع وسط زحام التجهيز: لسنا بحاجة إلى من يعلمنا كيف نبدأ، بل كيف نحافظ على وهج البداية حين تمضي الأيام وتظهر أولى الصعوبات؟ ومن هناك يوزع الأدوار بعدل على المعلم والإدارة والكادر والأسرة، في خريطة دافعية متكاملة تجعل من الفصل الصغير نواة لرؤية وطن. فإلى نص المقالة:


حين يُقرَع جرس المدرسة… تبدأ رحلة بناء الإنسان

بقلم: عبدالعزيز بن عبيد العنزي

ليست بداية العام الدراسي مجرد موعد تعود فيه الحقائب إلى الأكتاف والطلاب إلى مقاعدهم؛ إنها لحظة نفسية لها قوة خاصة. فقد كشفت دراسة في علم السلوك عما سمّاه الباحثون «أثر البداية الجديدة»، إذ يزداد استعداد الإنسان للسعي نحو أهدافه بعد العلامات الزمنية البارزة، ومنها بداية أسبوع أو شهر أو عام أو فصل دراسي؛ لأنها تمنحه شعوراً بأن ما مضى أصبح خلفه، وأن أمامه فرصة ليبدأ بصورة أفضل. ولهذا فإن الحماس الذي يصاحب العودة إلى المدرسة ليس شعوراً عابراً، بل طاقة حقيقية يمكن للتربية أن تلتقطها وتحولها إلى انطلاقة جادة. لكن السؤال الأصعب ليس: كيف نبدأ؟ بل: كيف نحافظ على وهج البداية حين تمضي الأيام، وتزداد الواجبات، وتظهر أولى الصعوبات؟ فحماس الطالب قد يفتح له الباب، لكن العادات التي يبنيها، والمعلم الذي يحتضن قدراته، والمدرسة التي تهيئ له بيئة آمنة ومحفزة، هي التي تساعده على مواصلة الطريق.

وقبل أن يُقرَع جرس المدرسة، يكون العام الدراسي قد بدأ بالفعل داخل البيوت؛ حقيبة تُجهَّز، ودفاتر تُرتَّب، وساعات نوم تعود إلى انتظامها، وأحاديث أسرية تجمع بين الترقب والفرح والقلق. وفي المدارس تتسارع الاستعدادات لاستقبال الطلاب والطالبات، وتهيئة الفصول، واستكمال الجداول، وتوزيع المهام. غير أن الاستعداد الأهم لا يتعلق بجاهزية المبنى أو اكتمال المستلزمات وحدهما، بل بقدرتنا على تحويل طاقة البداية إلى دافعية تبقى حاضرة طوال العام، وتدفع الطالب إلى التعلم، والمعلم إلى العطاء، والمدرسة إلى التحسن المستمر.

فكل عام دراسي يُمنح أبناؤنا فرصة جديدة؛ ليس لأنه يمحو ماه، بل لأنه يفتح باباً لمراجعة التجربة وتصحيح المسار. وقد يدخل الطالب مدرسته بحماس كبير، بينما يدخلها آخر بقلق من مرحلة جديدة، وثالث يحمل في داخله أثر تعثر سابق أضعف ثقته بنفسه. وهنا تبدأ أولى مسؤوليات المدرسة: أن تقول لكل طالب، بالفعل قبل القول، إن تعثر الأمس لا يحكم على الغد، وإن القدرة على التعلم تنمو بالمحاولة والمثابرة وطلب المساعدة، وإن الفرصة متاحة لمن يقرر أن يبدأ بصدق.

والبداية الجادة لا تعني أن يعيش الطالب تحت ضغط الدرجات والاختبارات منذ يومه الأول، ولا أن يضع لنفسه أهدافاً أكبر من قدرته ثم يفقد حماسه سريعاً. إنها تعني أن يبدأ بعادات صغيرة قابلة للاستمرار: حضور منتظم، وإنصات واعٍ، وواجب ينجز في موعده، وسؤال يطرحه بلا خجل، ووقت ينظمه بواقعية. فالإنجاز الكبير لا يظهر فجأة في نهاية العام؛ إنه حصيلة أيام عادية أُحسن استثمارها، وخطوات بسيطة تكررت حتى أصبحت عادة.

والدافعية ليست مجرد كلمات تشجيعية تُقال في الطابور الصباحي ثم ينتهي أثرها، كما أنها ليست صفة ثابتة يحملها الطالب معه إلى الفصل. إنها تتأثر بما يجده من شرح واضح، وتواصل إنساني، وتفاعل حقيقي، وبيئة صفية عادلة تمنحه فرصة السؤال والمحاولة والتقدم. وفي قلب هذه البيئة يقف المعلم؛ فهو ليس ناقلاً للمعلومة فحسب، بل الشخص الأقرب إلى اكتشاف قدرات الطالب وتصحيح نظرته وإعادة ثقته بنفسه حين تتراجع. وقد تكون كلمة صادقة في وقتها، أو سؤالٌ يمنح الطالب فرصة للتفكير، أو موقفٌ متفهم عند التعثر. لذلك لا تُقاس قيمة الحصة بما قُدِّم فيها من معلومات فقط، بل بما أحدثته في عقل الطالب وشعوره تجاه نفسه وتجاه التعلم.

وتؤكد دراسة أُجريت في محافظة خميس مشيط، وشملت 53 معلمة من معلمات العلوم المسلكية، هذا المعنى؛ إذ رأت المشاركات أن من أكثر الممارسات تأثيراً في دافعية طالبات المرحلة الثانوية مراعاة الظروف الصحية والنفسية للطالبة، وإشراكها في بعض طرق التقويم، والسماح لها بابتكار حلول وطرائق جديدة للتعلم، وإرشادها إلى برامج مساندة وإثرائية. وبذلك يصبح دعم الدافعية ممارسة يومية تبدأ من فهم الطالب ومنحه مساحة للمشاركة وإشعاره بأن صوته مسموع وأن جهده محل تقدير.

أيها المعلمون والمعلمات: أنتم صُنّاع البدايات الحقيقية. يبدأ الطلاب عامهم أمامكم بقدرات وتجارب وظروف مختلفة، فلا تبحثوا في الصف عن المتفوق وحده؛ فقد يجلس في زاوية منه طالب لم يكتشف موهبته بعد، أو آخر ينتظر كلمة تعيده إلى الطريق. اجعلوا الأيام الأولى مساحة للتعارف والطمأنينة، ولا تجعلوا الخطأ موضع سخرية أو تهديد، وقدّموا للطلاب أهدافاً واضحة يمكنهم بلوغها، ثم احتفوا بالتقدم ولو كان صغيراً. إن الطالب الذي يشعر بالأمان يسأل، والذي يسأل يتعلم، والذي يرى أثر جهده يملك سبباً يدفعه إلى الاستمرار.

لكن المعلم مهما بلغ عطاؤه لا يستطيع أن يعمل وحده. إنه يحتاج إلى إدارة مدرسية تقود برؤية، وتنظم العمل، وتزيل العوائق، وتحمي وقت التعليم، وتبني ثقافة تقوم على الثقة والتعاون. فالإدارة الناجحة ليست إدارة جداول ودوام وانصراف فقط، بل قيادة تربوية تجعل الطالب محور القرار، وتمكّن المعلم، وتتابع المؤشرات منذ وقت مبكر، وتتعامل مع الغياب والتعثر والمشكلات السلوكية قبل أن تتفاقم، وتفتح تواصلاً صادقاً مع الأسرة.

والبيئة المدرسية ليست خلفية محايدة للتعلم؛ فالتنظيم والهدوء والاحترام والحوار وجودة الأنشطة كلها عناصر قد تقرّب الطالب من مدرسته أو تدفعه بعيداً عنها. وكلما شعر الطالب بأن المدرسة مكان ينتمي إليه، وأن صوته مسموع واحتياجاته موضع اهتمام، أصبح أكثر استعداداً للمشاركة وتحمل المسؤولية.

وإلى جانب الإدارة يقف الكادر الإداري شريكاً في صناعة اليوم الدراسي الناجح؛ فمن استقبال الطلاب وتنظيم حضورهم، إلى تيسير أعمال المعلمين، ومتابعة المرافق، والتواصل مع الأسر، وتوفير احتياجات المدرسة، تتكامل مهام قد لا تظهر دائماً في واجهة المشهد، لكنها تحفظ انتظامه. فالطالب الذي يجد يوماً منظماً، والمعلم الذي يجد استجابة سريعة لما يحتاجه، يقف خلفهما كادر يؤدي عمله بإخلاص ويعرف أن التفاصيل الصغيرة تصنع الفارق الكبير.

والمعلم نفسه يحتاج إلى بيئة تحافظ على دافعيته. فإذا كنا نطلب منه أن يدخل فصله بحماس متجدد، فمن العدل أن يجد قيادة تقدّر جهده وتستمع إلى رأيه، وتشركه في القرارات التي تمس عمله، وتوفر له ما يعينه على أداء رسالته. فالمعلم الذي يشعر بالتقدير والدعم يكون أقدر على منحهما لطلابه.

ولا تكتمل دائرة الدافعية من دون الأسرة. فدورها لا ينتهي عند شراء المستلزمات أو متابعة الدرجات، بل يبدأ بتوفير روتين يومي متوازن، وإظهار الاهتمام بالتعلم لا بالعلامة وحدها، وتجنب المقارنات التي تهز ثقة الأبناء، وبناء تواصل هادئ مع المدرسة. ويحتاج الطالب إلى رسالة واحدة يسمعها في البيت والمدرسة: نحن نثق بقدرتك، ونساند جهدك، وننتظر منك تقدماً حقيقياً يناسب إمكاناتك، لا صورة مثالية ترهقك.

كما أن استدامة الحماس تستدعي تنويع التعلم، وربطه بالتجربة والسؤال والعمل الجماعي والتقنية الهادفة. فالطالب يزداد إقبالاً حين ينتقل من متلقٍ صامت إلى مشارك يفكر ويجرب، ويتلقى تغذية راجعة، ويرى أثر تقدمه. وليست التقنية حلاً سحرياً، لكنها تصبح أداة مؤثرة حين توظف لخدمة التعلم وتنمية الفضول والابتكار، لا لمجرد لفت الانتباه. وهذا كله ينسجم مع الاتجاه الذي تتبناه رؤية المملكة العربية السعودية 2030 من خلال برنامج تنمية القدرات البشرية، الذي يمتد باهتمامه من الطفولة المبكرة إلى التعلم مدى الحياة، ويربط التعليم بإعداد مواطن قادر على المنافسة والمشاركة في صناعة المستقبل. كما أكدت وزارة التعليم أن تحسين جودة التعليم يرتبط بعناصر جوهرية، في مقدمتها تأهيل المعلم وتحفيزه، وتطوير المناهج، وتعزيز البيئة المدرسية، ورفع مستوى الحوكمة، وتمكين المدرسة لتكون نواة للتغيير.

فالرؤية لا تتحقق بالمشروعات الكبرى وحدها؛ إنها تبدأ أيضاً في فصل صغير يتعلم فيه الطالب كيف يفكر لا كيف يحفظ، وفي معلم يكتشف موهبة كانت خفية، وفي إدارة تجعل المدرسة مكاناً آمناً للتعلم، وفي كادر إداري يصون انتظام العمل، وفي أسرة تمنح ابنها الثقة من دون أن تعفيه من المسؤولية. وحين تتكامل هذه الأدوار، لا يصبح النجاح رقماً في شهادة فحسب، بل قدرة على التفكير وحل المشكلات والعمل مع الآخرين واستخدام التقنية بوعي والاستمرار في التعلم.

وقريباً ستعود الأصوات إلى الممرات والساحات، وسيجلس الطلاب أمام معلميهم في لقاء جديد يحمل آلاف القصص والاحتمالات؛ طالب يريد أن يتجاوز تعثره، وآخر يبحث عن موهبته، ومعلم يجدد عهده مع رسالته، ومدرسة تستعد لصناعة عام أفضل. فلنمنح هذه البداية ما تستحقه من جدية وأمل، ولنجعل حماسها خطة عمل لا موجة عابرة؛ لأن الجرس حين يُقرَع لا يعلن بداية حصة دراسية فحسب، بل يفتح فصلاً جديداً في رحلة بناء الإنسان، ومن داخل المدرسة تُكتب كل يوم سطور جديدة في مستقبل وطن طموح.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source sabq

زر الذهاب إلى الأعلى