كيف تعيد المملكة توطين طائر الحبارى؟

▪︎ واتس المملكة

.

في صحراء يتقن التمويه بلون الرمل، يتحرك بخطى حذرة بين الشجيرات، قبل أن يُحلّق هاربًا من ظل صقر يحوم فوقه في مطاردة تختصر علاقة الإنسان بطائر الحبارى منذ آلاف السنين.

واليوم، وبعد أن كادت هذه المطاردة نفسها أن تكون سببًا في اختفاء الطائر من سماء الجزيرة العربية بالكامل، تجد المملكة نفسها في سباق مختلف تمامًا، سباق عملي لإعادة هذا الطائر إلى الموطن الذي غاب عنه لعقود.

من هو طائر الحبارى؟

الحبارى طائر بري متوسط الحجم من فصيلة الحُباريات، يتميز بريش بني رملي مرقّط يمنحه تمويهًا شبه كامل في البيئة الصحراوية، وبرقبة طويلة ورأس صغير وقدرة على الجري السريع فوق الأرض قبل اللجوء إلى التحليق.

ويُعرف النوع المنتشر في الجزيرة العربية باسم “الحبارى الآسيوي”، الذي كانت أسرابه المهاجرة والمقيمة تنتشر تاريخيًا في نطاق جغرافي شاسع يمتد من مصر إلى الصين، واعتاد هذا النوع على التكاثر بأعداد كبيرة داخل المملكة، بينما كانت الطيور المهاجرة تقضي فصل الشتاء في أنحاء واسعة من شبه الجزيرة العربية قادمة من مناطق تكاثرها في آسيا الوسطى.

حين كانت الحبارى “ملكة” مشهد الصقارة

لم تكن الحبارى مجرد طائر بري عابر في حياة سكان الجزيرة العربية، بل شكّلت لقرون طويلة الطريدة التقليدية الأولى لرياضة الصيد بالصقور، تلك الممارسة التي تُعد جزءًا أصيلًا من الحياة الثقافية في المنطقة منذ آلاف السنين، حتى أدرجتها منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية في عام 2021م بوصفها تراثًا حيًا متوارثًا.

ولم يكن هذا التراث عشوائيًا في تعامله مع الطائر؛ فقد تعايشت المجتمعات البدوية تاريخيًا مع الدورات الموسمية الطبيعية، بحيث كان الصيد يمارس في أوقات محددة فقط من العام، بما يضمن عدم الإخلال باستدامة أعداد الطائر وتكاثره الطبيعي.

شعار الموقع

أخبار عاجلة - أخبار حصرية - أوامر ملكية

منوعات | فيديو | صور | تقنية
رياضة | وظائف | صحة

إشترك بخدمة الواتساب مجاناً
لتصلك الرسائل

انقر هنا للإنضمام

الانحدار السريع.. كيف تراجعت أعداد الحبارى؟

تبدّل هذا التوازن التقليدي بشكل حاد منذ منتصف القرن العشرين؛ إذ أدت ضغوط متزايدة من فقدان الموائل الطبيعية، والصيد غير المستدام، وانتشار الصيد الجائر غير المنظم، إلى انخفاض سريع ومتواصل في أعداد طيور الحبارى.

وقد رافق ذلك، بحسب ما وثقته تقارير متخصصة صدرت في مطلع الألفية، نشاط تهريب واسع لطيور حية يُقدَّر أنه شمل آلاف الطيور سنويًا من دول مجاورة بهدف استخدامها في تدريب الصقور، وهو رقم يعود إلى دراسات قديمة نسبيًا تستدعي الحذر المنهجي عند التعامل معها نظرًا لتقادمها، لكنها تعكس على أي حال حجم الضغط الذي تعرض له الطائر عبر عقود.

والنتيجة الحالية لهذا التراجع طويل الأمد أن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة يصنّف اليوم الحبارى الآسيوي ضمن قائمة الأنواع المهددة بالانقراض في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية، مع استمرار انخفاض أعداده على الرغم من عقود من جهود الحفاظ عليه وبرامج التكاثر في الأسر؛ حتى أصبحت المملكة اليوم تخلو تمامًا من المجموعات البرية المقيمة، ولا تُشاهد الطيور المهاجرة في سمائها إلا نادرًا على طول حدودها الشمالية والشرقية.

من “الهيئة الوطنية” إلى “المركز الوطني”

بدأت الاستجابة السعودية الرسمية لهذا التحدي البيئي مبكرًا نسبيًا؛ ففي الثاني عشر من رمضان لعام 1406هـ الموافق 1986م، صدر مرسوم ملكي بإنشاء “الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها”، لتكون الجهة السعودية المتخصصة المعنية بمواجهة الأخطار المحدقة بالحياة الفطرية برًا وبحرًا، وإعادة تأهيل الأنواع المنقرضة محليًا والمهددة بالانقراض بهدف استعادة التوازن البيئي.

وتغيّر اسمها لاحقًا إلى “الهيئة السعودية للحياة الفطرية”، قبل أن يقرر مجلس الوزراء في مارس 2019م إلغاءها وإنشاء “المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية” بديلًا عنها، ليتولى الإشراف على المناطق المحمية وإدارتها، وحماية الحياة الفطرية البرية والبحرية، والعمل على إعادة الأنواع المهددة بالانقراض إلى مواطنها الطبيعية.

وقد جاء هذا الإطار المؤسسي متسقًا مع التزامات المملكة الدولية، إذ انضمت مبكرًا إلى اتفاقية “سايتس” لعام 1973م بشأن التجارة الدولية بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض، كما أصدرت نظامًا وطنيًا لصيد الحيوانات والطيور البرية يحظر الصيد دون ترخيص من الجهة المختصة، ويمنعه كليًا داخل حدود المناطق المحمية.

مراكز الإكثار.. حين يبدأ التوطين من حضانة صناعية

لمواجهة صعوبة إعادة التوطين المباشر من البرية شبه المنعدمة، أنشأ الأمير سعود بن فيصل رحمه الله في أبريل من عام 1986م، أول مركز أبحاث متخصص بإكثار الحبارى في الطائف، ليحمل اسمه لاحقًا، “مركز الأمير سعود الفيصل لأبحاث الحياة الفطرية”.

ويقع المركز على بُعد 30 كيلومترًا شرق مدينة الطائف، على ارتفاع 1400 متر فوق سطح البحر، وتبلغ مساحته نحو 35 كيلومترًا مربعًا، وهي مساحة مسيجة بالكامل كمحمية طبيعية شبه صحراوية تسودها أشجار الطلح والأعشاب البرية.

ويُعنى المركز، الذي بات تابعًا للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، برعاية وإكثار الكائنات الفطرية المهددة بالانقراض، وفي مقدمتها الحبارى والمها العربي، في مسيجات تتفاوت مساحاتها بين نصف هكتار ومئة هكتار، تمهيدًا لإعادة توطينها لاحقًا في محميات ومتنزهات وطنية ضمن نطاق توزيعها الجغرافي الطبيعي. وقد أسهم المركز بدور رائد في تطوير أساليب تكاثر فعالة للحبارى داخل الأسر، وهي مهمة تُوصف عالميًا بالصعوبة البالغة نظرًا للخصوصية الفسيولوجية والسلوكية التي تنفرد بها هذه الطيور مقارنة بغيرها من الكائنات الفطرية.

من القفص إلى البرية.. خطوات إعادة التوطين

لا تتم إعادة توطين الحبارى بنقلها مباشرة من أقفاص الإكثار إلى قلب الصحراء المفتوحة، بل عبر مراحل تأقلم تدريجية في بيئات شبه طبيعية مخصصة لهذا الغرض.

فقد خُصصت محميتا “سجا” و”أم الرمث”، الواقعتان غرب محمية محازة الصيد، لإعادة توطين الحبارى تحديدًا في بيئة شبه طبيعية تهيئ الطائر تدريجيًا لمواجهة تحديات البرية الحقيقية، فيما تُستخدم محمية “نفود العريق” جنوب شرقي القصيم، بما تملكه من بيئات رملية ملائمة، كموقع آخر لتكاثر الطيور وإطلاقها.

وتعتمد هذه المنظومة على أبحاث ميدانية مستمرة تحدد التوقيت الأنسب للإطلاق وتركيبة المجموعات المخطط لها، إلى جانب رصد التنوع الأحيائي بعد الإطلاق باستخدام أحدث تقنيات التتبع لفهم معدلات البقاء والتكيف مع البيئة الجديدة.

محمية الأمير محمد بن سلمان.. عودة بعد 35 عامًا من الغياب

في واحدة من أبرز محطات هذه المسيرة حديثًا، أعادت محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، كجزء من مهمتها الأشمل في إعادة الحياة الفطرية إلى شبه الجزيرة العربية، توطين طائر الحبارى الآسيوي داخل حدودها بعد غياب دام أكثر من 35 عامًا عن المحمية.

وتنبع أهمية هذه الخطوة من كونها لا تكتفي بإطلاق طيور مُكاثَرة في الأسر، بل تسعى إلى تأسيس نهج علمي متجدد يستهدف الهدف الأصعب في هذا المجال بأكمله، فرغم انتشار مراكز إكثار الحبارى في مختلف أنحاء منطقة الخليج العربي، وما تنتجه من أعداد كبيرة من الطيور داخل الأسر، ظلّت إعادة تأسيس مجموعات برية مكتفية ذاتيًا قادرة على التكاثر والاستمرار دون تدخل بشري مستمر هدفًا بعيد المنال حتى الآن، وهو التحدي الذي تتخذه “مؤسسة الأمير محمد بن سلمان للحفاظ على الحبارى” رسالةً محورية لعملها، بالتنسيق مع جهات أخرى كهيئة تطوير محمية الملك سلمان بن عبد العزيز الملكية التي وقّعت معها مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون المشترك في هذا المجال.

موسم العودة.. إطلاقات نهاية 2025 والأرقام التراكمية

تشهد المحميات والمتنزهات الطبيعية في المملكة موسمًا سنويًا للإطلاقات يمتد بين شهري أكتوبر وأبريل من كل عام، يجنّد له المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية فرق عمل متخصصة عبر ثلاثة مراكز تابعة له.

وفي أحدث محطات هذا الموسم، أطلق المركز في العاشر من ديسمبر 2025م، بالتعاون مع هيئة تطوير محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، 35 كائنًا فطريًا داخل حدود المحمية، تضمنت 20 طائرًا من الحبارى أُطلقت في نطاق المحمية، إلى جانب 10 من ظباء الإدمي و5 من طائر النعام في موقع الديسة “العين الحارة”، وذلك في إطار خطط تستهدف رفع أعداد الأنواع الفطرية وتنمية موائلها الطبيعية وتعزيز السياحة البيئية. ويأتي هذا الإطلاق ضمن مسار تراكمي أوسع بكثير؛ إذ ينفّذ المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية “مبادرة الإطلاقات” بوصفها إحدى ثلاث مبادرات كبرى يشارك بها ضمن مبادرة “السعودية الخضراء”، وقد نجحت هذه المبادرة إلى اليوم في إعادة توطين أكثر من 7000 كائن فطري من أنواع متعددة تشمل، إلى جانب الحبارى الآسيوي، المها العربي والنعام أحمر الرقبة والوعل الجبلي وظباء الإدمي والريم والأرنب البري وعقاب السهول والعقاب الأسود والنسر المصري وطيور القطا والحمام طويل الذنب والقميري والسمان، في حصيلة تراكمية تشمل جميع هذه الأنواع مجتمعة وليست مقتصرة على الحبارى وحدها.

هل تعود الحبارى فعلًا إلى صحراء الجزيرة؟

بين إرث ثقافي عريق جعل من الحبارى رمزًا للصقارة العربية، وواقع بيئي قاسٍ كاد يمحو الطائر من الوجود في موطنه الأصلي، تقف المملكة اليوم عند نقطة تحول تستند إلى عقود من البحث العلمي المتراكم منذ إنشاء أول مركز متخصص عام 1986م، وصولًا إلى برامج إطلاق سنوية منظمة داخل محميات ملكية حديثة كمحمية الأمير محمد بن سلمان.

ويبقى التحدي الأكبر، كما تقر به الجهات المعنية نفسها، هو الانتقال من إطلاق طيور مُكاثرة في الأسر إلى تأسيس مجموعات برية مكتفية ذاتيًا وقادرة على الاستمرار من تلقاء نفسها؛ وهو هدف لم يتحقق بعد بشكل كامل في أي مكان من منطقة الخليج، لكنه يظل الغاية التي تتجه نحوها كل خطوة من خطوات هذه المسيرة الطويلة لإعادة “ملكة الصحراء” إلى سمائها.

● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .

Source akhbaar24

زر الذهاب إلى الأعلى