ثرثرة القاعات.. كيف تبتلع الاجتماعات الماراثونية إنتاجية الصف التنفيذي؟

▪︎ واتس المملكة
.
يحذّر المقال من ظاهرة “ثرثرة القاعات” في بيئات العمل، حيث تتحول الاجتماعات المطولة والمتكررة إلى بديل عن العمل الفعلي، وتولد “وهم الإنجاز” بينما تتعطل الإنتاجية العميقة وتتأخر المشاريع. يؤكد الكاتب أن النضج المؤسسي في ظل مستهدفات رؤية المملكة 2030 يتطلب إدارة رشيدة للوقت عبر تقليص مدة الاجتماعات، قص…
يبدأ يوم العمل لدى العديد من القيادات والمحترفين بجدول تقويم مكتظ؛ حيث تتداخل المواعيد بلون واحد لا يترك مساحة للتنفس أو التفكير المتأني. يخرج الممارس من قاعة نقاش مغلقة ليدخل أخرى، وتمر الساعات في استعراض عروض مرئية مكررة، وتبادل وجهات نظر استطرادية لا تصل إلى نقطة التقاء محددة. ومع نهاية ساعات الدوام الرسمي، يكتشف أعضاء الفريق التنفيذي في المنشأة أن اليوم قد انقضى بالكامل دون إنجاز مهمة تشغيلية جوهرية واحدة، ليضطر المخلصون إلى ترحيل أعباء العمل الحقيقي إلى أوقات فراغهم أو ما بعد ساعات العمل الرسمية.
هذا الاستنزاف الزمني الممنهج يطرح تساؤلاً ملحاً على طاولة النضج الإداري: متى تحولت أروقة النقاش وقاعات الاجتماعات من منصات لحسم التوجهات وتذليل العقبات، إلى مصيدة زمنية تعطل عجلات الإنتاج؟.
إن ما تعانيه الكثير من الكيانات ليس رغبة في التكامل أو إشراك الجميع في القرار، بل هو تجسيد لخلل تنظيمي وسلوكي نطلق عليه “ثرثرة القاعات”. يبرز هذا النمط حينما يُستبدل الفعل الحقيقي بالحديث المطول، وتصبح الدعوة إلى اجتماع ردة الفعل التلقائية لأي تحدٍ تشغيلي بسيط كان يمكن حسمه برسالة محددة أو اتصال تنفيذي موجز، مما يخلق وهماً بالحركة والجهد، بينما الواقع يؤكد بقاء النتائج في حالة جمود تام.
سيكولوجية “وهم الإنجاز” والهروب من تبعات التنفيذ
التنسيق المشترك وتوحيد الرؤى بين الإدارات هو ركيزة أساسية لا غنى عنها لضمان اتساق العمليات المؤسسية؛ فالمنعزلون عن فرقهم يفشلون حتماً في بناء مشاريع عابرة للقطاعات. لكن الأزمة تبدأ عندما يصبح الاجتماع في حد ذاته “بديلاً عن العمل” بدلاً من أن يكون “محركاً له”.
تجد بعض القيادات التي تفتقر إلى وضوح الرؤية في الاجتماعات الممتدة وسيلة للتنصل غير المباشر من اتخاذ القرارات الفردية؛ إذ يوفر التواجد الجماعي مظلة لتقاسم المسؤولية وتخفيف عبء المساءلة. يُطلق على هذه الحالة نفسياً “وهم الإنجاز الحركي”؛ حيث يشعر المشاركون بعد جلسة نقاش دامت ثلاث ساعات بإنهاك جسدي وذهني يفسرونه كجهد مبذول، في حين أن المحصلة الصافية للقرارات القابلة للتطبيق تكاد تقترب من الصفر.
ضريبة تشتيت الإنتاجية العميقة واستنزاف الطاقات
إن الخسارة الكبرى التي تدفعها المنشآت جراء الاجتماعات الماراثونية ليست مجرد ضياع ساعات الحضور، بل هي تدمير حالة “التركيز والإنتاجية العميقة” (Deep Work) لدى العقول الفذة. يحتاج المحترف إلى فترات زمنية متصلة من الهدوء الذهني ليتمكن من التخطيط، والتحليل المالي، وحل المشكلات الهندسية أو البرمجية المعقدة.
عندما يُقطع يوم العمل كل ساعة أو ساعتين باجتماع استعراضي، يتشتت الانتباه ويدخل الكادر في حالة من الإرهاق الإدراكي المستمر. يتحول الصف التنفيذي بمرور الوقت إلى أدوات استماع وتدوين للملاحظات بدلاً من قيادة الميدان، مما يعطل سرعة الاستجابة لطلبات العملاء والمستفيدين، ويزيد من تكلفة التشغيل بسبب التأخير المتراكم في تسليم المشاريع.
حقيقة إدارية صادمة:
الاجتماع الذي ينتهي دون تحديد مسؤوليات واضحة ومواعيد تسليم دقيقة هو هدر صريح للموارد؛ فالتميز التنفيذي لا يُقاس بعدد الساعات التي تقضيها داخل القاعات، بل بحجم الأثر والقرارات التي تنزل إلى أرض الميدان وتغير واقع الأداء.
🔍 تثبت ممارسات الحوكمة في المنظمات العالمية والوطنية المتقدمة أن الكيانات الأكثر مرونة هي التي تحد من وقت الاجتماعات وتضع لها ضوابط صارمة؛ فالقيمة السوقية والتشغيلية تُبنى بالتنفيذ الدقيق والتسليم الملموس، وليس بالنقاشات البيزنطية التي تستهلك طاقة المنشأة دون مخرجات.
الإدارة الرشيقة وهندسة “حوكمة الوقت”
في خضم الحراك التنموي المتسارع لمستهدفات رؤية المملكة 2030، يبرز معيار “كفاءة الإنفاق الزمني والمادي” كأحد أهم مقاييس النضج المؤسسي. التحول الوطني الشامل يعتمد على السرعة، والمرونة، والتركيز على المستهدفات الميدانية بلغة الأرقام المباشرة. وبالتالي، فإن الاستمرار في تبني ثقافة الاجتماعات المطولة أصبح عائقاً يعطل مواكبة إيقاع التنمية.
الانتقال نحو الرشاقة التشغيلية يتطلب تطبيق مبادئ “الإدارة الرشيقة” (Agile Management)؛ وهي الثقافة التي تعتمد على اللقاءات السريعة المركزة والوقوف الميداني (Daily Stand-ups) لتحديد العقبات ومعالجتها فوراً دون إطالة. إن احترام وقت العمل كمورد استراتيجي نادر يقتضي وضع معايير حاسمة تمنع عقد أي اجتماع ما لم تكن هناك أهداف مكتوبة وموزعة ماً، مع تقليص مدة اللقاءات لتقتصر على ما يحقق الغرض بكفاءة.
أنسنة الجهد المؤسسي وتمكين المبادرة
إن السمعة التشغيلية الحقيقية لأي منشأة طموحة لا تُبنى بمدى انشغال قاعات اجتماعاتها، بل بمدى سلاسة تدفق العمليات وتمكين كوادرها. الارتقاء ببيئة العمل يقتضي “أنسنة الثقافة المؤسسية”؛ أي توفير بيئة تحترم طاقة الموظف النفسية والذهنية، وتمنحه المساحة الكافية للإنجاز الذاتي والمبادرة الفعالة بعيداً عن صخب الجداول المكتظة.
حماية الكفاءات من الاستنزاف في نقاشات غير مجدية يعزز من ولائهم المهني وشغفهم بالإتقان. عندما تضع الإدارة ثقتها في الكوادر وتمنحهم الصلاحيات التنفيذية لحسم التفاصيل دون الحاجة للرجوع إلى لجان مطولة، تتسارع وتيرة الإنجاز وتتفرغ القيادات للتفكير الاستراتيجي الذي يصنع الفارق التنافسي للكيان.
كتيب التشغيل: 3 خطوات حاسمة لترشيد الاجتماعات واسترداد الإنتاجية:
-
تطبيق سياسة “جدول الأعمال الإلزامي والمدة النصفية”: عدم قبول أي اجتماع لا يتضمن جدول أعمال محدد الأهداف ومرفقات مرسلة قبل 24 ساعة، مع تقليص المدة الافتراضية للاجتماعات إلى 25 أو 50 دقيقة كحد أقصى لمنح الحضور وقتاً فاصلاً للتركيز والعمل.
-
قاعدة “المعنيين فقط” وحق الانسحاب: قصر الحضور حصرياً على أصحاب القرار المباشر أو المسؤولين عن التنفيذ الميداني (دون حشد الموظفين للمجاملة)، مع منح المشاركين الحق في المغادرة بأدب فور انتهاء الجزء المخصص لهم.
-
تخصيص “أيام بلا اجتماعات” (No-Meeting Days): اعتماد يوم أو يومين في الأسبوع كأيام مخصصة للعمل الميداني والإنتاجية العميقة دون جدولة أي اجتماعات داخلية، لإتاحة مساحة زمنية غير منقطعة لإنهاء المهام الكبرى وتطوير الحلول.
خاتمة
عزيزي المسؤول.. عزيزي القائد الطموح..
الوقت هو الأصل الوحيد الذي لا يمكن تعويضه في معادلة القيادة، وقاعات الاجتماعات وُجدت لتكون منصات انطلاق للميدان، لا مساحات للبقاء الدائم. فلا تجعل من كثرة النقاشات درعاً يستهلك طاقة فريقك ويؤخر وصول مشاريعك إلى خط النهاية.
كن القائد الرشيق الذي يثمن الدقائق، يحسم الخيارات بإيجاز ووضوح، ويمنح كوادره الثقة والمساحة ليصنعوا الإنجاز الحقيقي؛ واجعل من منشأتك نموذجاً للإنتاجية والفاعلية التي تركز على النتائج والأثر المستدام، لتظل رائدة بخطواتها الملموسة وقادرة على تصدر المشهد المؤسسي بثبات واقتدار.تذكر دائماً:
“هيبتك المهنية لا تصنعها كثرة الساعات المقضاة في قاعات النقاش،
بل قدرتك على تحويل الكلمات إلى إنجازات ملموسة في الميدان؛
فالقائد الذي تسجنه ثرثرة القاعات، هو مسؤول يعيش بجسده داخل دوائر الاجتماعات الممتدة،
بينما يظل عقله وأثره الحقيقي حبيساً في أدراج الحديث المنمق والخطط المؤجلة”.
أحمد علي العمودي
خبير استراتيجي، مستشار تطوير الأعمال
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq