لماذا أقول : المدينة المنيرة ..بين استحسان اللفظ وأثر النص.!؟

▪︎ واتس المملكة
.
تعددت أسماء مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين “المدينة” مجردة، و”المدينة النبوية”، و”المدينة المنوَّرة”، و”المدينة المنيرة”، وفق اختلاف المناهج الفقهية والاتجاهات الفكرية والذوق الصوفي. يرى جمهور المحققين أن الأفضل هو الاقتصار على “المدينة” أو “المدينة النبوية” لثبوتهما في النصوص الشرعية، فيما…
شغلت “مدينة ” رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانة استثنائية في الوجدان الإسلامي، ولم يقتصر هذا الاهتمام على قيمتها الجغرافية أو التاريخية، بل امتد ليشمل الألفاظ التي تُطلق عليها والدلالات الكامنة وراء كل تسمية.
وفي هذا السياق، تباينت اختيارات العلماء والمحققين بين الاكتفاء بلفظ “المدينة” مجرداً، أو وصفها بـ “النبوية”، أو تسميتها بـ “المنورة” و”المنيرة”، وهو خلاف يعكس مناهج فقهية ومدارس فكرية متعددة تمتد جذورها لتتقاطع مع الأثر الشرعي من جهة، والفكر الصوفي الروحي من جهة أخرى.
# رأي من قال بلفظ “المدينة” مجرداً .
يذهب جمهور علماء السلف والمحققين، ومنهم الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، إلى أن التسمية الأولى والأفضل لبلد الهجرة هي الاكتفاء بلفظ “المدينة” دون إضافة أي قيود أو صفات خلفها.
وينطلق أصحاب هذا الرأي من الدليل الأثري المحكم، حيث إن هذا اللفظ هو الذي ثبت بنصه في القرآن الكريم في مواضع متعددة، كما ثبت في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة والتابعين.
ويرى هؤلاء العلماء أن الاتباع في اللفظ الشرعي المأثور هو غاية الأدب والتعظيم، وأن السلف لم يكونوا بحاجة إلى زيادة ألقاب لتمييزها.
# رأي من قال بلفظ “المدينة النبوية”في المرتبة الثانية من حيث التفضيل والتحقيق الفقهي، يأتي لقب “المدينة النبوية”، وهو اللفظ الذي استحبه واستخدمه كبار المؤرخين والمحققين عبر العصور، مثل الإمام السمهودي في كتابه “وفاء الوفاء”، والحافظ ابن كثير، والحافظ ابن حجر العسقلاني في مصنفاتهم. و هذه التسمية هي المعتمدة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف ؛ حيث كتب عليه :” مصحف المدينة النبوية “.!
ويعلل المؤيدون لهذا اللفظ اختيارهم بأن إضافة المدينة إلى “النبوة” تمنح المكان أعلى درجات التشريف والخصوصية؛ فالنبوة هي الميزة الفذة التي لا تشاركها فيها أي مدينة أخرى في العالم، مما يجعل هذا الوصف أدق وأخص في تمييز بلدة الرسول ﷺ عن سائر بلاد المسلمين.
# رأي من قال بلفظ “المدينة المنورة”
أما لقب “المدينة المنورة”، فهو الأكثر شيوعاً وجرياناً على الألسنة وفي الدواوين والوثائق الرسمية في “العصور المتأخرة”.
وقد حظي هذا اللفظ بقبول واسع لدى جماهير العلماء والفقهاء تاريخياً، حيث استخدمه أئمة كبار في كتاباتهم مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والإمام السيوطي.
ويرى المؤيدون لهذا اللفظ صحة معناه تاريخياً وروحياً، نظراً لأن المدينة استنارت معنوياً وحسياً بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم وبأنوار الوحي والهداية.
في المقابل، تحفظ بعض العلماء المعاصرين كالشيخ ابن عثيمين على هذا اللفظ، لا من باب التحريم، بل من باب ترجيح لفظ “النبوية”؛ علة ذلك أن وصف “المنورة” قد يصدق بالعموم على أي بلدة استنارت بدخول الإسلام ونور الإيمان إليها، بينما النبوية صفة حصرية لها.
# رأي من قال بلفظ “المدينة المنيرة”على مقربة من اللفظ السابق، نجد لفظ “المدينة المنيرة” أو “مُنيرة”، وهو من الأوصاف والأسماء التراثية التي احتفظت بها كتب الآثار التاريخية القديمة.
وقد ورد هذا اللفظ في روايات المؤرخين المتقدمين، مثل ما نقله المؤرخ عمر بن شبة بإسناد عن زيد بن أسلم، حيث صنّف “منيرة” كأحد الأسماء العشرة المأثورة للمدينة.
ويحمل هذا اللفظ ذات الدلالة اللغوية والروحية للفظ “المنورة”، حيث يشير إلى الاستنارة والبهجة الربانية التي حلت بالمكان تزامناً مع الهجرة النبوية الشريفة، وظل استخدامه دلالة على الإرث التاريخي المنقول في كتب المغازي والسير.
و السؤال هنا : ما علاقة تسمية ” المنورة ” بالفكر الصرفي .!؟
الجواب : إن هذا التنوع اللفظي يظهر بوضوح عند ربطه بالفكر الصوفي، حيث يميل أهل التصوف والنزعة الروحية بشكل جارف إلى استخدام لقبي “المدينة المنورة”.!
وينطلق الصوفية في هذا التفضيل من عقيدتهم وفلسفتهم المتعلقة بـ “النور المحمدي”؛ فهم لا يرون النور في المدينة مجرد مجاز لغوي أو هداية عقلية، بل يعتقدون بوجود فيض نوري معنوي وحسي حقيقي يستمد ديمومته من وجود جسد النبي صلى الله عليه وسلم في ثراها ومقامه الشريف.
و يستشهدون بحديث أنس حيث يقول:
لمَّا كانَ اليومُ الَّذي دخلَ فيهِ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ المدينةَ أضاءَ منْها كلُّ شيءٍ، فلمَّا كانَ اليومُ الَّذي ماتَ فيهِ أظلمَ منْها كلُّ شيءٍ، وما نفَضنا عنِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ الأيديَ حتَّى أنْكَرنا قلوبَنا”.!
ولذلك، يجد الصوفية في الألفاظ المشتقة من النور مادة خصبة لاستحضار مشاعر الوجد، التعظيم، والارتباط الروحي الشديد بجناب النبي ﷺ وبكل ما يتصل به.
حسنا ؛ ماذا بقي .!؟
بقي القول : من الواضح بأن أسماء “المدينة” تتعدد بتعدد المناهج والمشارب الفكرية والفقهية. فبينما يظل اللفظ المجرد “المدينة” أو المقيد بـ “المدينة النبوية” هو المختار والمفضل لدى علماء الأثر والتحقيق الفقهي لوروده في النصوص الشرعية، يبقى لفظا “المدينة المنورة” و”المدينة المنيرة” هما المتربعين على العرف الاجتماعي والتوثيق الرسمي والوجدان الصوفي الروحي، لما يحملانه من استحضار دائم لأنوار الهجرة النبوية وبهاء الرسالة المحمدية التي انطلقت من تلك البقاع الطاهرة لتضيء العالم بأسره.
و الفارق الوحيد بين التسميتين
” المنوَّرة والمنيرة ” يكمن في المعنى الاشتقاقي ونوع اسم المشتق؛ فالأولى اسم مفعول بمعنى ما وقع عليه التنوير والإضاءة من الغير (مثل المدينة المنوَّرة)، بينما الثانية (بكسر النون ) اسم فاعل بمعنى ذاتها مضيئة ومنيرة لغيرها.
ملاحظة :
استخدم دائما وصف ” المنيرة ” لأنها وردت في نص ” زيد بن أسلم” ..و كلمة “منيرة “تدل على أنها مصدر النور و منيرة بذاتها ..
و الشاعر الوحيد الذي ذكر المدينة و هي بوصف ” المنيرة” هو الشاعر المصري المهم ” صلاح عبدالصبور في قصيدته ” مأساة الحلاج”.
● تنويه لزوار الموقع (الجدد) :- يمكنك الإشتراك بالأخبار عبر الواتساب مجاناً انقر هنا ليصلك كل ماهو جديد و حصري .
Source sabq